الرئيسية / ترجمات / قنبلة موقوتة في غزة: الخيارات المتاحة أمام إسرائيل
الغزاويون سئموا
الجيش الإسرائيلي: "وحدة الإرباك الليلي" التابعة لـ"حماس" عادت إلى نشاطها

قنبلة موقوتة في غزة: الخيارات المتاحة أمام إسرائيل

بقلم رون بن يشاي – محلل عسكري إسرائيلي —

الهجمات الكلامية المتبادلة الأخيرة بين وزير الأمن، أفيغدور ليبرمان، ووزير التربية والتعليم، نفتالي بينيت، في ما يتعلق بقطاع غزة، تخفي وراءها خلافاً استراتيجياً مشروعاً يجهل الجمهور في إسرائيل حيثياته وتفاصيله. وهو، في واقع الأمر، جدال عميق، جدي وحادّ يجري في المجلس الوزاري المصغر وفي الجيش حول السؤال: أي الخيارات الاستراتيجية الثلاثة المتاحة والمعقولة هو الذي ينبغي اختياره واعتماده من أجل وضع حد نهائي لمعاناة المواطنين في جنوب البلاد؟
ثمة أمر واحد لا خلاف حوله مطلقاً: هذه المعاناة المتواصلة سببها حرب الاستنزاف التي بدأتها حركة “حماس” والتنظيمات الفلسطينية ـ الغزّيّة، قبل خمسة أشهر، ضد المواطنين في منطقة النقب الغربي وضد الجيش الإسرائيلي. وما يثير الغضب هو أن الدافع الحقيقي والأساسي لمسيرات العودة، البالونات الحارقة وإطلاق القذائف إلى المناطق الإسرائيلية هو النزاع الفلسطيني الداخلي، بين حركتي “فتح” و”حماس”.
يتفق القادة السياسيون وقادة الجيش الإسرائيلي، اتفاقاً تاماً، على ضرورة وقف حرب الاستنزاف “الحماسية” هذه ومنع استمرارها أكثر، بصرف النظر تماماً عن محرّكها ودوافعها. فليس في وسع أية حكومة ديمقراطية منتَخَبة القبول بالمسّ المتواصل بسيادتها، بممتلكات مواطنيها وبحياة جنودها، حتى لو لم يشكّل هذا المسّ خطراً وجودياً على دولة إسرائيل ومواطنيها، بل يمكن احتماله من الناحية المادية.
ثمة خطورة موازية، أيضاً، لحقيقة أن حرب الاستنزاف الحماسية هذه تزعزع، بصورة أساسية، شعور المواطنين في الجنوب بالأمن. هذا يعني أن مجرد استمرار هذه الحرب سيؤدي، عاجلاً أم آجلاً، إلى تصعيد شامل يحتّم دخول قوات الجيش الإسرائيلي إلى قطاع غزة. في المقابل، يقضم استمرار هذه الحرب بقوة الردع العام التي يمتلكها الجيش الإسرائيلي، ما يعود بضرر مستديم على أحد أحجار الأساس في مكوّنات الأمن القومي الإسرائيلي.
فعلياً، هنالك ثلاثة خيارات استراتيجية متاحة أمام الأجهزة الأمنية والمجلس الوزاري المصغر، تهدف جميعها إلى تحقيق الهدوء لفترة طويلة (لسنوات عديدة) في منطقة الحدود مع قطاع غزة. لكل واحد من هذه الخيارات أفضليات، وسلبيات بالأساس، مما يجعل عملية الاختيار بينها مهمة صعبة ومثيرة للخلافات. هذه هي التوجهات الثلاثة:
تقوم الاستراتيجية الأولى على إجراء عسكري واسع النطاق جرى التخطيط والإعداد له في الجيش، كما اختير له اسم رمزي عملاني أيضاً، في صُلبه إضعاف حركة حماس بواسطة ضربات جوية مكثفة (تشمل اغتيالات مركّزة أيضاً)، ثم الاقتحام البري بقوات كبيرة على نحو يقطع أوصال قطاع غزة ويفصله إلى عدة مناطق معزولة عن بعضها ويقضي، نهائياً، على أية مقاومة مسلحة من جانب “حماس” و”الجهاد الإسلامي”. بعد الحسم العسكري، وخلال المرحلة الثانية التي خُطط لها أن تستمر بضعة أسابيع، يجري الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) مسحاً شاملاً للمنطقة يتم خلاله تدمير جميع البنى التحتية ووسائل الانتاج العسكرية التي يمكن أن تكون قد تبقت لدى حماس والتنظيمات الأخرى. بالإضافة إلى ذلك، تنفذ القوات الإسرائيلية حملات اعتقال واسعة في صفوف نشطاء “حماس” وتبحث عن الأسرى وجثث الجنود الإسرائيليين هناك. إلى هنا المهمة العسكرية.
ما سيجري بعد ذلك، هو موضع خلاف. يقترح الجيش الاكتفاء بتدمير جميع قدرات “حماس” و”الجهاد الإسلامي” العسكرية، تدميراً نهائياً، جذرياً ومنهجياً، ثم مغادرة قطاع غزة، بعد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، بوساطة مصر والأمم المتحدة. ظاهرياً، يبدو أن ما حصل في الجولات السابقة هو ما سيحصل في أعقاب المعركة القادمة أيضاً.
لكنّ الأمر ليس كذلك، كما يؤكد الجيش. فهذه المرة، لن نكتفي بتدمير الأنفاق فقط، بل “سنعالج”، بصورة جذرية ومنهجية، جميع القدرات العسكرية التي يمتلكها الغزّيون (وخصوصاً قدرات إطلاق النار، الأنفاق والقوة البحرية) بما يجعلهم في حاجة إلى وقت طويل جداً وموارد كبيرة (غير متوفرة لهم) لترميمها. ويجب أن نذكر أيضاً أن العمل سينتهي قريباً في إقامة السياج العائق على طول الحدود مع قطاع غزة، فوق الأرض وتحتها، وهو ما لن يترك أمامهم مجالاً واسعاً للتحرك والعمل. أما في الجانب المدني، فسنحرص على إطلاق وتفعيل آليات الترميم المدني بتمويل جهات عربية وبمراقبة الأمم المتحدة.
ماذا سيكون الإنجاز الذي لم يتحقق في المعارك السابقة؟

