الرئيسية / آراء / الجيش التونسي خلال حكم بورقيبة
الجيش التونسي خلال حكم بورقيبة

الجيش التونسي خلال حكم بورقيبة

متى تدخل الجيش التونسي في الأحداث؟.. عن فترة حكم بورقيبة
د.محمد عبدالرحمن عريف
بداية فنحن أمام جيش يعد من أعرق الجيوش العربية، إنه الجيش الوطني التونسي، حيث تم إنشاء الكتائب الأولى للجيش التونسي النظامي الحديث في نفس وقت إصلاح الجيش العثماني وإثر الغزو الفرنسي للجزائر في عام 1830، بناء على مبادرة من وزير حسين باي الثاني، المملوكي شاكير صاحب الطابع أول كتيبة تكونت من بعض العثمانين وبعض أبناء البلد وقد تم تأسيسها في تونس في كانون الثاني/ يناير 1831 ليتبع السنة التالية كتيبة أخرى تتألف أساسًا من الساحل ومقرها في مدينة سوسة.
الحادث هنا أنه كان يتم تدريب الجنود والضباط، مجهزون على الطريقة الأوروبية، مثل الأفواج الأولى من الجيش العثماني بعد إصلاحات السلطان محمود الثاني، وبعد إزالة فيلق الإنكشارية. حيث تسلم أحمد باي بن مصطفى الإصلاحات الخجولة من عهد عمه حسين باي الثاني، وحثّ البلاد إلى تغيير عميق داخل الجيش والدولة. وتكوّن الجيش التونسي من سبعة ألوية للمشاة المنتشرة بالبلاد التونسية سنة 1855، ورؤسائهم آمر لواء (قائد كتيبة)، آمر أمرة (قائد فرقة). عدد الموظفين في كل لواء يختلف من 1000-2000 من الرجال في أوقات مختلفة، لواء متمركز بشكل دائم في تونس منذ عام 1831، لواء مقره في سوسة في عام 1832، لواء متمركز في المنستير، لواء مقره في القيروان، العمود في الجيش الذي يدير المناطق النائية تونس، لواء التحرك، لواء مقره غار الملح.
لقد توفر الجيش التونسي على أربعة ألوية مدفعية ما بين سنتي 1835 و 1855 في كل واحدة 1000 من الرجال، موزعة بين لواء باردو في تونس العاصمة منذ عام 1831، ولواء حلق الوادي، وألوية وزعت في مراكز البلاد (أساسا بنزرت والمنستير وصفاقس وسوسة وطبرقة، وضم الجيش أيضًا العديد من الأفواج غير النظامية من فرسان القبائل العربية والبربرية (زواوه أو مخازنيه) موزعين في جميع أنحاء البلاد ويمكن أن يرتفع العدد إلى 40،000 من المشاة والفرسان، وتعسكر هذه الأفواج بشكل رئيسي في ثكنات الكاف ونفزة وتونس.
في حين يعين ضباط من المماليك التركية لقيادتهم وعند بروز الحاجة لسلاح فرسان نظامي (سباهي) أنشأ أحمد باي الأول فوج سباهي سنة 1850 ويوجد مقره في منوبة. وخلال زمن الحماية الفرنسية (1881-1956)، تم توظيف أعداد كبيرة من التونسيين داخل الجيش الفرنسي، حيث إنضم الجنود إلى المشاة والفرسان. وشهدت هذه الوحدات الخدمة الفعلية في أوروبا خلال الحربين العالميتين، وكذلك في الهند والصين قبل عام 1954. وكانت القوة الوحيدة المسموح بها للجيش التونسي حصرًا تحت الحكم الفرنسي.
