الرئيسية / ثقافة / الشاعر البربري محند وارتباط الأمازيغية بالعربية
الدكتور عثمان سعدي

الشاعر البربري محند وارتباط الأمازيغية بالعربية

د. عثمان السعدي — ينبغي أن نفرق بين الأمازيغية أو البربرية التي هي عنصرٌ من تاريخ المغرب العربي، وبين النزعة الأمازيغية البربرية وهي إيديولوجية صنعها الاستعمار الفرنسي، وتسيّرها الأكاديمية البربرية في باريس منذ تأسيسها سنة 1967، وتطبِّق توجيهاتها الجمعياتُ الأمازيغية الفرنكفونية في المغرب العربي، ويطلق على هذه النزعة Berberisme.
ومنذ تاريخ تأسيسها صار البربريون يكتبون اللهجة القبائلية الأمازيغية بالحرف اللاتيني، بينما التراث الأمازيغي مكتوب بالحرف العربي، وحرف التيفيناغ الذي يستعمله التوارق البدو في الصحراء والذي يزعم البربريون أنه الحرف الأمازيغي هو مستمدٌّ من الحرف الكنعاني الفينيقي المنحدر من حرف المسند العربي في اليمن السعيد.
اللغة الأمازيغية تعتبر لغة الضاد، الأمازيغ يفرقون بين الضاد والظاء (أضارْ، أشْظَاظ) مع نطق الضاد ضاداً، الكاتب الجزائري الأمازيغي السعيد الزاهري نشر مقالاً في مجلة المقتطف المصرية سنة 1938 عنوانه (البربرية لغة الضاد).
وخير من يمثل كتابة الأمازيغية في بلاد القبائل بالحرف العربي هو الشاعر القبائلي الكبير محند أو محند. وُلد أبو الشاعر محند أمزيان حمدوش في قرية أقمون بتيزي وزو لكنه انتقل واستقر في قرية شرعيوى (الأربعاء نايث إيراثن). وقد دمر الاستعمار هذه القرية المجاهدة سنة 1857 فتشرد سكانها واستقرت عائلة الشاعر في أقبو. وُلد الشاعر سنة 1883 وتوفي سنة 1946 على الأرجح، والذي يعتبر في مستوى الشعراء العرب الكبار، وأنا أشبِّهه في سيرته وشعره بالشاعر العربي الشنفري.
يقول عنه الشيخ عبد الرحمن شيبان رئيس “جمعية العلماء المسلمين” الجزائريين إنه “متنبي الأمازيغ”، شعره موزون مقفى في طابع الموشح، أسميه ثلاثيات سي موحند. وأقدِّم للقراء الكرام ثلاثيات لهذا الشاعر مستمدة من ديوانه الذي نشر في كتاب رائع عنوانه (أشعار سي موحند، الحوار الرفيع بين الصوت الأمازيغي والحرف العربي) للمؤلف عبد الرحمن بوزيده وتقديم محمد لخضر لعقال، وتحت إشراف الناشر الأستاذ مصطفى ماضي، الصادر عن دار الحكمة في الجزائر سنة 1990.
الشعر مثبّت بالقبائلية مع الترجمة العربية وأتمنى أن يعاد طبعُ هذا الكتاب الذي أتصور أن “البربريست” وضعوا عليه نوعاً من التعتيم. سأورد بعض الثلاثيات مع وضع خط تحت الكلمات العربية في النص القبائلي وهي كثيرة، لأبين أن الشاعر لا يستعمل الكلمات الفرنسية إلا نادراً وأن اللهجات الأمازيغية مليئة بالكلمات العربية. كما أوضح أن الأكاديمية البربرية في باريس قامت بتطهير القبائلية التي تعتبرها هي الأمازيغية، من الكلمات التي فيها رائحة الإسلام والعربية مثل (السلام فلاّون) التي صارت (أزّول فلاون)، مع أن كلمة “أزول” لا وجود لها في أي لهجة أمازيغية، التحية المتداولة في سائر اللهجات الأمازيغية بما فيها القبائلية هي (السلام فلاّون) أي السلام عليكم؛ واستبدلت كلمة الشهيد في الأمازيغية بكلمة أمغراس؛ ومثل كلمة “يَلُّو” التي حلت محل الله والرب؛ كما استبدِلت عشرات الكلمات ويطبق هذه الخطة في تبديل الكلمات “البربريست” الفرنكفونيون في الجزائر.
العروبة والأمازيغية تعودان إلى أرومةٍ واحدة، يجمع بينهما كلُّ شيء ولا يفرق بينهما أيُّ شيء، والحرف العربي هو الذي يعِّبر عن سائر الصوتيات الأمازيغية، والتراث الأمازيغي الثقافي كُتب بالحرف العربي. لكن الأكاديمية البربرية في باريس التي نشأت سنة 1967 بعد استقلال الجزائر بخمس سنوات هي التي تدير المسألة الأمازيغية في الجزائر والمغرب بالحرف اللاتيني.
ولنلاحظ أن الشاعر محند يستعمل في شعره اسم الجلالة ربّي والله. ومواضيع الديوان عدة، (أين السعادة. ذكرى ومرض، الهوى، العديد من المدن)، في شعره يظهر أن الشاعر فيلسوف، وحكيم، ومتصوِّف، ووطني، ويتمتع بثقافةٍ عربية إسلامية واسعة، ويُعتبر أكبر متجوِّل في الجزائر وخارجها. هو شاعر عاشق للحرية، متحرِّر من المادة والمال، عاش رحّالة بين مدن الجزائر وبواديها بل خارج الجزائر، وتنقل إلى تونس على قدميه هارباً من السلطات الفرنسية، تخللت حياته مراحل متنوعة عدة، لكن بقي دائماً معتمداً على أن رحمة الله وغفرانه واسعين. يروي عنه الناس في بلاد القبائل قصصاً تشبه الأساطير أشهرها حواره مع الشيخ محند أو الحسين.
في هذه الثلاثية يقول الشاعر إنه غريبٌ في قرن يسيطر عليه الاستعمار فجعله معوجًّا، فقلبي يتزلزل من هذا الاعوجاج، بحيث صرت في بلدي كاليتيم المسجون، والملاحظ أن كلمة “أبورت” ليس أصلها فرنسياً أو لاتينياً وإنما أصلها من اللغة المصرية القديمة.

