الرئيسية / آراء / رداً على نعي العروبة
جمال عبد الناصر والجمهورية العربية المتحدة

رداً على نعي العروبة

بقلم عدنان برجي* —

عند كل مفترق خطير تنبري اٌقلام ويتجنّد كتّاب لنعي العروبة وإعلان موت العروبيين. حدث ذلك بعد نكسة حزيران 1967 ويحدث الآن بعد نكبة التشتت العربي وغياب المؤسسات العربية الجامعة وانحسار المد القومي العربي. وقد اتخذ احدهم من حدث جرى في دمشق اخيرا قضى بتغيير اسلوب قيادة الحزب الحاكم مناسبة لتقديم اوراق الى من يعتقد انهم سوف يسودون في المرحلة المقبلة، وهو الذي تنكب العروبة “الإنتسابية” يوما ليحظى بوزارة في لبنان.
والعروبة “الإنتسابية” هي عروبة الذين ينتسبون الى نظام معين لمصلحة معينة، او يقيسون العروبة على قياس تصرفات هذا النظام او ذاك، فتراهم يتساءلون عن العروبة البعثية او الناصرية، وعن عروبة القذافي او البومدينية او الخليجية او غيرها.
فهل العروبة هي انتساب لنظام، او لحزب، او لجماعة، او لشخص، حتى تفنى بفنائه وتحيا بحياته؟.
ان من ينطلق من هكذا عروبة هو كمن يدمج بين الهوية الوطنية والنظام القائم في الوطن.وحقيقة الأمر ان الإنسان يتمسك بهويته الوطنية سواء والى النظام القائم او عارضه، فالهوية ثابتة والنظام متغير.
يقول العميد الدكتور ساسين عساف في كتابه القيّم الصادر حديثا ” المشروع النهضوي العربي- رؤية وحدوية”، ان ” الدولة في الوطن العربي هي مجرّد سلطة، هي مجرد حاكم، والسلطة فيه تعتدي على الدولة والمجتمع” فهل يصح تقييم الإنتماء الوطني او القومي على ضوء تقييم السلطة أو الحاكم؟.
العروبة في رأينا ليست انتسابا لنظام او لحزب او لشخص مهما علا شأنه، انما هي انتماء لأمّة صاغت تاريخها على مدى قرون، تجمع بين مكوناتها آلام مشتركة وآمال عريضة.
والعروبة هي الرابط بين ابناء الأمة على اختلاف انتماءاتهم الوطنية ومعتقداتهم الدينية وجذورهم الإثنية. هي الإنتماء الأشمل والأوسع، بمعنى انها لا تلغي الخصوصيات المجتمعية او الوطنية او المناطقية او الطوائفية او الجهوية، بل هي عروبة حضارية تكاملية جامعة، وهي اسهام نوعي في بناء الحضارة الكونية. اسهام نوعي لأنها تقوم على قيم خلقية رفيعة. فلا هي تعصبية انغلاقية، ولا هي شوفينية استعلائية، ولا هي استعمارية استغلالية ولا هي خانعة ذليلة تهادن المحتل وتتمسح على بلاط المعتدي.
من جهة أخرى فإن من ينعي العروبة والعروبيين يقدم نموذجا بديلا، هو نموذج الشرق اوسطية، ويتغافل عن ان التسمية بحد ذاتها هي تسمية استعمارية صهيونية، سعت وتسعى وستبقى تسعى للنيل من العروبة، لأن مشروعها قام على سياسة ” فرّق تسد” وهي اليوم قائمة على مشروع برنارد لويس وهنري ليفي وشيمون بيريز، اي مشروع التقسيم والتفتيت، وما التقاء جميع اصحاب هذا المشروع على دعم الاحتلال الصهيوني لفلسطين الا تعبيرا عن استمرار نهجهم الذي اعلنه مجلس الوزراء البريطاني برئاسة بالمرستون عام 1840 من ان الضرورة الإستعمارية التي كانت تختزل بما يعرف بالمسألة الشرقية تقضي بإنشاء كيان غريب في فلسطين يفصل بين المشرق العربي ومغربه، وهو ما دعا اليه مؤتمر كامبل بنرمان عام 1907، وما وعد به بلفورد عام 1917، وما يعد به الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب عام 2018.
كذلك فإن من ينعي العروبة الحضارية الجامعة، العروبة التي لا تهادن العدو، ولا تسكت عن احتلاله، يهلل للتطبيع مع العدو الصهيوني، متغافلا عمدا عن ان التطبيع يعني منع حق العودة للفلسطينيين، وهذا المنع يعني تلقائيا فرض التوطين. فهل تستقيم دعوته للتطبيع ومن ثم التوطين مع انتمائه اللبناني؟.
اختصارا نقول، لمن يبشر من اللبنانيين بموت العروبة، ان العروبة لم تجلب اليهم الا الخير والمنفعة. افلا يتذكرون ان المال العربي القادم في خمسينيات القرن الماضي من فلسطين ثم من سورية سمح بقيام الطفرة الإقتصادية ورغد العيش في لبنان آنذاك؟ أفلا يعرفون ان دعوة نتيناهو اليوم لإنشاء سكة حديد تربط حيفا المحتلة ببلدان الخليج العربي مرورا بالأردن هي قضاء مبرم على الإقتصاد اللبناني الذي استفاد من الترانزيت ما لم يستفده بلد آخر في العالم؟. افلا يدرك هؤلاء ان العدو الصهيوني، ان نجح في التطبيع مع بعض دول الخليج العربي ستكون مهمته اللاحقة التضييق على اللبنانيين هناك كما فعل تماما في القارة الإفريقية؟.
ختاما، العروبة لن تموت لإنها ليست حركة سياسية، انما هي انتماء وجودي. قد يضعف او يتراجع او يصاب المشروع العربي الوحدوي بنكسة، وقد يتراجع صوت العروبيين وقدراتهم المادية والإعلامية، لكن المقاومة عروبية المضمون باقية وإن تجسدت اشكالا مختلفة كل حين. هذه المقاومة تحقق انتصارات وتفرض متغيرات اقليمية ودولية ليست خافية على من يقرأ الأحداث يعين موضوعية.

*أمين سر لجنة إحياء مئوية جمال عبد الناصر، وعضو الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

أبو بكر البغدادي من منبر “الخلافة” إلى كهوف النسيان

خسر أبو بكر البغدادي المدرج فى رأس قائمة كبار المطلوبين فى العالم، وزعيم الخلافة المزعومة …

انتهاء “خلافة داعش” بعد طرده من آخر جيب في سوريا

أعلنت قوات سوريا الديموقراطية السبت القضاء التام على “خلافة” تنظيم “داعش” بعد السيطرة على آخر …

غوايدو ربح الشارع في فنزويلا ولم يكسب ود الجيش

بعد شهرين على إعلانه نفسه رئيسا بالوكالة في فنزويلا، يتبين أن المعارض خوان غوايدو قد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.