لقد تأسست اللجنة الوطنية التونسية للجيش في عام 1956، في وقت الاستقلال. حيث تألف في بادئ الامر من حوالي 1300 ضابط وجندي نقلوا من الخدمة في الجيش الفرنسي، بالإضافة إلى 850 أعضاء سابقين في حرس الباي. استمر ما يقرب من 4000 جندي تونسي في خدمة الجيش الفرنسي حتى عام 1958، عندما نقلت الاغلبية للخدمة داخل الجيش التونسي والذي ضمت قواته في تلك السنة أكثر من 6000 جندي. تم إنشاء جيش البحر التونسي في عام 1959 تلاه جيش الطيران التونسي في عام 1960. وفي نفس سنة إنشاء القوات الجوية التونسية
سبق وأرسلت تونس بعثة عسكرية قوامها 2261 جندي مجهزين بكامل عتادهم وعدّتهم للمشاركة في عملية حفظ السلام بالكونغو الديمقراطية، وحال وصولها تم تكليفها بحفظ الأمن في إقليم “كاصاي”، وقد تواصلت مهمة هذه البعثة الأولى إلى حدود بداية حزيران/ يونيو 1961 إذ عادت إلى أرض الوطن تلبية لنداء الواجب على إثر اندلاع معركة الجلاء ببنزرت حيث جدت اشتباكات مع القوات الفرنسية المتمركزة في المدينة وطردت على إثرها لتكتمل سيادة تونس على اراضيها في بنزرت حيث تم اجلاء الفرنسيين من القاعدة العسكرية بعد مفاوضات لاحقة مع الحكومة التونسية.
تواصلت مساهمات الجيش الوطني التونسي في بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام، بما في ذلك إرسال البعثة التونسية خلال الإبادة الجماعية في رواندا حيث كانت القوة التونسية ثاني أكبر قوة عسكرية أممية داخل البلاد. وقدم قائد القوة الكندية روميو دالير في كتابه مصافحة الشيطان، إئتمانه للعمل والجهد المبذول من قبل تشكيلات الجيش التونسي في ذلك الصراع.
عقب الاستقلال استطاع الحزب الحر الدستوري الجديد إحكام سيطرته على السلطة بفوز قوائمه بكل مقاعد المجلس القومي التأسيسي في 25 آزار/ مارس 1956 لتشكل في 15 نيسان/ أبريل حكومة عهد للزعيم الحبيب بورقيبة رئاستها في حين اسندت 4 حقائب وزارية لنقابيين ينتمون للاتحاد العام التونسي للشغل مكافئة له على وقوفه إلى جانب الشق البورقيبي ضد بن يوسف.
لقد عزز الحكم الجديد تدريجيًا إمساكه بدواليب الدولة على حساب الباي وفي 25 حزيران/ يونيو 1957 الغيت الملكية باجماع المجلس التأسيسي وانتخب بورقيبة رئيسًا للجمهورية. اعطى بورقيبة منذ الأشهر الأولى وحتى قبل قيام الجمهورية الأولوية للقيام بإصلاحات جذرية في المجتمع التونسي فأصدرت في آب/ أغسطس 1956 مجلة الأحوال الشخصية التي منعت تعدد الزوجات وأوكلت للمحاكم النظر في طلبات الطلاق فيما حلّت الأوقاف ووحّد القضاء وفي عام 1958 ضم نظام التعليم الزيتوني الديني إلى التعليم العمومي الذي اصبح مجانيًا وإلزاميًا. على المستوى الإداري الغيت في يوليو/ تموز 1956 القيادات وحل محلها 14 ولاية تتكون من معتمديات.
في نفس الشهر بعث الجيش الوطني وقبل ذلك في نيسان/ أبريل 1956 وقعت تونسة الأمن وبذلت مساع حثيثة لتونسة بقية هياكل الدولة. أما على المستوى الاقتصادي فاتخذت خطوات مرحلية ادت تدريجيًا إلى تونسة القطاع البنكي والقطاعات الاستراتيجية كالنقل والطاقة وفي أيلول/ سبتمبر 1958 أحدث البنك المركزي الذي أوكلت له مهمة صك الدينار التونسي العملة الوطنية الجديدة. وفي غرة تموز/ يوليو 1959 اصدر أول دستور للجمهورية وانتخب بورقيبة في تشرين الثاني/ نوفمبر من نفس العام رئيسًا لولاية من 5 سنوات بنسبة فاقت ال99% وتحصلت لائحات الحزب الحر الدستوري الجديد على كل مقاعد مجلس الأمة الذي أحدث مكان المجلس التأسيسي.
