الرئيسية / ترجمات / إسحق عظيموف: طريق التعلم
إسحق عظيموف: طريق التعلم

إسحق عظيموف: طريق التعلم

تأليف: زات رانا — ترجمة: إبراهيم عبدالله العلو —

ما الذي نجمع عليه لدى التحدث عن إسحق عظيموف: كاتب عظيم.
إذ تشمل أعماله أكثر من 500 كتاب تأليفاً وتحريراً ناهيك عن تبحره بمختلف العلوم. أشتهر كثيراً ككاتب خيال علمي ولكنه ألف أيضاً كتباً في الدين والتاريخ والعديد من المواضيع الفكرية.
رفعه الفضول النهم والعزيمة التي لا تلين من مهاجر روسي شاب إلى مرتبة أفضل الكتاب الأمريكيين في القرن العشرين.
ولكن علائم النجابة بدت عليه منذ نعومة أظفاره. قضى أيام طفولته يسأل أسئلة ويختلق عوالماً خيالية. قرأ الكثير من الكتب وعشق العلم.
وإذا تطلع أحد أقرانه لجواب عن تساؤل يشغل باله كان الجواب عند عظيموف أو الدليل الصحيح للعثور عليه. ويعزى جزء من ذلك لعقله النابغ ولكن الجزء الأكبر إرتكز على سعة ثقافته.
ربما يربط البعض منا التثقف والتعلم بعدد سنوات الدراسة أو الشهادات التي نحوزها ولكن عظيموف لم ينل تلك المزايا وكان تعليمه الحقيقي أعرض من ذلك بكثير. وكان أعمق مما اكتسبه من التعلم.
وفي الواقع أضاف هذا التعلم الحقيقي المزيد من العمق وحدة الذهن لخياله وسمح له بالكتابة بثقة في العديد من المواضيع المتنوعة والشيقة. ولحسن الحظ نستطيع من خلال استكشاف حكايته تتبع آلية نجاحه عبر الخطوات التالية:
– توسيع حدود الخيال.
– التعلم على حافة معرفته.
– احترام أهمية التثقيف الذاتي.

