الرئيسية / كتب / “مونتغومري وات”.. المستشرق البريطاني غير المنحاز (3من3)
"مونتغومري وات".. المستشرق البريطاني غير المنحاز (3من3)

“مونتغومري وات”.. المستشرق البريطاني غير المنحاز (3من3)

قراءة: توفيق المديني —

“مونتغومري وات”.. المستشرق البريطاني غير المنحاز (3من3)
نفى تهم الخداع والشهوانية والغدر التي حاولت دراسات غربية نسبها للرسول محمد صلى الله عليه وسلم
الكتاب: مونتغومري وات والدراسات الإسلامية
الكاتب: د.هيثم مزاحم
الناشر: جداول للنشر والترجمة و التوزيع، بيروت لبنان ،الطبعة الأولى، تشرين الثاني/نوفمبر 2018 —

يقول مونتغومري وات في تعريف شخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: “إن الروايات التي وصلتنا عن خَلق النبي محمد، تتفق عموماً وهي قريبة من الحقيقة، وإن كان بعضها يعبِّر عن نزعة لرسم صورة لمحمد الرجل الكامل أو المثالي. فمحمد كان ـ بحسب هذه النصوص ـ متوسط القامة أو فوق المتوسط قليلاً، عريض المنكبين واسع الصدر قوي البنية، طويل الذراعين، ضخم اليدين والرجلين. وكان مرتفع الجبين، أقنى الأنف، له عينان واسعتان سوداوان، وكان شعره طويلاً كثاً سبطاً أو جعداً. وكان كثَّ اللحية أيضاً، ويحيط بعنقه وصدره خط من الشعر الخفيف. وكان ناحل الخدين، واسع الفم، حلو الابتسامة، شاحب اللون، ويمشي وكأنه يسرع من منحدر حتى ليصعب اللحاق به. وكان إذا غيَّر اتجاهه يدور بكل جسمه في الاتجاه الذي يسير فيه.

أما من جهة خُلُقه، يقول وات: “كان محمداً ميالاً للكآبة، يستطيع البقاء وقتاً طويلاً لا ينبس ببنت شفة إذا استغرق في تأملاته، وكان لا يستريح قط دائم المشاغل بطرق مختلفة، ولم يكن يتفوَّه بكلمة لا طائل تحتها. وكان ما يقوله دقيقاً واضحاً سهل الفهم خالياً من البلاغة. وكان كلامه دائماً سريعاً، يعرف كيف يسيطر على عواطفه، وكان إذا رأى معارضة ما أدار وجهه إلى الناحية الأخرى، فإذا رضي غضّ بصره. وكان يعرف كيف يقسِّمَ وقته بين مشاغله الكثيرة، وكان يظهر في علاقاته مع أقرانه الكثير من اللباقة. وكان يستطيع أن يكون قاسياً في بعض الأحيان، ولكنه كان على العموم لطيفاً”.

لقد خصص الباحث هيثم مزاحم دراسته في بقية فصول الكتاب لرؤية مونتغومري وات للقرآن، وتأثيرات اليهودية والمسيحية على النبي محمد، ولدور النبي محمد كقائد ومؤسس للدولة الإسلامية في يثرب، لا سيما آراء وات في صحيفة أو دستور المدينة، وفي تطور الفكر السياسي الإسلامي .

خلاصة البحث واستنتاجات

حاول الدكتور هيثم مزاحم في هذه الدراسة البحثية القيمة والعميقة (وهي دراسة ستغني المكتبة العربية كثيرا نظرًا لافتقادها الدراسات الأكاديمية الرصينة في فكر الاستشراق الغربي) عرض أهم رؤى المستشرق الاسكتلندي الكبير وليام مونتغومري وات في الإسلام والوحي والقرآن، والنبوة وإسهاماته في كتابة السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، وفي شرحه العقائد الكلامية والفلسفة الإسلامية ومحاولته التقريب بين العقائد الإسلامية واللاهوت المسيحي..