الحقيقة أنه لا يمكن الحديث هنا عن المؤسسة العسكرية التونسية من دون ذكر ظروف تأسيسها عام 1956، على النمط الفرنسي، باعتبار أنّ معظم المجموعة التي تمّ انتدابها بعد الاستقلال تكوّنت في فرنسا ومنها تأسست اللبنة الأولى للجيش التونسي. ويشارك الجيش التونسي في عمليات مدنية وعسكرية وطنياً ودولياً إلى جانب المشاركة في عمليات حفظ السلام تحت غطاء الأمم المتحدة.
الواقع أنّ بورقيبة أراد لهذه المؤسسة أن تكون منفتحة على كل أرجاء العالم، خصوصاً الغربي. فأبرم اتفاقيات عدة مع فرنسا، والتي على إثرها بدأت مرحلة بناء المدارس العسكرية، ومؤسساتها. ومن هنا، نستطيع القول إن الجيش التونسي بدأ يشق طريقه الذي رُسم له، خصوصاً أن بورقيبة استغله لبناء الدولة وجعل دوره مدنياً بامتياز، لأن بورقيبة انتهج سياسة الحياد الخارجية.
في مرحلة تأسيس وبناء الدولة بعد الخروج من الاستعمار، أوكلت مهام للجيش الوطني على غرار بناء السكك الحديدية، وبناء الطرقات، وحتى العمل في الفلاحة، قد تكون هذه الأسباب أعطت للجيش حضوره لدى الشعب لغاية العام 1962. تغيّرت بعد ذلك، كل المعطيات بمؤامرة قادها بن علي وعدد من الأمنيين، وبعض المدنيين الذين خططوا للانقلاب على الحبيب بورقيبة، وبعدما حظيت المؤسسة العسكرية بامتيازات كبيرة من طرف الرئيس آنذاك، سحب البساط من تحتها، ودخلت في مرحلة. وهنا نتذكر ما قاله بورقيبة عن الجيش في عبارة “لا يجب دخول أي عسكري إلى الحياة السياسية، ولا يجب أن يتقلد مناصب سياسية”.
المحاولة الانقلابية على بورقيبة 1962
جاءت البداية مع أحداث 1962، وتم تصنيفها على أنها محاولة انقلاب ضد نظام الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة، ذلك عندما اشترك في القيام بها مجموعة من العسكريين والمدنيين من مختلف التوجهات السياسية من مقاومين سابقين وعسكريّين ومدنيين معارضين للنظام وفيهم محسوبون على التيّار اليوسفي والقومي. ويعتبر عبد العزيز العكرمي محركها الرئيسي ورأسها المدبر. ألقي القبض على المجموعة التي تضم قرابة ‌25 شخصًا في 19 كانون الأول/ ديسمبر 1962 وبدأت محاكماتهم في 12 كانون الثاني/ يناير 1963 وتمّ التّصريح بالحكم يوم 17 كانون الثاني/ يناير 1963، بعد أكثر من عشرين ساعة من المداولات.