فالتثقف في عصرنا الحديث أعطية مهمة يستطيع كل منا امتلاكها.
توسيع حدود الخيال
من بين الأمور التي يقوم بها الأفراد الموسوعيون من أمثال عظيموف التبحر في العديد من المباحث المعرفية ويتمكنون من المطالعة بسرعة وبتعمق في حقول التاريخ والعلوم والفلسفة.
ولكنهم لا يعيرون أهمية كبرى للمعرفة التي قد يستخلصونها من الخيال حيث يرون الأعمال الواقعية معرفة ملموسة بينما الخيال لعبة التصور.
وعلى نقيض ذلك ثمة حقيقة أن الخيال لعبة التصور التي لا يستهان بقيمتها في تثقيف المرء لإن العالم الخيالي هو المكان الذي تلتئم فيه المكونات اللاخيالية للواقع وتتفاعل مع بعضها البعض.
وإذا أمعنت النظر تدرك أن كتباً مثل رواية الحرب والسلام لتولستوي تعلمك الكثير عن التاريخ أكثر من معظم كتب التاريخ نفسها. كما أن الفرد يستطيع تفهم النفس البشرية عبر قراءة روائع دوستوفسكي بشكل يفوق كتب علم النفس الأكثر مبيعاً.
فالخيال العظيم يضع معرفتنا الملموسة في العالم الفكري الواقعي. ويرينا آلية تفاعلها وامتزاجها بالحقيقة خارج القيود الصارمة للحقائق أحادية البعد.
وقبل أن يقع عظيموف في حب العلم كان قد وله بالأدب.
لقد قدح حبه للميثولوجيا الإغريقية وكلاسيكيات القرن الثامن عشر والتاسع عشر دماغه الثر.
ودفعته لإثارة أسئلة كبرى وأرشدته لإمكانيات كانت لتمر مرور الكرام لو إقتصرت قراءاته على الكتب غير الروائية فيما بعد.
تفتح قراءة الأعمال الأدبية بوابات التخيل التي تقيد تفكير المرء الذي لا يطالع سوى الأعمال غير الروائية. وتعرض عالماً غنياً واسعاً يستطيع العقل الركون إليه.
تتمكن من تعلم المعرفة النقدية ومهارات الإستبصار الأساسية من الكتب المليئة بالحقائق ولكن هذه المعرفة والإستدلال ستكون محدودة الأفق بدون الخيال الواسع.
فالتعلم هو إمكانية العقل التي تصبح محدودة بدون حياة الحكايا.
التعلم على حافة معرفتك
لا يعلم الكثير من الناس أن عظيموف لم يكن كاتباً متفرغاً وأنه قضى معظم سنوات عمره يعمل في الكيمياء.
ولكنه لم يكن كيميائياً حاذقاً. أحب عمله وعشق التعلم ولكنه لم ينجح في مركبات البحث في تخصصه.
استطاع فيما بعد الخروج من المختبر واتجه لإلقاء المحاضرات حيث لمع بريقه. كانت كل محاضرة يمليها في قاعة درسية تثير ذهول ودهشة أقرانه من الأساتذة.
وتختلط أصوات الإعجاب والإنبهار والمتعة والضحك من ثنايا تلك القاعات.
يعزى سبب نجاحه في قاعة الصف أنها سمحت له بأداء أفضل ما عنده: التعلم على حافة معرفته من خلال تحويل أمر صعب إلى شيء بسيط مستساغ.
يتوجب على الأساتذة العظام التفكير بمستوى مذهل من الوضوح بحيث يفككون دعائم المعاني الكبرى والأطر الموجودة لتسهيل أمر ما إلى مستوى واضح وبسيط وسلس. وعند هذا المستوى تصبح المعرفة مفهومة بالفعل.
وحتى أثناء تأليف كتبه كان يدفع بالموضوع خارج حدود تفهمه الراهن للعالم. ومن هناك يتحفز لتعلم أكبر قدر من المعلومات عنه ويفكر بصفاء وروية قبل البدء بالمشروع.
وقيل سابقاً أن أفضل طرق التعلم أو التثقف هي التدريس وهذا صحيح لأن التدريس يدفعك للتعمق في تفهم جوهري يهمله الكثيرون.
وذلك الوضوح الذي يتأتى من الوقوف على حافة المعرفة ويحدد مدى مقدرتك على التأطير وتطبيق ما تعرفه على مجال متسع من الظروف.
ولكي ندفع بحدود معرفتنا يجب أن نصل أولاً إلى نهاية ما نعلمه.