إضعاف حماس عسكرياً، من الأساس، و”خطة الخروج” هذه، سيضمنان لنا بعد المعركة المقبلة – كما يقول قادة الجيش – فترة من الهدوء والاستقرار تمتد سنوات طويلة. وتثبت التجربة أن الهدوء في الجنوب يدفع إلى أمام باقتصاد النقب وبتعاظم قوة الجيش الإسرائيلي بوتائر سريعة، بينما ستضطر “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، أولاً، إلى ترميم ما تم تدميره. وإذا ما لاحظنا أنهما بدآ في استعادة قدراتهما، فسنقوم بمعالجة الأمر. في الأثناء، سنتفرغ لمعالجة تهديد التواجد الإيراني في سورية، عسكرياً وسياسياً.
سيكون الثمن هنا معقولاً، أيضاً، لأننا لن نبقى في قطاع غزة لوقت طويل. هذه الحقيقة من شأنها تقليل الخسائر في الأرواح وتقليص عدد الفرص المهيأة لتنفيذ عمليات اختطاف لجنودنا. في المقابل، ستكون منظومة “القبة الحديدية” قادرة على توفير حماية جيدة للسكان في المنطقة القريبة من الحدود مع قطاع غزة وسيكون بإمكان أي مواطن، إذا رغب بذلك، مغادرة المنطقة ثم العودة إليها بعد تحقيق الهدوء المستقر.
لم تكن هذه الخطة العسكرية، حتى الفترة الأخيرة، تثير رضى وزير الأمن، ليبرمان، وإعجابه. فالحسم العسكري وإضعاف “حماس” و”الجهاد الإسلامي” من الأساس من شأنهما، في نظره، ضمان الهدوء لفترة زمنية قصيرة جداً فقط، وسنعود إلى النقطة نفسها التي نقف فيها الآن في غضون سنة واحدة حتى سنتين على الأكثر. واستئناف إرهاب البالونات الحارقة لا يحتاج إلى قدرات عسكرية متطورة، ما سيضعنا في المأزق ذاته، من جديد. لذلك، طلب ليبرمان – وما زال يريد – أن يقوم الجيش الإسرائيلي بتدمير سلطة “حماس” تدميراً كلياً ونهائياً وأن يتيح استبدالها بقوة أخرى، مدنية وعسكرية، تستثمر جميع مواردها وطاقاتها لدى توليها الحكم في تحسين وضع سكان قطاع غزة الاقتصادي ورفع مستوى حياتهم (بدلاً من الاستثمار في التعاظم العسكري وفي التحضيرات للمواجهة العسكرية مع إسرائيل، كما تفعل “حماس” و”الجهاد الإسلامي”).
يبدو مطلب تدمير سلطة حماس مطلباً محقاً وحيوياً، بالتأكيد، في منظور الأمن القومي الإسرائيلي. لكن السؤال هو: من هي الجهة السلطوية التي يمكن أن تحل مكانها؟ مصر ليست معنية بتأدية دور الحاكم في قطاع غزة وأبو مازن غير معني بذلك – في هذه المرحلة على الأقل – طالما لم تمنحه “حماس” السيطرة على ذراعها العسكرية أيضاً، فوق الأرض وتحتها. ولهذا، يبقى هذا السؤال قائماً دون جواب مُرضٍ. ولذا، فليبرمان لا يضغط.
من الواضح تماماً أنه طالما بقيت حركة حماس هي المسيطرة في قطاع غزة وتمتلك قوة عسكرية جدية، فلن يحل السلام، بل حتى لن يستتب الهدوء لفترة طويلة (10 سنوات – 15 سنة، أي ما يسمى “الهُدنة”). والسبب في ذلك بسيط: الطموح لإبادة دولة إسرائيل بواسطة الجهاد العنيف هو أحد الهدفين المركزيين اللذين من أجلهما أقام الشيخ أحمد ياسين هذه الحركة الإسلاموية (على غرار “الإخوان المسلمون”).
أما هدف “حماس” الآخر فهو إنشاء إمارة إسلامية، في فلسطين بداية ثم في العالم بأسره تالياً. وكي يتحقق هذان الهدفان، يجب أن تختفي إسرائيل عن الخارطة. ولهذا السبب، لن تقبل “حماس” مطلقاً بوقف العنف ضد إسرائيل ولن تقبل، مطلقاً، بالتخلي عن سلاحها (“المقاومة”)، سعياً منها إلى استنزاف إسرائيل حتى يدب اليأس في نفوس وقلوب سكانها فيرحلون “ويعودون إلى بلادهم الأصلية”. ولن تقبل “حماس”، أيضاً، بالتوقف عن سعيها الدائم للتعاظم العسكري، بل العكس هو الصحيح – ستحاول “حماس” السيطرة على الضفة الغربية أيضاً، وهو ما يعرفه أبو مازن جيداً، إذ يطالب “حماس” بالتوقف عن كونها قوة سلطوية وسياسية تمتلك قدرات عسكرية جدية.
