الرئيسية / مقالات / الثورة في الفكر الإسلامي
الثورة في الفكر الإسلامي

الثورة في الفكر الإسلامي

د.بدر علي محمد الرمضاني

باحث في العلاقات الدولية والعلوم السياسية

خاص بمجلة “شجون عربية” – في 24 كانون الثاني – يناير 2019

 

بالرغم من عالمية فكر الثورة، من حيث كونها ظاهرة إنسانية سياسية واجتماعية، ومع أن الشعوب العربية تلتقي مع بقية الشعوب، وخصوصاً في دول العالم الثالث، من حيث الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الدافع الأساس للثورة، إلا أن للحالة العربية خصوصية تجلت في السنوات الأخيرة، وفي المد الأصولي، بما يتضمن من تصورات للأوضاع القائمة وتجاوزها، وهي تصورات مستمدة من مفاهيم دينية إسلامية. فمهفوم شرعية الحكم والحاكم، مبررات شرعية الثورة على النظام القائم، وتحديد معسكر الأصدقاء ومعسكر الأعداء، وسبل أو وسائل الثورة على الحاكم، ومستقبل النظام الذي يُراد تأسيسه بعد الثورة على الحاكم.. إلخ، كل هذه أمور لا تستمد من علم السياسة الوضعي ولا من التجارب الثورية لشعوب العالم، بل من مرجعية النص المقدس – قرآن وسنة – ومن أقوال الفقهاء ورجال الدين عبر التاريخ.

في تفسير الثورة وتحليلها في الفكر والواقع الاسلامي، يتداخل الدين مع السياسة كما يتداخل الماضي مع الحاضر. وكما اختلف العلماء والجماعات الدينية في تفسير وتأويل كثير من النصوص المقدسة، وخصوصاً ذات العلاقة بالسلطة والسياسة وحكم البشر، فقد تباينت الرؤى والمواقف من الثورة، منذ بداية ظهور الاسلام حتى اليوم، مع الإشارة إلى تراجع مصطلح الثورة، ليحل محله ويستوعبه مصطلح الجهاد ،وهو محل اختلاف بين العلماء والجماعات الإسلامية [1].

تعني كلمة الثورة في الاصطلاح العربي الأسلامي التغيير الشامل والجذري الذي يطرأ على الظواهر الطبيعية أو الإنسانية. وحسب هذا المعنى للثورة، فإن الديانات السماوية ثورات، ولكن موحى بها سماويا، إنها ثورات شاملة لا تقتصر على تغيير النظام السياسي، بل تغيير منهج حياة الناس، وتغيير طبيعة العلاقات التي تحكم البشر بعضهم ببعض. ولكن كلمة الثورة في القرآن لم ترد بالمعنى السياسي والاجتماعي المتداول اليوم، بل وردت بمعنى الانقلاب في الأوضاع أو في الواقع القائم. فثورة الأرض وتثويرها يعني قلبها بالحرث، فبقرة بني إسرائيل كانت } لا ذلُولٌ تُثِيرُ الأَرضَ {؛ البقرة: 71، أي لا تقلبها بالحرث.

جاء في القرآن الكريم أيضاً، ومن الأمم السابقة من } كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها {؛ الروم: 9، أي قلبوها، وبلغوا عمقها، كما ترد مشتقات كلمة الثورة بمعنى الانتشار والهيجان.

وفي الأحاديث النبوية وردت كلمة الثورة بما هو قريب من معناها السياسي المتداول اليوم، ففي حديث شريف رواه البخاري ومسلم والإمام أحمد وترويه السيدة عائشة رضي الله عنها، حول هياج الأوس والخزرج حيث تقول ((فثار الحيان، الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله يخفضهم حتى سكتوا وسكت)).

وفي الحديث الذي يرويه مرة البهزي، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم متنبئاً بفتنه عهد عثمان بن عفان : ((كيف في فتنة تثور في أقطار الأرض كأنها صياصي (قرون) بقر )) -رواه الإمام أحمد.