ووجد الباحث أن المستشرق وات متعاطف بشكل كبير مع الإسلام، وهو قسيس يجمع بين الالتزام بالمسيحية وتوثيق الصلة بالمسلمين، والاتصاف بالموضوعية في دراساته والبُعد عن التعصّب ضد الإسلام. كما أن مؤلفاته الغزيرة وإسهاماته الغنية في الدراسات الإسلامية بوجه عام، والسيرة النبوية بوجه خاص، لا يستغني عنها أي باحث يريد أن يفهم السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، والدور الذي تلعبه الأفكار الدينية في خلق البناء الاجتماعي.

وقد اعتمد وات في دراسته على المصادر الإسلامية الأساسية (القرآن الكريم، والسُّنَّة النبوية، وكتب السيرة والتاريخ الإسلامي)، مستعيناً ببعض الدراسات الغربية للمستشرقين الذين سبقوه، وخصوصاً ترجمة معاني القرآن لأستاذه ريتشارد بل، ودراسات المستشرق الألماني الكبير تيودور نولدكه عن “تاريخ القرآن”. أما المنهج الذي اتبعه وات فهو منهج التحليل التاريخي، الذي يقوم على دراسة القرآن والإسلام وسيرة النبي محمد من خلال إعادة ترتيب سور القرآن بحسب نزولها، وفصل الآيات المكية عن تلك المدنية، وترتيبها وفق المعيار الذي قدمه نولدكه.

وبشأن السيرة النبوية، اعتمد وات سيرة ابن اسحق وقارنها بسيرة ابن هشام. كما اعتمد في كتاب المغازي وعلى طبقات ابن سعد، وتاريخ الطبري، وعلى صحيح البخاري.

وفي دراسته للوحي القرآني، أدخل المستشرق الاسكتلندي مناهج جديدة كمنهج علم النفس التحليلي في دراسة كيفيات الوحي، ومقارنة ظاهرة الوحي عند الرسول محمد، والظواهر المشابهة لدى القديسين المسيحيين.

أما بشأن موضوعية وات في دراسة الإسلام والوحي والنبوة، فقد أعلن وات منذ البدء حياديته وموضوعيته، وأنه لن يقول (قال الله أو قال محمد) في حديثه عن القرآن بل سيقول (قال القرآن). وفي دراسة لاحقة عن القرآن هي إعادة كتابة وتنقيح لكتاب أستاذه ريتشارد بِل “مدخل إلى القرآن”، رأى وات أنه لا يجب الحديث عن القرآن على أنه من إنتاج وعي محمد. ولذا قام بتغيير واستبعاد جميع العبارات الواردة في الكتاب المذكور، والتي تفيد بأن النبي محمداً هو مؤلف القرآن، بما فيها العبارات التي تتحدث عن مصادر محمد والتأثيرات عليه.

أثر القرآن

ويخلص وات، انطلاقاً من موضوعيته وواقعيته وإيمانه اللاهوتي المسيحي الذي يفرض عليه تفهم واحترام إيمان الآخرين، إلى أن القرآن هو من الكتب القليلة التي مارست تأثيراً واسعاً أو عميقاً في روح الإنسان، فهو “كتاب مقدس” يعتبره مئات ملايين المسلمين وحياً إلهياً، وأساس في معتقداتهم الدينية وطقوسهم وشريعتهم، فهو أذاً كتاب جدير بالاهتمام، ويحتاج إلى دراسة جدية.

أما بشأن آراء المستشرق الاسكتلندي في القرآن، حيث يعتقد وات أن النبي محمداً كان يؤمن بأن الرسالة قد جاءته من طريق التلقين، وهو أقام تمييزاً واضحاً بين ما تلقاه من طريق الوحي أو التلقين وبين أفكاره وأقواله الخاصة. من هنا جاء أسلوب القرآن بشكل رئيسي على شكل خطاب موجَّه إلى محمد، وليس كخطاب موجَّه من محمد إلى أتباعه مباشرة، وإنما يؤمر بشكل مكرر بنقل هذه الرسالة إليهم. فبحسب العقيدة الإسلامية، فإن المتحدث في القرآن هو الله، والنبي هو المُخاطب الذي يتوجّه إليه الله بالوحي.