هل يضع الجيش الإسرائيلي إضعاف “حماس” عسكرياً أو تدمير سلطتها هدفاً له خلال المعركة القادمة في قطاع غزة؟ هذا ما يتوجب على المجلس الوزاري المصغر اتخاذ القرار بشأنه، لكن فقط في حال اتخاذ قرار مبدئي بالمبادرة إلى شن عملية عسكرية واسعة النطاق في قطاع غزة. في هذه الأثناء، يتجنب المجلس الوزاري المصغر اتخاذ قرار مبدئي كهذا، لأن الثمن سيكون باهظاً جداً، أكثر بكثير مما يترتب على الخيارين الآخرين المتاحين أمامه، ولأن الإنجاز سيكون ضئيلاً جداً، نسبياً: أكثر بقليل، أو أقل بقليل، مما تم تحقيقه في “عملية الجرف الصامد” (العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في تموز – آب 2014).
سنصل، لاحقاً، إلى جذر الخلاف بين بينيت وليبرمان، لكن من المهم أن نعرف الآن أن المجلس الوزاري المصغر رفض الخيار العسكري الواسع، القاضي بتوغل الجيش الإسرائيلي البري في قطاع غزة. وبدلاً من ذلك، قرر المجلس الوزاري المصغر (بأغلبية ثمانية وزراء) اعتماد خيار “التسوية”، الذي يُفترض أن تنتفي معه الحاجة إلى عملية عسكرية واسعة. في قراره هذا، قبل المجلس الوزاري المصغر بتوصية الجيش، “الشاباك” (جهاز الأمن العام) ومجلس الأمن القومي. وهي التوصية التي تبناها رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن، أفيغدور ليبرمان، بقوة وأعلنا دعمهما لها. لهذا الخيار أفضليات غير قليلة:
أولاً، أنه يحقــق الهدوء في جنوب البلاد، ولو لفترة زمنية محدودة، من دون أية إصابات بين قواتنا، ومن دون محاولات – قد تتكلل إحداها بالنجاح – لخطف جنود من الجيش الإسرائيلي، ومن دون هَدر مليارات الشواقل هباء.
ثانياً، تتيح التسوية استكمال بناء السياج العائق على طول الحدود مع قطاع غزة، في غضون فترة زمنية قصيرة، كما تتيح للجيش وللقيادة السياسية تركيز الجهود في لجم التموضع الإيراني في سورية. إذا ما خرج الجيش إلى حرب في قطاع غزة، فقد يستغل الإيرانيون و”حزب الله” ذلك لإرغامه على القتال على جبهتين أو ثلاث جبهات في الوقت ذاته.
ثالثاً، قرار السير في المسار السياسي – الدبلوماسي سيمنح إسرائيل، في المجتمع والإعلام الدوليين، شرعية لاستخدام قوتها كاملة إذا ما فشلت التسوية ونشأت الحاجة إلى عمل عسكري واسع النطاق.
رابعاً، إذا ما نجحت التسوية، فستتيح المجال لترميم الوضع الاقتصادي ومستوى المعيشة، بصورة حادة ومكثفة، لأكثر من 1,8 مليون إنسان يعيشون في قطاع غزة، ما سيقلص خطر انزلاق القطاع إلى أزمة إنسانية حقيقية وجدية ستكون إسرائيل المتهمة بأنها المسبب لها. وسيكون للغزيين الكثير مما يمكن أن يخسروه في إطار أية مواجهة مع إسرائيل، مما سيقلل من دافعية الشبان لدعم النهج المتطرف الذي يقوده رؤساء الذراع العسكرية في “حماس” أو للمشاركة في تنفيذه.
