الرئيسية / كتب / “مونتغومري وات”.. المستشرق البريطاني غير المنحاز (2من3)

“مونتغومري وات”.. المستشرق البريطاني غير المنحاز (2من3)

قراءة: توفيق المديني
الجمعة، 11 يناير 2019 04:10 م
الكتاب: مونتغومري وات والدراسات الإسلامية
الكاتب: د.هيثم مزاحم
الناشر: جداول للنشر والترجمة والتوزيع، بيروت لبنان، الطبعة الأولى، تشرين الثاني/نوفمبر 2018

ركز الباحث هيثم مزاحم، في الجزء الثاني من كتابه الذي استعرض رؤية المستشرق البريطاني وليام مونتغومري وات في دراسته للسيرة النبوية، على دراسة منهج وات في دراسته لسيرة النبي محمد، حيث يقول المستشرق مونتغوي وات: “إن الدارسين للإسلام، وبخاصة المهتمون منهم بالتاريخ، يشعرون بالحاجة إلى صياغة جديدة لحياة محمد، وإن ذلك لم يكن لاكتشافهم مادة جديدة، وإنما لتغيير اهتمامات المؤرخين واتجاهاتهم خلال نصف القرن التاسع عشر، فقد أصبحوا أكثر وعياً خاصة بالعوامل المادية التي يقوم عليها التاريخ. وهذا يعني أن المؤرخ من منتصف القرن العشرين يريد أن يسأل أسئلة كثيرة عن الخلفية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للحركة التي بدأها محمد، مع عدم إهمال الجوانب الدينية والفكرية للحركة أو التقليل من شأنها”.

بيئة الدعوة الإسلامية

ويرى وات أنه حتى أولئك الذين ينكرون ـ وهو منهم ـ أن هذه العوامل هي وحدها التي تحدد مجريات الأحداث، يعترفون بأهميتها. ويوضح أن السمة الخاصة لسيرة محمد التي كتبها هي أنها لا تنقب في المصادر المتاحة بدقة أكثر فحسب، بل إنها تعطي اهتماماً أكثر لهذه العوامل المادية، وتحاول الإجابة عن أسئلة لم تثر من قبل.

وهكذا نجد وات يبدأ دراسته لسيرة النبي محمد في كتابه: “محمد في مكة” بدراسة البيئية الجغرافية العربية والمجاورة، التي نشأت فيها دعوة محمد، وكذلك الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في مكة والجزيرة العربية، والظروف السياسية في المنطقة العربية ومحيطها، ومن ثم درس الحياة الدينية للعرب قبل الإسلام (ص 49 من الكتاب).

اقرأ أيضا: تشويه صورة الإسلام بين المسيئين من المسلمين والمتحاملين من الغربيين

يقول وات: “إن المستشرق ليون كايتاني Leone Caetani عندما كتب عن محمد في كتابه “ِAnnali dell’Islam” الذي نشر عام 1905م، لم يكن قد اطَّلع على مجموعة ابن سعد لتراجم المسلمين الأوائل في كتابه: “الطبقات الكبرى”.

مصادر السيرة لدى وات:

اعتمد المستشرق وات في دراسته الشاملة والمعمقة للسيرة النبوية على المصادر الإسلامية الأساسية (القرآن الكريم، والسنة النبوية، وكتب السيرة والتاريخ الإسلامي)، مستعيناً ببعض الدراسات الغربية للمستشرقين الذين سبقوه، وخصوصاً ترجمة معاني القرآن لأستاذه ريتشارد بل، ودراسات المستشرق الألماني الكبير نولدكه عن تاريخ القرآن.

يقول وات في تمهيده لكتابه: “محمد في مكة”: “لقد حاولت المحافظة على الحياد في المسائل اللاهوتية التي يدور حولها النقاش بين المسيحية والإسلام، فمثلاً، لتجنب الجزم بما إذا كان القرآن كلام الله أم لا، فقد تحاشيت استخدام التعبير “يقول الله” أو “يقول محمد” واستخدمت التعبير “يقول القرآن”، ومع ذلك فإنني لا أتبنى المنظور المادي بحجة التزامي بالنزاهة التاريخية، فأنا أكتب كمؤمن بالتوحيد”.

يوضح وات أن المنهج الذي اتبعه يتضمن نظرة جديدة عن علاقة المادة التاريخية التقليدية بالقرآن، حيث كان سائداً لفترة التأكيد على أن القرآن هو المصدر الأساسي للفترة المكية، وهو لا شك معاصر لهذه الفترة. ولكن المستشرق يرى أن القرآن، إذا استبعدنا صعوبة تحديد الترتيب الزمني للأجزاء المختلفة فيه (ترتيبه حسب تاريخ النزول) وعدم وضوح كثير من النتائج المتعلقة بذلك، لأنه نزل منجماً ومفرقاً، فهو لا يعطي لنا الصورة الكاملة لحياة محمد والمسلمين في الفترة المكية.