لم يسمح النظام للمتّهمين باختيار محامين بل عيّن لهم 5 محامين معروفين بقربهم من النّظام.وبعد 5 أيّام من المحاكمات أصدرت المحكمة العسكرية بتونس في حقهم أحكامًا تراوحت بين الإعدام والأشغال الشاقة والسجن. فقد حكمت المحكمة بإعدام 13 شخصًا منهم وهم “عمر البنبلي” و”كبير المحرزي” و”صالح الحشاني “وعبد الصادق بن سعيد” و”المنصف الماطري” و”حمادي قيزة” و”الحبيب بركية” وكلهم من العسكريين و”الحبيب حنيني” و”الهادي القفصي” و”الأزهر الشرايطي” و”عبد العزيز العكرمي” و”أحمد الرحموني” و”المسطاري بن سعيد” (في حالة فرار) وكلهم من المدنيين، وبالأشغال الشاقة المؤبدة على “محمد الصالح البراطلي” و”الساسي بويحيى”، وبعشرين عامًا أشغالًا شاقة على “العربي العكرمي” و”علي كشك” و”عبد القادر بن يشرط” و”أحمد التيجاني” و”تميم بن كامل التونسي “وعشر سنوات أشغالًا شاقة على “علي القفصي” و”عز الدين الشريف”، وخمسة أعوام أشغالًا شاقة على “علي الكفلي الشواشي”، وعامين سجنًا على “محمد العربي المثناني” و”حسن مرزوق”، وبعام سجنًا على العربي الصامت.
بعد 7 أيّام من التّصريح بالحكم تمّ تنفيذ أحكام الإعدام رميًا بالرصاص في 10 من المحكوم عليهم بتاريخ 24 كانون الثاني/ يناير 1963، مع استثناء “المنصف الماطري” و”محمد قيزة” اللذين أبدل الحكم في شأنهما إلى الأشغال الشاقة المؤبدة.
سبق وأنهى المؤرخ التونسي خالد عبيد بمعية فريق من الإعلاميين إنتاج وإخراج شريط وثائقي يحمل عنوان: “تراجيديا دولة الاستقلال في تونس: محاولة الانقلاب على الحبيب بورقيبة 1962”. جاء هذا العمل الوثائقي المصور في الذكرى 55 للمحاولة الانقلابية، وليسلط الضوء بأكثر تفاصيل على المحاولة الفاشلة، والتي تورط فيها أنذاك عسكريون وأمنيون ومناضلون في الحركة الوطنية من المقاومة، وشباب من الحزب الدستوري الحاكم.
نعم بورقيبة كان خائفًا من انقلابات فترة الاستقلال، كالتي شهدتها المنطقة العربية حينذاك في خمسينات وستينات القرن الماضي، وهو السبب الرئيس وراء تهميش دور الجيش التونسي في عهده؛ إذ كان يخشى انقلابًا عسكريًا ضده، كما أنه شدد الحصار على الجيش عقب تعرضه لانقلاب عام 1962، والذي يحكي تفاصيله الصافي سعيد في كتابه واصفًا ساعة الصفر، فيقول: «كان قائد الحرس الخاص لبورقيبة النقيب، كبير المحرزي، سيعطي ليلة 20 من ديسمبر/ كانون الأول 1962، كلمة السر لمجموعة من الضباط التي تسمح لهم بالدخول إلى القصر الرئاسي، وكذلك إلى غرفة نوم الرئيس؛ ليجهزوا على ذلك الذي باع تونس إلى الشيطان، ووزع ثرواتها على أقاربه وأقارب زوجته؛ ثم انتصب كحاكم مُطلق بلا أي رادع أو وازع».
لقد جمع هذا الانقلاب كل المحبطين من النظام السياسي واليائسين من الإصلاح والطامعين في المناصب العليا، سواء كانوا مدنيين أم عسكريين، إلا أنهم كانوا بلا قائد أو زعيم لهذا الانقلاب الذي أحبط قبل ساعة الصفر بنصف ساعة، وهو الأمر الذي أدى بـ«بورقيبة» إلى اتباع عدة تدابير من شأنها أن تمنع حدوث أية انقلابات قادمة؛ فقام بنقل «الحرس الوطني التونسي» إلى وزارة الداخلية، على الرغم من أنها قوة عسكرية تابعة لوزارة الدفاع، وذلك من أجل إحباط أية نوايا للتواطؤ مرة ثانية بين الحرس الوطني والجيش. كما حرم ضباط الجيش من امتياز التصويت في الانتخابات، أو الانضمام إلى الأحزاب السياسية، وعمد إلى ترقية الضباط الموالين للنظام.