يعتبر وات أن العمل الاستشراقي الأكثر أهمية في موضوع تاريخ القرآن، هو كتاب: “تاريخ القرآن” للمستشرق نولدكه الذي نشر عام 1860م،

أما بشأن جمع القرآن وإمكانية تعرُّضه لبعض التغيير، فيعتبر وات أن الشكل الأكثر بساطة لتنقيح القرآن هو “الجمع”، أي: جمع الأجزاء أو الوحدات الأصغر كما نزل بها القرآن، ويقول إن السبب الذي يجعله يفكِّر بذلك، هو أن عملية جمع القرآن قد بدأت مع النبي محمد نفسه، واستمرت مع تلقِّيه الوحي، وهو أمر ذكره القرآن في سورة القيامة، الآيات: “لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ”.

ويذهب وات إلى أن المسلمين قد حددوا تاريخ نزول الآيات ومقاطع السور، وفقاً لما ورد في الأحاديث عن النبي محمد وآراء علماء القرآن المتأخرين عنه، لكنه يشير إلى أن كتاب: “أسباب النزول” للواحدي يعاني من عيوب عدة أبرزها، عدة اكتماله وتغطيته فقط لجزء صغير من القرآن.

يعتبر وات أن العمل الاستشراقي الأكثر أهمية في موضوع تاريخ القرآن، هو كتاب: “تاريخ القرآن” للمستشرق نولدكه الذي نشر عام 1860م، ومن ثم نقَّحه ووسعه تلميذه فردريك شفالي وآخرون في ثلاثة أجزاء نشرت على التوالي في أعوام (1909 و1919 و1938م). لكن وات يرى أن الضعف الرئيس في منهج نولدكه هو في اعتباره السور وحدات متماسكه “Unities”، برغم إقراره أحياناً بأن بعض المقاطع من تواريخ مختلفة قد دخلت إلى سورة ما. ويشير المستشرق نفسه إلى أن المحاولة الأكثر تطوراً لاكتشاف الترتيب الأصلي لنزول آيات القرآن وتاريخها، هو عمل ريتشارد بِل في ترجمته للقرآن التي نشرت في عام (1937 و1939م)، حيث قام بِل بترتيب مقبول عموماً من العلماء المسلمين، يقوم على أن الوحدة الأصلية للوحي كان المقطع القصر. كما أنه ذهب إلى أن الكثير من جمع مقاطع القرآن في سوَر، قد قام به النبي محمد نفسه وبوحي إلهي.

خصائص الرسول

أما صورة النبي محمد لدى المستشرق وات، فقد عرض وات في سيرته للنبي في جزأيها، “محمد في مكة” و”محمد في المدينة”، أوصاف النبي محمد وتفاصيل وأمثلة عن خَلقه وخُلقه، كي يخلص إلى أن تلك الملامح في شخصية محمد تساعده على إتمام الصورة التي يتخيّلها له، من خلال سلوكه في الشؤون العامة. ويرى وات أن محمداً كان يكسب احترام الناس وثقتهم بسبب الدوافع الدينية التي كانت أساس عمله وبصفات امتاز بها كالشجاعة والعزم والصلابة والكرم، والسحر المنبعث من تصرفاته ما كان يضمن له محبة المقرّبين منه وإخلاصهم.

يحاول المستشرق نفي ثلاث تهم دارت حولها الانتقادات المسيحية والغربية لشخص الرسول محمد وهي: الخداع، والشهوانية، والغدر. يقول وات إن اتهام النبي محمد بالخداع والكذب، لا يجعلنا نفهم كيف نجح في تأسيس ديانة عالمية، إلا إذا افترضنا صدق محمد، أي: أنه كان مقتنعاً حقاً بأن القرآن هو وحي نزل عليه من الله وليس من إنتاج خياله. ويوضح وات أن القول بأن “محمداً كان صادقاً لا يني أن القرآن وحي حق، وأنه من صنع الله. إذ يمكن أن نعتقد ـ بدون تناقض ـ أن محمداً كان مقتنعاً بأن الوحي ينزل عليه من الله، وأن نؤمن في الوقت نفسه بأنه كان مخطئاً”.