وفي التاريخ الإسلامي استخدمت أدبيات الفكر الإسلامي مصطلح الثورة بدلالتها المتعارف عليه اليوم، فحركة عبدالله بن الزبير في مكة، سماها نافع بن الأزرق، زعيم الخوارج بالثورة، ودعا أصحابه بأن يهبوا لنصرتها والدفاع عن بيت الله الحرام، فيخاطبهم قائلاً : ((..وهذا، من قد ثار بمكة، فأخرجوا بنا نأتِ البيت ونلقَ هذا. الرجل الثائر )) [2].

بالإضافة لمصطلح الثورة، شاعت عند المسلمين مصطلحات قريبة من مصطلح الثورة أو تصف أحداثاً قريبة من الثورة منها: الملحمة، والخروج، والقومة.

كما يستعمل بعض علماء المسلمين وجماعات إسلامية مصطلح “النهوض” و “النهضة” ومصطلح “القيام” للدلالة على الخروج والثورة… لما فيهما من معنى الوثوب والانقضاض والصراع. كذلك استخدم القرآن الكريم، للدلالة على معنى الثورة، مصطلح “الانتصار”.. فالانتصار: هو الانتصاف من الظلم وأهله، والانتقام منهم… وهو فعل يأتيه “الأنصار” –الثوار- ضد “البغي” الذي هو الظلم والفساد والاستطالة ومجاوزة الحدود [3].

فالإشكالية المطروحة في الموضوع لا تكمن باللغة والمفردة إن كانت ثورة أم خروجاً أم قومة أو غيرها، بل في مدى شرعية خروج المسلمين على الحاكم الجائر، وفيمن له الحق بالثورة أو الخروج، هذا بالإضافة إلى اختلاف المسلمين في الحالة التي يمكن وصفها بالجائرة أو الظالمة، وبالتالي تجوز الثورة ويجوز الخروج عليها. فمنذ بداية الإسلام وحتى اليوم، والمسلمون مختلفون حول هذه القضايا، حيث شهد التاريخ الاسلامي كثيراً من الثورات وحالات الخروج على الإمام أو الحاكم، والفتة الكبرى في عهد علي بن أبي طالب، وثورة الخوارج، وثورة الحسين، وثورة الزبير، وثورة الزنج [4]، وثورة القرامطة [5]… إلخ، وكان كل طرف يكفر الطرف الآخر، مما كان يؤدي لاقتتال، بل ولمجازر بشعة، اساءت كثيراً للمسلمين وتاريخهم [6].

اختلف العلماء المسلمون حول مشروعية الثورة، فمع اتفاقهم على رفض نظم الجور والضعف والفساد، إلا أنهم اختلفوا حول استخدام العنف – السيف – في تغيير هذه الأنظمة.

وقد تم طرح الموضوع لأول مرة في ثورة الخوارج الذين برروا وشرعنوا ثورتهم على الأمويين، لأنهم رأوا أن الأمويين، خرجوا عن فلسفة الشورى. في نفس السياق ذهب المعتزلة، ولكنهم اشترطوا (التمكين) قبل القيام بالثورة حتى لا تؤدي هذه الأخيرة لحالة من الفوضى أو الفتنة، كما اشترطوا وجود الإمام الثائر وأن يوجد بديل جاهز ليحل محل النظام بعد الثورة.

في مقابل وجهة النظر المؤيدة للثورة، وجدت وجهة نظر رافضة أو متحفظة على فعل الثورة، عبر عنها الإمامان ابن حنبل وابن تيمية. فأحمد بن حنبل (164-241 هـ/780-855 م)، وأهل الحديث فقد رفضوا سبيل الثورة، لأنهم رجحوا إيجابيات النظام الجائر على سلبيات الثورة.. فقالوا : ((إن السيف –العنف- باطل، ولو قتلت الرجال، وسبيت الذرية، وأن الإمام قد يكون عادلاً ويكون غير عادل، وليس لنا إزالته وإن كان فاسقاً.. ))، ومن أقوال ابن تيمية: ((.. فستون سنه من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان )). أما الإمام الغزالي (450-505 هـ / 1058-1111 م ) – من الأشعرية – فوقف موقف الموازنة. فقال عن الحاكم الجائر: (( والذي نراه ونقطع به: أنه يجب خلعه إن قدر على أن يستبدل عنه، من هو موصوف بجميع الشروط، من غير إثارة فتنة ولا تهيج قتال. فإن لم يكن ذلك إلا بتحريك قتال، وجبت طاعته وحكم بإمامته.. لان السلطان الظالم الجاهل، متى ساعدته الشوكة، وعسر خلعه، وكان في الاستبدال به فتنة ثائرة لا تطاق، وجب تركه ووجبت الطاعة له.. )).