خامساً، ستُبقي التسوية على سلطة “حماس” في قطاع غزة، لكن من مصلحة إسرائيل أن تكون في جوارها سلطة حكم قوية، وهذا أفضل لها من فوضى مسلحة لا بد أن تتسرب، بالضرورة، إلى داخل مناطقها هي. وأكثر من هذا، فطالما بقيت في قطاع غزة سلطة “حماسية” قوية، طالما استمر الانفصال والعداء بينها وبين السلطة الفلسطينية برئاسة “أبو مازن”. مثل هذا الفصل يخدم، بصورة جيدة، إيديولوجية حكومة اليمين الحالية، دعايتها وسياسييها. ليس من المؤكد أن هذا يخدم جميع مواطني دولة إسرائيل على المدى البعيد، لكن هذا موضوع آخر. في الأثناء، يقترب موعد الانتخابات البرلمانية العامة في إسرائيل، ومن الأفضل لنتنياهو وليبرمان – في هذا التوقيت – عدم زعزعة السفينة بعملية عسكرية قد تتطور إلى ورطة دامية.
سادساً، التسوية بوساطة مصرية ستعزز التعاون الاستراتيجي بين إسرائيل والمصريين.
سلبيات هذا الخيار ونواقصه واضحة تماماً هي الأخرى، ليس أقل من أفضلياتها، وقد ينطوي تجاهلها على مخاطر جسيمة جمّة:
العيب الأساسي في خيار التسوية هو أن أياً من خطط التسوية التي يقترحها المصريون ومبعوث الأمم المتحدة، نيكولاي ملادينوف، لا تشمل نزع السلاح من قطاع غزة ولا وقف تعاظم “حماس” و”الجهاد الإسلامي” العسكري.
ترفض حركة حماس مجرد الحديث عن التجرد، ولو الجزئي، من السلاح، مثل القذائف أو الأسلحة المنحدرة المسار الأخرى والأنفاق. كما ترفض، أيضاً، مجرد البحث في وقف إنتاج الأسلحة الاستراتيجية، سواء من الأنواع الموجودة أو من الأنواع الجديدة التي تحاول ابتكارها وتطويرها. ويمكن القول إن وجهة التطور قد أصبحت واضحة: “حماس” و”الجهاد الإسلامي” سوف تستغلان حالة التهدئة لمواصلة التعاظم العسكري ولإعداد “مفاجآت استراتيجية” لإسرائيل، بينما تكون يدا الجيش الإسرائيلي مكبلتين باتفاقية التهدئة ويكون غير قادر على إحباط أي شيء دون أن يُتَّهم، على الساحة الدولية، بأنه يفتعل ذريعة للحرب وبأنه المسؤول عن ضائقة سكان قطاع غزة الإنسانية. وفي أعقاب التسوية، سينشأ في قطاع غزة وضع شبيه بالوضع الذي نشأ مع “حزب الله” إثر حرب لبمان الثانية في العام 2006. فقد تعاظمت قوة “حزب الله” بالقذائف وبالتجربة العملانية، حتى أصبح يردع إسرائيل اليوم، ليس بأقل مما يردعه الجيش الإسرائيلي.
ثمة عيب أساسي آخر هو أن “التسوية”، أو التفاهمات مع حركة حماس، لن ترمم قوة الردع لدى الجيش الإسرائيلي ودولة إسرائيل، والتي تآكلت بصورة حادة في السياق الغزّي، منذ شهر آذار الماضي. لا بد من الاعتراف بأن “حماس” نجحت في المبادرة ومفاجأة إسرائيل، بل وإرغامها، بواسطة ضغوطات مصرية، على وقف إطلاق النار في اللحظة التي بدأ يؤلمها. هذا هو السبب في أن “حماس” تفاوض الآن انطلاقاً من شعور، خاطئ ومضلل، بأنها تمتلك قوة تعزز مواقف ومطالب المتشددين من قادة ذراعها العسكرية. هذا الشعور هو الذي قد يؤدي، بأسرع مما تخيلنا، إلى خرق اتفاق التسوية، في اللحظة التي يجد فيها المتشددون ذريعة لذلك، حقيقية كانت أم متوهمة.
عيب ثالث آخر: التسوية، وفق المسارات المصرية، لا تضمن إعادة جثث جنودنا وأسرانا الذين تحتفظ بهم “حماس”. فقد تبنى المصريون موقف “حماس” الداعي إلى بحث مسألة الأسرى والمفقودين بصورة منفردة.
إذا ما أردنا تلخيص نواقص التسوية بجملة واحدة، يمكن القول: سيحصل قادة “حماس” على كل ما طلبوه، تقريباً، دون أن يقدموا في المقابل أي شيء باستثناء، ربما، التهدئة لفترة زمنية محدودة جداً.
“خيار النيران” الذي يطرحه بينيت