احترام أهمية التثقيف الذاتي
يعتبر مفهوم أن هدف المدرسة والمعلمين نشر المعرف مفهوماً عفا عليه الزمن. لا يتعلم المرء عبر التلقي السلبي.
فالناس يتعلمون عندما يرغبون بالتعلم.
فالمناهج العظيمة والأساتذة الأكفاء ليسوا من يحشو دماغك بأكبر عدد من الحقائق. فالأمر أعمق من ذلك بكثير. فأفضل الأفاضل هو من يستثيرك ويولد في داخلك إحساساً بالفضول ويعلمك التمتع بالتعلم للتعلم فحسب.
ولا يوجد ما يسمى بمعرفة تنتقل عبر التعلم. هناك التعلم الذاتي والذي يعني أن البذرة متى زرعت أمام ناظريك تحتاج لأن تسقيها بنفسك.
يخبرنا عظيموف في سيرة حياته المعنونة” كانت حياة رائعة” حكاية مواجهة مع والده أيام الطفولة بعد أن تطلع لكتب ولده وسأله سؤالاً:
“كيف تعلمت كل ذلك يا إسحق؟”
“منك يا والدي” أجاب عظيموف.
“مني؟ أنا لا أعلم أي شيء من ذلك.”
أجاب” لآ يتوجب عليك ذلك يا والدي. ولكنك قدرت التعلم وعلمتني كيف أقدره. وعندما تعلمت كيف اثمنه جاءت البقية بلا مشقة.”
لا تتعلق علامة العقل المثقف بما يعرفه أو كمية ما يعرفونه . ولكنه يتعلق بطريقة معرفتهم وطريقة تعاملهم مع التعلم.
لا يستطيع كثير من الناس استذكار تفاصيل ما تعلموه في المدرسة ولكنهم يخبرونك الجزء الأثير إلى قلوبهم من قصة مشوقة أو المرة الأولى التي قرأوا فيها عملاً أدبياً رائعاً.
يعمل الدماغ بأفضل حالاته عندما يكون منفتحاً على التجربة لإنه يرغب بالإنفتاح. ويمكن تحقيق ذلك إذا تم استبطان الحد المتلاشي بين التعلم والتعلم الذاتي.
يجب أن لا يكون التعلم مطلقاً مهمة روتينية. بل يجب أن يكون مغامرة تتطلب منك المزيد.
إن كل تجربة نمر بها وكل درس نتعلمه هو نقطة تعلم أخرى تؤدي إلى نوعاً من التعلم. وهناك طرق لتعزيز هذا التعلم بترو وأناة.
عاش إسحق عظيموف حياة وضعت قيمة كبرى للتعلم وخلال تلك العملية أرشدنا لما يعنيه أن يكون المرء متعلماً والخطوات الجديرة بالمشي للوصل إل تلك الغاية.
وهنا ثلاثة أشياء اساسية نستطيع تعلمها من حكايته:
1-وسع حدود الخيال. نربط المعرفة بغير الخيال ولكن الخيال العظيم وعاء أعظم للحكمة. فهو يرينا أن الحقائق أحادية البعد التي نتعلمها من التاريخ والعلوم والفلسفة تمتزج سوياً لتعمل في الحياة الواقعية. تمنحنا المعرفة الأساس وتعلمنا المنطق ولكن الخيال وحده يعرف حدود الأمكانية.
2-تعلم على حافة معرفتك. ولكي نتمكن من تفهم شئ ما نحتاج للتخلص من عكاكيز الهراء التي تحول دون معرفتنا. فعلامة العقل الفعال هي الوضوح ويتطلب هذا الوضوح الكثير من العمل للوصول إليه. ومن خلال التدريس واللعب على حدود تفهمنا نختصر المسافة.
3- إحترم أهمية التعلم الذاتي. لا يوجد فارق بين التعلم والتعلم الذاتي. فالأول نتيجة للتالي. فالأساتذة الكبار لا يعطونا حقائق نحفظها. إنهم يزرعون الفضول واحترام التعلم الذي يضمن لنا أن كل مانتعلمه يمتص بسهولة.
نعيش في عالم يزداد تعقيداً وتتكاثر معلوماته. وهنا تكمن أهمية التعلم الحقيقي وفهم الأشياء بطريقة واضحة وجوهرية.
والدماغ البشري آلة لا مثيل لها لإدراك الأنماط. وتكمن مهمتنا في تغذيته بشكل جيد.

المصدر:
Isaac Asimov: Becoming Educated
By Zat Rana
Designluck.com

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

الإستراتيجية الأميركية لفرض صفقة القرن!

بقلم: نصار إبراهيم* — لنشتم دونالد ترامب كما نشاء… لنسخر منه… لنتحدث عن مأزق أميركا …

الأردن في عين عاصفة “صفقة القرن”

بقلم: نصار إبراهيم* — المطلوب: تصفية الأردن لكي يتم تشريع تصفية قضية فلسطين. المتابع بتأني …

تصريحات فريدمان تتماشى مع البرنامج السياسي لتحالف “أزرق أبيض”

لا تزال تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان التي أطلقها في نهاية الأسبوع الفائت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.