الترجمة الأمازيغي
كم فؤادي يترجرج أثَا أوليُو إسْرَجْرَجْ
إن هذا القرن أعوج أفَ القَرنْ أعوَجْ
كاليتيم غلقوا الأبواب دوني أيَ أوصاغْ أمْــڨ ـوجيلْ ثَبُّورَثْ

وفي ثلاثية أخرى يصف القرن تحت المستعمر بالرعب الذي أثرى فيه المستعمرون وعملاؤهم الكلاب وتدهورت حياة كل نبيل:
إن هذا القرن رعبٌ القرنْ أَڨ إِسَرْهبْ
أثرى فيه أيّ كلبٍ ذَڨ رَفْهانْ لَكْلابْ
وانهزمَ كلّ نبيلٍ ثَرْزَمْ يا أولادْ بابْ الله

ويحدد هوية المنافق المدعي فيقول إن من يزعم أنه قديس بينما هو غارق في المحيط النجس حاملاً في يده سبحة:
كم تباهَوْا بالقداسة أطَاسْ أيْ ڨوغانْ الميثاقْ
غارقينَ في النجاسهْ ذِ الذْنوبْ إِعلاقْ
وعلى الأعناق سبحه تَسْبَحْ إزْڨ غافْ إيريسْ

ويتكلم بفلسفة عن توحيده لله وقبوله بصبر كلما يأتي منه:
سبحانك يا أوحدْ سبحانك يا واحد الأوحد
وجب أن نحمدْ ذا الواجَبْ أكْ نَحْمَدْ
كلما أعطيتَ نَصبرْ ثَفْكيدْ القُدرى نَصَبْراسْ

وفي تعبير المتصوِّف يقول إنه اختار تقاه الذي هو عبارة عن بستان كله زهور منورة، أشجاره بها الثمار النادرة:
اخترت بستاني اختيار غيغْ لجْنانْ سَلْخَتيرْ
فيه النّوّار جارْ أقوانْ ذَڨسْ لَنْوارْ
ومن الأشجار ضم ما ندرْ سَكْرْ ذاكْرانْ إلْساونْ