المصدر: عربي 21

يقول مونتغومري وات في تعريف شخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: “إن الروايات التي وصلتنا عن خَلق النبي محمد، تتفق عموماً وهي قريبة من الحقيقة، وإن كان بعضها يعبِّر عن نزعة لرسم صورة لمحمد الرجل الكامل أو المثالي. فمحمد كان ـ بحسب هذه النصوص ـ متوسط القامة أو فوق المتوسط قليلاً، عريض المنكبين واسع الصدر قوي البنية، طويل الذراعين، ضخم اليدين والرجلين. وكان مرتفع الجبين، أقنى الأنف، له عينان واسعتان سوداوان، وكان شعره طويلاً كثاً سبطاً أو جعداً. وكان كثَّ اللحية أيضاً، ويحيط بعنقه وصدره خط من الشعر الخفيف. وكان ناحل الخدين، واسع الفم، حلو الابتسامة، شاحب اللون، ويمشي وكأنه يسرع من منحدر حتى ليصعب اللحاق به. وكان إذا غيَّر اتجاهه يدور بكل جسمه في الاتجاه الذي يسير فيه.

أما من جهة خُلُقه، يقول وات: “كان محمداً ميالاً للكآبة، يستطيع البقاء وقتاً طويلاً لا ينبس ببنت شفة إذا استغرق في تأملاته، وكان لا يستريح قط دائم المشاغل بطرق مختلفة، ولم يكن يتفوَّه بكلمة لا طائل تحتها. وكان ما يقوله دقيقاً واضحاً سهل الفهم خالياً من البلاغة. وكان كلامه دائماً سريعاً، يعرف كيف يسيطر على عواطفه، وكان إذا رأى معارضة ما أدار وجهه إلى الناحية الأخرى، فإذا رضي غضّ بصره. وكان يعرف كيف يقسِّمَ وقته بين مشاغله الكثيرة، وكان يظهر في علاقاته مع أقرانه الكثير من اللباقة. وكان يستطيع أن يكون قاسياً في بعض الأحيان، ولكنه كان على العموم لطيفاً”.

لقد خصص الباحث هيثم مزاحم دراسته في بقية فصول الكتاب لرؤية مونتغومري وات للقرآن، وتأثيرات اليهودية والمسيحية على النبي محمد، ولدور النبي محمد كقائد ومؤسس للدولة الإسلامية في يثرب، لا سيما آراء وات في صحيفة أو دستور المدينة، وفي تطور الفكر السياسي الإسلامي .

خلاصة البحث واستنتاجات

حاول الدكتور هيثم مزاحم في هذه الدراسة البحثية القيمة والعميقة (وهي دراسة ستغني المكتبة العربية كثيرا نظرًا لافتقادها الدراسات الأكاديمية الرصينة في فكر الاستشراق الغربي) عرض أهم رؤى المستشرق الاسكتلندي الكبير وليام مونتغومري وات في الإسلام والوحي والقرآن، والنبوة وإسهاماته في كتابة السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، وفي شرحه العقائد الكلامية والفلسفة الإسلامية ومحاولته التقريب بين العقائد الإسلامية واللاهوت المسيحي..

ووجد الباحث أن المستشرق وات متعاطف بشكل كبير مع الإسلام، وهو قسيس يجمع بين الالتزام بالمسيحية وتوثيق الصلة بالمسلمين، والاتصاف بالموضوعية في دراساته والبُعد عن التعصّب ضد الإسلام. كما أن مؤلفاته الغزيرة وإسهاماته الغنية في الدراسات الإسلامية بوجه عام، والسيرة النبوية بوجه خاص، لا يستغني عنها أي باحث يريد أن يفهم السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، والدور الذي تلعبه الأفكار الدينية في خلق البناء الاجتماعي.