منهج تحليلي تاريخي

ويرى الباحث هيثم مزاحم أن المستشرق وات اعتمد المنهج التحليلي التاريخي الذي يقوم على دراسة القرآن والإسلام وسيرة النبي محمد من خلال إعادة ترتيب سور القرآن بحسب نزولها، وفضل الآيات المكية عن تلك المدنية، وترتيبها وفق المعيار الذي قدمه المستشرق الألماني تيودور نولدكه في كتابه: “تاريخ القرآن”، حيث درس الآيات الطوال وقارنها بالروايات التقليدية عن أسباب النزول، فوجد أن السور المجمع على نزولها آخراً، تحوي آيات طوالاً في الغالب. وبناء على هذا المعيار، رتب نولدكه سور القرآن في أربع فترات زمنية، ثلاث مراحل مكية ومرحلة مدنية. كما يستعين وات بدراسة أستاذه ريتشارد بل عن تسلسل نزول آيات القرآن، خصوصاً بما يتعلق بالحقبة المدنية.

إذاً، المصدر الأول الذي رجع إليه وات هو القرآن، من خلال ترجمة معاني القرآن لأستاذه ريتشارد بل، الذي نشر في جزأين (1937 ـ 1939م) في أدنبرة في بريطانيا. وقد أعاد ريتشارد بِل ترتيب السور والآيات بحسب النزول الأول فالأول “Critical rearrangement” وأعطى للآيات والسور ترقيماً بالحروف على الشكل التالي:

أول ما نزل، باكرة، أي: من أول ما نزل في مكة، مكي بشكل عام، آخر الحقبة المكية، مدنية باكرة، مدينة بشكل عام، مرتبطة بغزوة بدر، مرتبطة بغزوة أحد، حتى الحديبية، بعد الحديبية، منسوخة.

أما الطبعة الأخرى للقرآن التي رجع إليها، وات فهي طبعة أخرى من ترجمة بِل، لكن المستشرق فلوغل Flugel هو الذي تحمل مسؤولية ترقيم الآيات. كما استند وات إلى كتاب ليوم كايتاني Leone Caetani المعنون “Annali del Islam” الذي حاول فيه ترتيب أحداث السيرة النبوية عاماً بعام، وربط ترتيبه هذا بالآيات القرآنية، إذ راح يبحث عن الآيات أو السور التي تناسب كل واقعة أو ظرف اجتماعي، ووضعها مرتبطة بها، سواء كان ذلك بناء على مصادر إسلامية أو استنتاجاً.

ويفسر وات لماذا تبع المستشرقين في ترتيب القرآن وفقاً للأسبق فالسابق فالأقل سبقاً، بأن ذلك محاولة ربط المادة التاريخية التقليدية ـ أي: ما ورد في كتب السيرة وغيرها ـ بالقرآن الذي هو المصدر الأساس للحقبة المكية، لأنه معاصر لها، لكن القرآن ـ في نظره ـ لا يعطي لنا الصورة الكاملة لحياة محمد والمسلمين في الفترة المكية. لذلك يخلص إلى أنه سيعتمد على القرآن كمصدر لتاريخ الفترة المكية، بالإضافة إلى أحاديث الرسول وكتب السير والتاريخ (ص51 من الكتاب).

شخصية النبي محمد لدى مونتغومري وات

يطرح الباحث هيثم مزاحم في الفصل الثالث دراسة المستشرق وات لشخصية الرسول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، التي شكَّلت أحد أبرز الموضوعات التي تناولها المستشرقون، كونه محور الرسالة الإسلامية ومتلقِّي الوحي القرآني ومؤسس الجماعة الدينية الأولى، حيث اتخذ التأليف في صورة النبي العربي أشكالاً مختلفة في الخطاب الاستشراقي، سواء أكان ذلك في بدايات الوعي المسيحي الأوروبي بالإسلام ومحاولات تشويه صورة محمد رسول القرآن، والطعن في الوحي والإسلام، أو في مرحلة لاحقة حيث بدأ الاستشراق بالتعرُّف على الإسلام والرسول والقرآن من خلال النصوص الإسلامية، وابتعد الخطاب الاستشراقي عن الأحكام النمطية.

صورة نمطية متخيّلة

إن الصورة الأوروبية التقليدية عن الإسلام والنبي، والتي لا تزال أجزاء منها تقاوم الزوال، هي من صنع رجالات الكنيسة منذ القرن التاسع الميلادي، حيث رأى اللاهوتيون أن النبي محمد هو المسيح الدجال المذكور في العهد القديم ورؤيا يوحنا، وهو الأمارة الرئيسية لليوم الآخر. فيما رأى لاهوتيون كثيرون أن محمداً هو مطران أو بطريق في الأصل، انشق عن الكنيسة الكاثوليكية بعد شجار مع بطريق القسطنطينية فشكل “هرطقة” انفصلت عن المسيحية ربما بتأثير قصة الراهب بحيرا وعلاقته المزعومة بالنبي محمد (مأخوذ من كتاب ريتشارد سوذرن”صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى” ترجمة د. رضوان السيد، ص 63).