لقد أوعز بورقيبة لحزبه السياسي (الحزب الدستوري الجديد)، بإجراء تحريات على أول دفعة من الضباط التونسيين الذين تم إرسالهم إلى الأكاديمية العسكرية الفرنسية (سان سير)، وقد شغل ضباط من هذا الفوج الذي تم فحصه –والذي أطلق على نفسه ترقية بورقيبة– المناصب العسكرية الرفيعة على مدى الثلاثة عقود التالية، الأمر الذي ضمن ولاء الجيش للنظام.
الجيش التونسي وأحداث “الخميس الأسود” 1978
إنه الخميس الأسود، حيث مواجهات دامية هزت البلاد التونسية يوم 26 كانون الثاني/ يناير 1978 إثر الصدامات العنيفة التي شهدها ذلك اليوم بين الطبقة الشغيلة يقودها اتحاد الشغل ونظام الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة. فقد شهدت العلاقة بين الحزب الدستوري الحاكم والاتحاد العام التونسي للشغل تصدعًا حادًا بداية من السبعينات نتيجة مطالب عمالية ونقابية وسياسة التصعيد التي انتهجها نظام بورقيبة خاصة بإعلان الاتحاد الإضراب العام يوم 26 كانون الثاني/ يناير 1978 بعد انعقاد مجلسه الوطني أيام 8 و9 و10 من نفس الشهر، وكانت هذه التواريخ بداية الحسم في قرار الإضراب سيما بعد فشل جميع المساعي الداخلية والخارجية لفض النزاع واشتعال فتيل المسيرات والمظاهرات التي عمت البلاد خاصة بمدينة صفاقس ومدينة قصر هلال والتي واجهها نظام بورقيبة بالخيار الأمني وذلك قبل أيام فقط من موعد 26 كانون الثاني/ يناير، سيما بعد إقالة وزير الداخلية آنذاك الطاهر بلخوجة المعروف بعدم ميله إلى الحل الأمني وتعيين وزير الدفاع عبد الله فرحات مكانه مما ساهم في اشتعال الوضع أكثر ونزول الجيش لأول مرة إلى الشوارع وانتشاره في العاصمة يوم 26 كانون الثاني/ يناير. وهنا تؤكد التقارير مستقلة أن حوالي 400 قتيل سقطوا في الأحداث وجرح أكثر من ألف مواطن نتيجة المواجهات بين الجيش وبوليس بورقيبة من جهة والمتظاهرين من جهة أخرى في حين أقرت حكومة الهادي نويرة بسقوط 52 قتيلًا و365 جريحًا فقط.
أحداث قفصة 1980
نحن أمام تفاصيل جديدة في أحداث قفصة 1980، فعملية قفصة حدثت في الليلة الفاصلة بين 26 و27 كانون الثاني / يناير سنة 1980، حيث تولى عدد من المسلحين قدّر عددهم بحوالي 60 مسلحًا ينتمون جميعهم الى فصائل المعارضة التونسية ذات التوجهات القومية وآخرون ينتمون إلى التيار اليوسفي في تونس إلى الاستيلاء على المدينة قبل أن يوجهوا دعوتهم للأهالي للانضمام إلى الثورة المسلحة والإطاحة بالنظام البورقيبي بعد أن جمعتهم الرغبة في تغيير الأوضاع في تونس بعد القمع الذي تعرضت له الحركة النقابية عام 1978.