وقد اعتمد وات في دراسته على المصادر الإسلامية الأساسية (القرآن الكريم، والسُّنَّة النبوية، وكتب السيرة والتاريخ الإسلامي)، مستعيناً ببعض الدراسات الغربية للمستشرقين الذين سبقوه، وخصوصاً ترجمة معاني القرآن لأستاذه ريتشارد بل، ودراسات المستشرق الألماني الكبير تيودور نولدكه عن “تاريخ القرآن”. أما المنهج الذي اتبعه وات فهو منهج التحليل التاريخي، الذي يقوم على دراسة القرآن والإسلام وسيرة النبي محمد من خلال إعادة ترتيب سور القرآن بحسب نزولها، وفصل الآيات المكية عن تلك المدنية، وترتيبها وفق المعيار الذي قدمه نولدكه.

وبشأن السيرة النبوية، اعتمد وات سيرة ابن اسحق وقارنها بسيرة ابن هشام. كما اعتمد في كتاب المغازي وعلى طبقات ابن سعد، وتاريخ الطبري، وعلى صحيح البخاري.

وفي دراسته للوحي القرآني، أدخل المستشرق الاسكتلندي مناهج جديدة كمنهج علم النفس التحليلي في دراسة كيفيات الوحي، ومقارنة ظاهرة الوحي عند الرسول محمد، والظواهر المشابهة لدى القديسين المسيحيين.

أما بشأن موضوعية وات في دراسة الإسلام والوحي والنبوة، فقد أعلن وات منذ البدء حياديته وموضوعيته، وأنه لن يقول (قال الله أو قال محمد) في حديثه عن القرآن بل سيقول (قال القرآن). وفي دراسة لاحقة عن القرآن هي إعادة كتابة وتنقيح لكتاب أستاذه ريتشارد بِل “مدخل إلى القرآن”، رأى وات أنه لا يجب الحديث عن القرآن على أنه من إنتاج وعي محمد. ولذا قام بتغيير واستبعاد جميع العبارات الواردة في الكتاب المذكور، والتي تفيد بأن النبي محمداً هو مؤلف القرآن، بما فيها العبارات التي تتحدث عن مصادر محمد والتأثيرات عليه.

أثر القرآن

ويخلص وات، انطلاقاً من موضوعيته وواقعيته وإيمانه اللاهوتي المسيحي الذي يفرض عليه تفهم واحترام إيمان الآخرين، إلى أن القرآن هو من الكتب القليلة التي مارست تأثيراً واسعاً أو عميقاً في روح الإنسان، فهو “كتاب مقدس” يعتبره مئات ملايين المسلمين وحياً إلهياً، وأساس في معتقداتهم الدينية وطقوسهم وشريعتهم، فهو أذاً كتاب جدير بالاهتمام، ويحتاج إلى دراسة جدية.

أما بشأن آراء المستشرق الاسكتلندي في القرآن، حيث يعتقد وات أن النبي محمداً كان يؤمن بأن الرسالة قد جاءته من طريق التلقين، وهو أقام تمييزاً واضحاً بين ما تلقاه من طريق الوحي أو التلقين وبين أفكاره وأقواله الخاصة. من هنا جاء أسلوب القرآن بشكل رئيسي على شكل خطاب موجَّه إلى محمد، وليس كخطاب موجَّه من محمد إلى أتباعه مباشرة، وإنما يؤمر بشكل مكرر بنقل هذه الرسالة إليهم. فبحسب العقيدة الإسلامية، فإن المتحدث في القرآن هو الله، والنبي هو المُخاطب الذي يتوجّه إليه الله بالوحي.

يعتبر وات أن العمل الاستشراقي الأكثر أهمية في موضوع تاريخ القرآن، هو كتاب: “تاريخ القرآن” للمستشرق نولدكه الذي نشر عام 1860م،

أما بشأن جمع القرآن وإمكانية تعرُّضه لبعض التغيير، فيعتبر وات أن الشكل الأكثر بساطة لتنقيح القرآن هو “الجمع”، أي: جمع الأجزاء أو الوحدات الأصغر كما نزل بها القرآن، ويقول إن السبب الذي يجعله يفكِّر بذلك، هو أن عملية جمع القرآن قد بدأت مع النبي محمد نفسه، واستمرت مع تلقِّيه الوحي، وهو أمر ذكره القرآن في سورة القيامة، الآيات: “لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ”.