هذه العيوب الجدية في خيار التسوية هي التي دفعت بوزير التربية والتعليم وعضو المجلس الوزاري المصغر، نفتالي بينيت، إلى اقتراح خيار استراتيجي عسكري خاص به. إنه الخيار الثالث – “خيار النيران”. من المهم الإشارة هنا إلى أن الجيش أيضاً قد أعدّ خطة عسكرية لحرب في قطاع غزة، في مسار مماثل لذلك الذي يقترحه بينيت، وقد عرضه على المجلس الوزاري المصغر.
يحاول “خيار بينيت” تحقيق الحد الأقصى من الأفضليات والمكاسب التي يمكن بلوغها بواسطة استخدام قوة عسكرية كبيرة في قطاع غزة، بغية تلافي الثمن الذي سوف ندفعه في حال توغل الجيش الإسرائيلي البرّي في قطاع غزة، أو تقليصه إلى الحد الأدنى الممكن.
يقوم الجيش الإسرائيلي باستخدام قوة نارية مكثفة جداً، من الجو والبر والبحر بالتزامن، وبكميات وبدرجات من الدقة لم نستخدمها من قبل، لا في قطاع غزة ولا في أي مكان آخر. سيتم استخدام هذه النيران على مدى بضعة أيام متواصلة، وفق خطة منظمة ومعدة سلفاً، تستهدف “بنك أهداف” موسعاً ومحدّثاً يقوم كل من شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) وجهاز الأمن العام (شاباك) وقيادة المنطقة العسكرية الجنوبية بإعداده مسبقاً. هذا الهجوم الناري المكثف يرمي، طبقاً لاقتراح بينيت، إلى تدمير منظومات السلاح المنحني المسار، وسائل الإنتاج العسكري، المواقع فوق الأرض والأنفاق الهجومية تحت الأرض، قواعد القوات ومقرات القيادة، الكوماندوس البحري وأبنية الحكم التابعة لحركة “حماس”، بما فيها تلك القائمة في عمارات سكنية كبيرة تسكن فيها عائلات من “غير الضالعين” في القتال.
يطالب بينيت الجيش بأن يعتمد بدايةً، وقبل الشروع في تنفيذ عمليات القصف، “إجراء النقر على السطح” الذي يتم بموجبه تحذير المواطنين غير الضالعين في القتال، بواسطة مكالمات هاتفية، منشورات وإطلاق نيران تمهيدية بكثافة قليلة نحو الهدف المعني، بغية إتاحة المجال للمواطنين لأن يهربوا من المباني والبنى التحتية المرشحة للقصف.
يؤمن بينيت بأن كثافة النيران، التي ستكون أعلى مما تم استخدامه في قطاع غزة حتى الآن بعشرات المرات، ستدفع “حماس” إلى طلب وقف إطلاق النار والقبول باتفاقية تهدئة لوقت طويل جداً. بكلمات أخرى، ما لم يكن من الممكن تحقيقه بالقوة حتى الآن، سيكون بالإمكان تحقيقه بمزيد من القوة ومن دون أن تضطر إسرائيل إلى دفع ثمن كبير. ويعتقد الوزير بينيت بأن نشر منظومة “القبة الحديدية” بصورة صحيحة ومكثفة في جنوب إسرائيل، إضافة إلى وسائل أخرى تهدف إلى خلق وضع يمنع وقوع إصابات بين المواطنين والجنود في داخل الأراضي الإسرائيلية، ستجنبنا الخسائر في الأرواح.