اقرأ أيضا: وسائل الإعلام الغربية تفرض رقابة على الرسومات المسيئة

هذه الصورة المتخيَّلة والنمطية عن الإسلام وغيرها، بقيت من القرن التاسع إلى بدايات القرن الثالث عشر ميلادي، وهي حقبة وصفها ريتشارد سوذرن بـ “حقبة الجهل” بالإسلام، وامتدت إلى عصور الاستشراق، أي: إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وظلت مصادر الأوروبيين عن الإسلام حتى مطلع القرن الثالث عشر عبارة عن “تحريفات بيزنطية قديمة، وأساطير خيالية، وتصورات تعود في جذورها لرؤى العهد القديم النشورية”، إلى أن بدأت تظهر في النصف الثاني من القرن الثاني عشر اتجاهات أكثر مقاربة للحقيقة التاريخية، على غرار برس دالفونسو ووليام مالمسبري وتييمو، الذين قالوا: “إن محمداً عند المسلمين هو نبي وليس إلهاً، وأن الإسلام دين وحدانية وليس مذهب تعدد الآلهة. لكن هذه الأقوال ظلت ضائعة في بحر الخيالات والأوهام”.

وعلى الرغم من ترجمة القرآن عام 1143م وبعض الكتب عن الإسلام إلى اللاتينية، ودراسة القساوسة للنص القرآني ومحاولتهم إجراء حوار مسيحي ـ إسلامي لدعوة المسلمين إلى الكاثوليكية، إلا أنه لا نلحظ تطوراً في تقدم فهم الأوروبيين للإسلام، وبقيت التصورات النشورية والتخيلية عن الإسلام والرسول محمد مهيمنة في الوعي المسيحي الأوروبي في القرن الخامس عشر، وذلك بسبب الاهتمام بمواجهة الإسلام أكثر من اهتمامهم بالتعرّف عليه، والتحضير للحرب الصليبية المقبلة.

كبار المفكِّرين والأدباء والعباقرة من جنسيات وديانات مختلفة كتبوا عن النبي محمد وشخصيته وسيرته، ربما أكثر مما كتب عنه المسلمون

اعتاد الأوروبيون منذ بدايات العصور الوسطى على النظر إلى النبي محمد “باعتباره رجلاً عاش حياة غير حميدة، وكان غارقاً ـ في نظرهم ـ في حمأة الدنيا وشهواتها”. فهذه الصورة عن الإسلام ونبيه “لم تنشأ دفعة واحدة، بل تكوَّنت عبر مراحل تاريخية”.

هذه الصورة النمطية خرجت من جوف صدمة الوعي المسيحي من الفتوحات العسكرية الإسلامية، وتوسع الإسلام على حساب المسيحية، واعتباره عائقاً أمام التطور الطبيعي للمسيحية، أي: “إن الوعي الغربي الوسيط لم يرَ في هذه رسالة النبي غير انحراف بالدين التوحيدي عن مساره الطبيعي، الذي يقود إلى انتصار نهائي للمسيحية”. ويمكن تلخيص الصورة النمطية عن النبي محمد في ثلاثة مزاعم أساسية هي: شهوانية النبي، ونبوءته المزعومة، واستخدامه العنف لتحقيق مشروعه السياسي” (من كتاب مونتغومري وات، “محمد في المدينة” الذي استشهد به الباحث هيثم مزاحم ص65 من كتابه).

ويعتقد الباحث هيثم مزاحم أنّ كبار المفكِّرين والأدباء والعباقرة من جنسيات وديانات مختلفة كتبوا عن النبي محمد وشخصيته وسيرته، ربما أكثر مما كتب عنه المسلمون، ومن بين هؤلاء المستشرق البريطاني مونتغومري وات، الذي كتب كتباً عدة عن سيرة الرسول محمد وشخصيته القيادية كنبي مرسل، وقائد سياسي ورجل دولة.

المصدر : عربي 21

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

الخط الذي يربط خطة ترامب بتطبيق القانون الإسرائيلي في مناطق المستوطنات

بقلم: أودي ديكل – باحث في “معهد دراسات الأمن القومي” في جامعة تل أبيب — …

البيت الأبيض: لم ندعُ أي مسؤول إسرائيلي إلى مؤتمر البحرين

أكد البيت الأبيض أمس (الاثنين) أن أي مسؤول إسرائيلي رسمي لن يشارك في الورشة الاقتصادية …

على سبيل النجاة بفلسطين

بقلم: أحمد طه الغندور — قد يبدو للمراقب أن الأفق يضيق بالفلسطينيين، وأن المشهد مجلل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.