ويذهب وات إلى أن المسلمين قد حددوا تاريخ نزول الآيات ومقاطع السور، وفقاً لما ورد في الأحاديث عن النبي محمد وآراء علماء القرآن المتأخرين عنه، لكنه يشير إلى أن كتاب: “أسباب النزول” للواحدي يعاني من عيوب عدة أبرزها، عدة اكتماله وتغطيته فقط لجزء صغير من القرآن.

يعتبر وات أن العمل الاستشراقي الأكثر أهمية في موضوع تاريخ القرآن، هو كتاب: “تاريخ القرآن” للمستشرق نولدكه الذي نشر عام 1860م، ومن ثم نقَّحه ووسعه تلميذه فردريك شفالي وآخرون في ثلاثة أجزاء نشرت على التوالي في أعوام (1909 و1919 و1938م). لكن وات يرى أن الضعف الرئيس في منهج نولدكه هو في اعتباره السور وحدات متماسكه “Unities”، برغم إقراره أحياناً بأن بعض المقاطع من تواريخ مختلفة قد دخلت إلى سورة ما. ويشير المستشرق نفسه إلى أن المحاولة الأكثر تطوراً لاكتشاف الترتيب الأصلي لنزول آيات القرآن وتاريخها، هو عمل ريتشارد بِل في ترجمته للقرآن التي نشرت في عام (1937 و1939م)، حيث قام بِل بترتيب مقبول عموماً من العلماء المسلمين، يقوم على أن الوحدة الأصلية للوحي كان المقطع القصر. كما أنه ذهب إلى أن الكثير من جمع مقاطع القرآن في سوَر، قد قام به النبي محمد نفسه وبوحي إلهي.

خصائص الرسول

أما صورة النبي محمد لدى المستشرق وات، فقد عرض وات في سيرته للنبي في جزأيها، “محمد في مكة” و”محمد في المدينة”، أوصاف النبي محمد وتفاصيل وأمثلة عن خَلقه وخُلقه، كي يخلص إلى أن تلك الملامح في شخصية محمد تساعده على إتمام الصورة التي يتخيّلها له، من خلال سلوكه في الشؤون العامة. ويرى وات أن محمداً كان يكسب احترام الناس وثقتهم بسبب الدوافع الدينية التي كانت أساس عمله وبصفات امتاز بها كالشجاعة والعزم والصلابة والكرم، والسحر المنبعث من تصرفاته ما كان يضمن له محبة المقرّبين منه وإخلاصهم.

يحاول المستشرق نفي ثلاث تهم دارت حولها الانتقادات المسيحية والغربية لشخص الرسول محمد وهي: الخداع، والشهوانية، والغدر. يقول وات إن اتهام النبي محمد بالخداع والكذب، لا يجعلنا نفهم كيف نجح في تأسيس ديانة عالمية، إلا إذا افترضنا صدق محمد، أي: أنه كان مقتنعاً حقاً بأن القرآن هو وحي نزل عليه من الله وليس من إنتاج خياله. ويوضح وات أن القول بأن “محمداً كان صادقاً لا يني أن القرآن وحي حق، وأنه من صنع الله. إذ يمكن أن نعتقد ـ بدون تناقض ـ أن محمداً كان مقتنعاً بأن الوحي ينزل عليه من الله، وأن نؤمن في الوقت نفسه بأنه كان مخطئاً”.

المصدر: عربي 21

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

تغيرات القوة الدولية تاريخياً وسياسيا في عالم البحر المتوسط

بقلم: عبد اللطيف مشرف باحث وأكاديمي مصري خاص بمجلة “شجون عربية” – في 20 كانون …

تكريس مفهوم الحكامة الجيدة كرافعة لتحديث وتنمية الإدارة العمومية: التجربة المغربية نموذجا

د.ة إنصاف حسن سركالي أستاذة مساعدة متعاقدة تخصص القانون العام والعلوم السياسية بجامعة شقراء المملكة …

ترامب يصعد الخلاف مع أعضاء الكونغرس ويحرمهم من السفر

قررت الإدارة الأمريكية حرمان أعضاء الكونغرس من السفر بواسطة الطائرات الحكومية بسبب الإغلاق الحكومي المستمر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.