هنا ردت السلطة انذاك التي استنجدت بفرنسا بعنف كبير وتمكنت من السيطرة على المجموعة واعتقال معظم عناصرها الذين احيلوا على المحاكمة وتم الحكم حضوريًا بإعدام 11 منهم ونفذ فيهم الحكم فجر 17 نيسان/ أبريل، أي بعد العملية بـ80 يومًا فقط. هذه القضية حملت الكثير من التفاصيل التي بقيت مخفية على الرأي العام حيث أتهم هؤلاء المنفّذون للعملية بالخيانة وسمّوا بالمرتزقة واعتبرهم البعض الآخر من الشعب التونسي “مناضلون في سبيل تحرير تونس من استبداد النظام البورقيبي” (كما يرون هم انفسهم) وقد استشهد في العملية كلّ من عمر البحري الناصر الكريمي وصالح البدري في حين تمّ تنفيذ الإعدام ضدّ الاتي ذكرهم: أحمد المرغني، عز الدين الشريف، محمد صالح المرزوقي، نور الدين الدريدي، محمّد الجمل، محمّد الحميدي، الجيلاني الغضباني، عبد الحكيم الغضباني ومحمّد علي النواش وعبد الرزاق سالم نصيب وعبد المجيد الساكري وعمار المليكي والعربي الورغمي وعبد الرؤوف الهادي صميدة.
في حين حكم بالاعدام غيابيًا كلّ من عمارة ضو بن نايلة وعمارة ضو مانيطة وحكم بالأشغال الشاقّة المؤبّدة لطيف مبارك شنيتر وحسن العبيدي وسعد الوافي والنوري الوهابي والعكرمي المنافقي وبالأشغال الشاقّة المؤبدة غيابيًا على صلاح الدين قرام والبشير بوملاسة وسعيد الورشفاني والناصر الغريبي ومحمد بلقاسم وحكم بالاشغال الشاقّة مدّة 20 سنة كلّ من البشير رباح العيدودي وعمار المنافقي وبوبكر معلّم وطه ياسين الوحيشي والعربي العكرمي وحكم بالاشغال الشاقّة مدّة 5 سنوات كلّ من عبد الرحيم نصري وعبد الكافي عثامنية ومحمّد الزيدي وعبد الحميد عثامنية وابراهيم عبادلية وبالاشغال الشاقة مدّة سنة الازهر الآجري وبالاشغال الشاقّة مدّة 6 اشهر على محمّد الطيب المرزوقي ويوسف بن بلقاسم مباركي وساسي سوداني ومحمد الهادي الغابري.
انتفاضة الخبز 1984
انتفاضة الخبز في تونس 1984، هو الاسم الذي اطلق على الاضطرابات التي عرفتها تونس في كانون الثاني/ يناير 1984، بعد زيادة سعر الخبز وعدد من السلع الأساسية. الأحداث انطلقت أحداث انتفاضة الخبز لسنة 1984، من مدينة دوز بالجنوب التونسي بمناسبة السوق الأسبوعية في 29 كانون الأول/ ديسمبر 1983، في شكل مظاهرات أدت إلى المواجهة بين المتظاهرين وقوات النظام العام.
انتشرت الظاهرة لتشمل مدينة قبلي ومدينة سوق الأحد المجاورتين في اليوم الموالي متخذة طابعًا عنيفًا بعد أن اتسعت لتشمل مدينة الحامة. ومع دخول مشروع الزيادة في أسعار العجين ومشتقاته حيز التنفيذ يوم 1 كانون الثاني/ يناير 1984، شملت الحركة الاحتجاجية مناطق الشمال والوسط الغربي في الكاف والقصرين وتالة وبقية مناطق الجنوب في قفصة وقابس ومدنين، مما استدعى دخول الجيش لهذه المناطق بعد أن سجل عجز قوات النظام العام في الحد من توسع الانتفاضة.
مع إعلان وزارة الداخلية يوم 2 كانون الثاني/ يناير عن سقوط قتلى وجرحى في مناطق قبلي والحامة والقصرين وقفصة، دخلت المنطقة الصناعية بقابس في إضراب شامل ومسيرات كبرى شارك في تنظيمها كل من العمال والطلاب. كما التحق طلبة الجامعات والمدارس الثانوية في مدن تونس و صفاقس بالشوارع معبرين عن رفضهم إلغاء الدعم عن العجين ومشتقاته. في يوم 3 كانون الثاني/ يناير، بلغت الانتفاضة أوج أحداثها وباتت المواجهة مفتوحة بين المتظاهرين من ناحية وقوات النظام العام والجيش من ناحية أخرى.