أما في ما يتعلق بسكان قطاع غزة، فإن “خيار النيران” الذي يقترحه بينيت لا يرمي، بالضرورة، إلى تدمير سلطة “حماس”. يرغب بينيت، لأسباب واضحة، في بقاء سلطة “حماس” هناك لتشكل عنواناً للحكم في قطاع غزة وغريماً للسلطة الفلسطينية في “يهودا والسامرة” (الضفة الغربية). لكن الضربات النارية، التي ستشمل اغتيالات محددة أيضاً تطال قادة ميدانيين من “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، ستخلق ميزان ردع جديداً في الجنوب، تكون حركة “حماس” في إطاره هي الجهة المردوعة والخائفة، وليس إسرائيل.
لـ”خيار النيران” هذا عيبان أساسيان:
الأول، سيجلب، بالضرورة وفي حكم المؤكد تقريباً، حملة من النقد والتنديد الدوليين الحادين قد تؤدي إلى عزل دولة إسرائيل سياسياً، بل وربما إلى فرض عقوبات عليها أيضاً. قد يتصدى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للدفاع عنا في الأمم المتحدة، لكن الرأي العام العالمي، وخصوصاً في الدول الأوروبية والديمقراطية، سوف ينقض علينا. ستجد “حركة المقاطعة، سحب الاستثمارات والعقوبات” (BDS) في هذا فرصة كبيرة وسيجعل الطلاب في الجامعات دولة إسرائيل ومواطنيها “منبوذين” اجتماعياً. هذا المنحى قائم منذ اليوم، لكنه يحتاج إلى شرارة فقط تشعل حريقاً، لن يكون مجرد بالون هذه المرة.
الثاني، أن استخدام النيران الكثيفة سيؤدي، في حكم المؤكد تقريباً، إلى وقوع أخطاء وحصول ورطات، قد تكون لبعضها نتائج كارثية على صعيد أخلاقيات القتال والقانون الدولي. فحتى لو تم توجيه الضربات النارية الكثيفة بواسطة اسلحة وذخائر دقيقة جداً، وحتى لو تم تقصي واختيار الأهداف بدرجة عالية من الدقة والحرص، بواسطة خبراء الاستخبارات والمستشارين القضائيين، إلا أن ثمة احتمالاً كبيراً لوقوع أخطاء تقنية، أخطاء في التشخيص والتحديد وأخطاء في الاعتبارات وتحكيم الرأي. لن يكون بمقدور أي شخص منع الفلسطينيين من جرّنا، وخاصة قادة الأجهزة الأمنية والجيش، إلى المحكمة الجنائية الدولية بجريرة ارتكاب جرائم حرب.
هذا هو مركز الخلاف الموضوعي بين ليبرمان، الذي يتبنى الموقف الحذر كما يعرضه عليه قادة الجيش، الشاباك ومجلس الأمن القومي، وبين بينيت. الاتهامات المتبادلة التي يتقاذفها الوزيران بصورة علنية تندرج في إطار الحرب السياسية – الحزبية الدائرة بينهما حول من سيفوز بمنصب وزير الأمن في الحكومة المقبلة.
لا “تسوية” إطلاقاً في هذه الأثناء