ويقول صار وطني في ظل الاستعمار غريباً، يسير كسفينة بغير شراع، فركبني كمواطن اليأس الشديد، واسم الوطن الأرض بالأمازيغية الوارد بهذه الثلاثية (أمّورث) وهي عربية “أرض ممرّثة إذا أصابها غيث قليل”.
موطني قد صار بِدعهْ تْمُورْثيُو ذِلْ بِدْعَا
يخبط من غير شرعهْ فَغَنْ أَوْكْ سِ أشرعا
زاد يأسي وتأكّدْ أَبْريدَا قِطْعَغْ لَياسْ
ويقول أيضاً عن الوطن في عهد الاستعمار أنه صار كالتاجر الذي يبيع حليّاً مزيفة، به حقير بين العروش من الأربعاء إلى قمم الجبال، به بائعو الجاوي وغيره هم شبيهو الوحوش، كلهم يخدم المخزي أي المستعمر:
موطني بائع عَقوشْ ثَمّورَثْ أَزْنوزَنْ عَقُّوشْ
سافل بين العروش شِنَّايَدْ ذِ لَعْرُوشْ
من الأربعاء إلى قمم الجبال سِ لَرْبْعا ذَ سَوانْ
بائعو الجاوي وغَبْرة الحميموش آثْ الْجاوي ذِ حَميموشْ
وأقلّ من الوحوش أَقَلاّ ذِ لْوُحوش
كلهم يخدم مخزن أُوغَالَنْ أُوكْ ذِ المخزن

ويقول إن موطنه صار مملوكاً من زامل أي فاقد للرجولة وأنا له مهين، فيه عيش الفحل نَكَدٌ يفرض عليه أكل الفلفل الحار ويشحن بالغضب:
موطني الآن تبدل تَمُّورْثْاثورْ ثْبَدّالْ
يملكه من هو زامل أبويَنْتِيسْ الزّْوامَلْ
من له كنتُ مهينا وُيِذَّنْ كِرْهاغْ زِكْني
فيه عَيْشُ الفحل نَكْدا تَمْعِيشَاثْ تَصْعُبْ آفْ الفَحْلْ
يُطعم الفلفل عمدا ثُوقَلاسْ ذِ فلفلْ
ويُروّى بالغضب يرْوى الزعافْ ذِ الْغشّاني

بهذه المعلومة المختصرة نؤكد للقارئ الكريم أن العروبة والأمازيغية تعودان إلى أرومةٍ واحدة، يجمع بينهما كلُّ شيء ولا يفرق بينهما أيُّ شيء، وأن الحرف العربي هو الذي يعِّبر عن سائر الصوتيات الأمازيغية، وأن التراث الأمازيغي الثقافي كُتب بالحرف العربي، وأن الأكاديمية البربرية في باريس التي نشأت سنة 1967 بعد استقلال الجزائر بخمس سنوات هي التي تدير المسألة الأمازيغية بالجزائر والمغرب بالحرف اللاتيني، وأن البربريين الفرنكفونيين في الجزائر يطبقون توجيهات هذه الأكاديمية، ولا علاقة لهم بالتراث الأصيل للأمازيغية.
خلاصة القول: إن شعر سي محند يبيِّن الأصالة الصافية للأمازيغية في بلاد القبائل التي عملت الأكاديمية البربرية في باريس ووكلاؤها الفرنكفونيون على تشويهها.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

لوفيغارو: 5 أسئلة لفهم حقيقة مؤتمر وارسو

ترجمة: بلال دردور عربي 21: نشرت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية تقريرا، تحدثت فيه عن محادثات المؤتمر …

إندبندنت: كيف تتصارع روسيا وأميركا على الشرق الأوسط‎؟

ترجمة: بلال ياسين  عربي 21: وصف تقرير في صحيفة “إندبندنت” مؤتمر وارسو في بولندا وسوتشي …

برلمان السودان يؤجل “تعديل الدستور” لأجل غير مسمى

أعلن البرلمان السوداني، السبت، تأجيل اجتماع اللجنة الطارئة للتعديلات الدستورية، حول تمديد الولاية الرئاسية، واختيار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.