أصبح العنف سيد الموقف فأحرقت المحلات والسيارات والمؤسسات والحافلات في شوارع العاصمة وضواحيها وفي كثير من المدن في الساحل وفي الدواخل. لقد نجم عن ذلك إطلاق الرصاص وسقوط مزيد من القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين. تدخل الجيش قرر رئيس الدولة احتلال شوارع العاصمة بواسطة الجيش وإعلان حالة الطوارئ ومنع كل تجمع بالطريق العام والساحات العامة يفوق ثلاثة أشخاص، هذا علاوة على منع جولان الأشخاص والعربات من الخامسة مساء إلى السادسة صباحًا.
رغم إقرار الوزير الأول السيد “محمد مزالي” بأن تلك الإجراءات نهائية وغير قابلة للتراجع والمراجعة فإن المظاهرات المعادية للحكومة ولاختياراتها قد تواصلت في اليوم التالي أي يوم 4 كانون الثاني/ يناير 1984 في كثير من مناطق البلاد وفي العاصمة وضواحيها. كما أن العطلة القسرية التي منحت للجامعات ومختلف المؤسسات التربوية أيام 4 – 7 كانون الثاني/ يناير 1984 وما صاحب ذلك من اعتقالات في صفوف من تطلق عليهم الحكومة صفة “المجرمين والمخربين” لم يحل دون تواصل الحركة الاحتجاجية التي لم تتوقف إلا مع إعلان رئيس الدولة التراجع عن تلك الإجراءات وإعادة النظر في الميزانية الجديدة في فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف الاقتصادية المنهارة وعدم تحميل المواطن أعباء هذا التدهور.
الواقع أن المؤسسة العسكرية التونسية منذ إنشائها في العام 1956، حتى اليوم شهدت محطات هامة، على الرغم من التهميش الذي عاشته في فترة حكم الرئيسَين السابقَين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي. إلّا أنّها حظيت بعد الثورة باحترام المواطنين لدورها الفاصل في أحداث الياسمين 14 يناير/ كانون الثاني 2011، تاريخ مغادرة الرئيس المخلوع البلاد.
في النهاية يبقى أن الجيش التونسي قد ساهم في عملية الانتقال الديمقراطي في تونس، من خلال تأمين الانتخابات بعد الثورة، عبر انتخاب الرئيس السابق المنصف المرزوقي أولاً في العام 2011 من خلال المجلس التأسيسي، ثم انتخاب الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي في عام 2014، فضلاً عن توليه تأمين الانتخابات التشريعية وحراسة مؤسسات الدولة، قبل أن تلقى على عاتقه مهمة إضافية أخيراً في حربه الحالية ضد الإرهاب.
لقد صُنّف الجيش التونسي، أخيراً في المرتبة الـ7 عربياً و58 عالمياً، بحسب موقع “غلوبال فاير باور” Global Fire Power، المهتم بالشؤون العسكرية وتصنيف أقوى 10 جيوش عربية ومكانتها عالمياً. ويتألف الجيش التونسي من 80 ألف عنصر بمختلف رتبهم. كما يشارك في عمليات مدنية وطنياً ودولياً، إلى جانب المشاركة في عمليات حفظ السلام تحت غطاء الأمم المتحدة.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

لحل أزمة إيران: على ترامب تغيير المسار

ترجمة: د. هيثم مزاحم – كتب الباحث والدبلوماسي الإيراني السابق سيد حسين موسويان مقالة في …

تخيلي أنك شجرة

بقلم: سالي س. علي* | تخيلي أنك شجرة – أعني شجرة حقيقية – تنتظر الشتاء …

دموع القيثارة

بقلم أحمد المهدي* | جَلَسْتُ مَسَاءً وَزَمَانِي أَشْكُوْهُ هُمُومِي وَأَحْزَانِي واَلْقَلْبُ حَزِينٌ مُضْطَرِبٌ يَبْكِي مِنْ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.