لكنّ الخلاف الاستراتيجي الموضوعي، أيضاً، لم يُحسم بعد. من المحتمل جداً أن يخفق المصريون والأمم المتحدة في التوصل إلى تفاهمات مع “حماس” والتنظيمات الأخرى، ما يعني استمرار الوضع الحالي ونشوء الحاجة إلى إنهائه وتغييره بوسائل عسكرية. بما أنه ليس هنالك في إسرائيل من يرغب في الزج بالجيش الإسرائيلي في عملية عسكرية برية في قطاع غزة، فمن المحتمل أن يقرر المجلس الوزاري المصغر، بعد بضعة أسابيع، اللجوء إلى “خيار النيران”؛ ليس وفق مقترح بينيت وإنما وفق ما يقترحه الجيش، بالاستناد إلى المبادئ ذاتها التي يقوم عليها مقترح بينيت.
من المهم أن نفهم، في هذه الأثناء، أنه بالرغم من كثرة الحديث الإعلامي عن الموضوع، كثرة التصريحات التي ينشرها المصريون وحركة “حماس” والتسريبات التي يقوم بها بعض الوزراء الأعضاء في المجلس الوزاري المصغر، الشغوفين بعناوين في وسائل الإعلام – ليست هنالك، حتى الآن، أية “تسوية”، ولا حتى “تفاهمات” تم التوصل إليها بيننا وبين “حماس” والتنظيمات الأخرى. ثمة، فقط، اتفاق مبدئي في المجلس الوزاري المصغر على إحياء “تفاهمات الجرف الصامد” التي تقضي، في خلاصتها، بإجراء تسهيلات إنسانية واقتصادية “معتدلة” في حياة السكان في قطاع غزة، مقابل هدوء مستقر لفترة غير محددة في جنوب إسرائيل؛ من دون نزع السلاح من قطاع غزة، من دون وقف تعاظم حماس العسكري ومن دون إعادة الأسرى والجثث. هذا ما قيل لمدير المخابرات المصرية وهذا ما نقله هو، وملادينوف، إلى قادة حركة “حماس” ورؤساء الفصائل الفلسطينية الأخرى الذين اجتمعوا في القاهرة مؤخراً.
توافق “حماس” أيضاً، وعلى نحو غير مفاجئ، على العودة إلى “تفاهمات الجرف الصامد”. لمَ لا؟ فهي غير مُطالَبة، في نهاية المطاف، بتقديم أي شيء محدد في المقابل، بل تستطيع مواصلة الاحتفاظ بإنجازاتها المعنوية التي تحققت خلال الفترة الأخيرة. لكن التنظيمات الفلسطينية الأخرى لا تزال مترددة. ولهذا، ليس ثمة أي اتفاق نهائي حتى حول “تفاهمات الجرف الصامد” التي تشكل القاسم المشترك في الحد الأدنى. كل ما هنالك، حتى الآن، مجرد هواء حار ولغط إعلامي. ما عدا ذلك، لم يفلح المصريون بعد في تحقيق مصالحة، ولو جزئية، بين “أبو مازن” والسلطة الفلسطينية وبين الغزيّين. ولهذا، فحتى الوسطاء المصريون أيضاً لا يتحدثون بجدية، بعد، عن “هدنة” طويلة الأمد.
في الأسبوع القادم، بعد عيد الأضحى، ستتجدد الاتصالات في القاهرة وعندها – ربما – سيكون ثمة ما يمكن مناقشته وفحصه بجدية.
___________

– ترجمه عن العبرية: سليم سلامة.

المصدر: موقع ynet الإسرائيلي عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

وهم – القصة الفائزة بالمركز الأول مشاركة

القصة القصيرة التي فازت مشاركة بالمرز الأول في مسابقة مجلة “شجون عربية” للقصة القصيرة – …

يعرّج على حقولها – القصة الفائزة بالمركز الأول مشاركة

القصة القصيرة التي فازت مشاركة بالمرز الأول في مسابقة مجلة “شجون عربية” للقصة القصيرة – …

علُوُ هاوية

قصة قصيرة* بقلم: سيما صقر** | تتزاحم الأفكار في عقلي الذي يعجُّ بالضوضاء والصخب كلما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.