وكأن التاريخ يعيد نفسه، فما إن اندلعت الثورات في العالم العربي حتى تصدى علماء مسلمون للإفتاء حول شرعية الثورة ما بين مؤيد لها ومعارض. فمنهم من اعتبر ثورات الشباب شكلاً مشروعا من أجل مواجهة جور وظلم الحكام من أجل إرساء نظام يتسم بالعدل والمساواة في الحقوق. في مقابل ذلك، هناك من حرم المظاهرات والاحتجاجات بدعوى أنها فرصة لتفرقة الجماعة.

 

الهوامش:

[1]- أنظر الدكتور إبراهيم أبراش، الثورات العربية في عالم متغير، الدار البيضاء : مطبعة النجاح الجديدة، 2011، ص 26-27.

[2]- أنظر الدكتور محمد عمارة، ثورة 25 يناير، القاهرة : دار السلام للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 2011، ص 7-10.

[3]- أنظر محمد محمود ربيع وإسماعيل صبري مقلد، موسوعة العلوم السياسية، جامعة الكويت، 1994، ص 129.

[4]- في منتصف القرن الثالث الهجري (255 ـ 270هـ/ 869 ـ 883م) قامت ثورة على الدولة العباسية بزعامة محمد بن علي وهو فارسي الأصل،وكان الثوار خليط من الزنوج والعرب، وأسس الثائرون حكومة خاصة بهم مقرها مدينة المختارة جنوب البصرة، وانهارت الثورة بعد أقل من عقدين بعد أن أنهكت العباسيين وشكلت خطراً حقيقياً عليهم.

[5] – نسبة لحمدان ابن الاشعث الملقب بقرمط، واصله من الأهواز ومنها انتقل للكوفة حيث اعتنق الإسماعيلية الباطنية قبل أن يتمرد عليها ويؤسس نهجاً خاصاً به، وهي ثورة اجتماعية دينية اندلعت في العهد العباسي – زمن المعتضد – سنة 891 م / 287 هجري، وقد كسبت كثيراً من الأنصار وامتدت لتشمل غالبية بلاد المسلمين من اليمن والبحرين حتى مصر ودمشق، وهاجموا مكة سنة 317 هجري واحتلوها وسرقوا الحجر الأسود وأخذوه معهم إلى البحرين حيث كان معقلهم الرئيسي كما أسسوا دولة لهم باليمن.

[6] – أنظر حول الموضوع : محمود إسماعيل، تاريخ الحركات السرية في الإسلام : رؤية عصرية، بيروت : دار القلم، 1993.

http://arabiyaa.com/wp-content/uploads/2019/01/الثورة-في-الفكر-الإسلامي.pdf

 

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

قوات الأمن الصومالية تقتل ستة أشخاص على الأقل في مقديشو

قال شهود ونواب في الصومال إن قوات الأمن قتلت سائق عربة صغيرة وراكبا في العاصمة …

اتهام نتنياهو بالفساد وخيانة الأمانة.. ومطالبات باستقالته

بقلم: أحمد صقر اتهم المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، أفيخاي ماندلبليت، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو …

إنترسبت: إلهان عمر توضح موقفها بعد هجمات اليمين الأميركي

بقلم: بلال ياسين نشر موقع “ذا إنترسيبت” مقابلة أجراها مهدي حسن مع النائبة المسلمة إلهان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.