الرئيسية / آراء / ذكرياتٌ مع الرئيس عباس ودحلان
أحمد يوسف
ذكرياتٌ مع الرئيس عباس ودحلان

ذكرياتٌ مع الرئيس عباس ودحلان

بقلم د.أحمد يوسف رئيس بيت الحكمة —

شهادتي للتاريخ!!.. تأتي أحياناً لحظة أو حالة تشعر معها بأنها تاريخية وفارقة، وتتطلب منك الادلاء بشهادتك مع تحري قول الحق، كونك كنت شاهداً على وقائعٍ وأحداثٍ في ذلك الوقت، ولديك من تفاصيل الحضور ما يُسعف عملية التقييم وحسابات المراجعة.

سأتحدث عن شخصيتين فلسطينيتين لهما في مشهد الحكم والسياسة الكثير من الصلاحيات والتأثير، وكانت توجهات كلّ واحدٍ منهما لا تغيب أدوارها عما آلت إليه الأمور فيما بعد؛ سلباً أو إيجاباً، وهما: الرئيس محمود عباس (أبو مازن) والنائب محمد دحلان (أبو فادي)، واللذان عرفتهما والتقيت بهما وجهاً لوجه في يوم واحد ومكان واحد بفندق الـ”ريتز كارلتون” بالعاصمة الأمريكية واشنطن في يونيو 2003.

كنت في ذلك اليوم مدعواً كأحد قيادات الجالية العربية إلى جانب حوالي 40 شخصية تمثل الواجهات الدينية ومنظمات المجتمع المدني، حيث كان هدف اللقاء هو التعرف على السيد محمود عباس؛ رئيس الوزراء الفلسطيني الجديد، وكان معه في ذلك الاجتماع عددٌ من قيادات السلطة السياسية والأمنية، إلا أن الأبرز بينهم حضوراً واللافت إعلامياً كان وزير الشئون المدنية محمد دحلان.

تحدث يومها الرئيس (أبو مازن) وبشَّر بالعهد الجديد، وما سيأتي على يديه من بناء للمؤسسات، وارتفاعٍ لمستوى المحاسبة والشفافية المالية، والدمقرطة السياسية عبر عملية التداول السلمي للسلطة، والكثير مما أملنا به واعتدنا سماعه عندما يطل علينا أي مسئول حكومي جديد.

بعد اللقاء، توجهت للطاولة التي كان يجلس عليها دحلان مع بعض أركان السلطة الفلسطينية، وقدَّمت نفسي، من حيث عملي ومكانتي، وأنني شقيق لمن كان يعرفه من إخوتي.. دار بيننا حديث تعارفي مقتضب، وغادر الجميع القاعة بعد تحايا وسلامات برتوكولية.

كنت قد سمعت عن الناشط في الشبيبة الفتحاوية محمد دحلان من أخي (عز الدين)، الذي كان مطارداً للاحتلال، وعن الجهد الذي بذله دحلان لمساعدته عندما تمَّ اعتقاله في مصر عام 1987، والذي جرى اعتقاله بعد ذلك بسبب هذه العلاقة ووضعهما معاً في زنزانة واحدة.. وبعد ستة أشهر من الحبس لدى أجهزة أمن الدولة في القاهرة، تمَّ ترحيلهما معاً إلى العراق ثم إلى تونس. ومن هناك، توجه أخي إلى الجزائر، حيث تعرض يعد فترة للتهديد بالترحيل لانتماءاته الإسلامية، إلا أن دحلان كان صاحب فضلٍ مرة ثانية بتثبيت عمله هناك.

في عام 2005، بدأ الحديث يدور حول انسحاب إسرائيلي من قطاع غزة، وأن هناك ترتيبات يجري التحضير لها بخصوص معبر رفح، وكان دحلان هو أحد الأشخاص المسئولين عن هذا الملف.

في الفترة ما بين منتصف 2004 ونهايات 2005 كنت مقيماً في الجزائر، وعندما تكاثر الحديث عن قرب الانسحاب الإسرائيلي من القطاع جاء من يشعرني بأن الأخ محمد دحلان – الذي تولى ملف الانسحاب في حينه – يرغب في اللقاء بقيادة حركة حماس ومكتبها السياسي في الخارج، بهدف التنسيق والتشاور معهم؛ باعتبار ما هو قادم من تغيير في المشهدين السياسي والأمني.

تواصلت مع قيادة الحركة في دمشق، وطرحت عليهم فكرة اللقاء بدحلان بالقاهرة، حيث رحبت الحركة، والتقى وقتها د. موسى أبو مرزوق سراً بالأخ محمد دحلان، حيث جرى بينهما حديث طويل يتعلق بمستقبل معبر رفح، والتفاهمات المطلوبة بين الطرفين بعد رحيل الاحتلال، وبالطبع كانت هناك موضوعات أخرى تمَّ تداولها.. تكرر اللقاء مرة ثانية في القاهرة، وفي اعتقادي أنه مهد الطريق لتفاهمات أكبر كانت مرجوة بين حركتي فتح وحماس في عهد ما بعد الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة.

الانتخابات التشريعية: بدايات مشرقة ونهايات محرقة

في يناير 2006، جاءت نتائج الانتخابات التشريعية على غير هوى الكثير من الرسميِّات والسياسيين في الداخل والخارج، وكانت صادمة لهم “تسونامي”!! حيث كان المرجح ومن خلال استطلاعات الرأي بأن حركة فتح هي المرشح لتصدر مشهد الحكم والسياسة، وستأتي حركة حماس في المرتبة الثانية، وبالتالي سيتم استيعابها في مشهد الحكم، حتى وإن كان خيارها هو التحرك من خلال المعارضة.

لا شك أن حركة فتح كانت تطمح في ترويض حركة حماس بعد تشجيعها لها بالمشاركة في الانتخابات؛ باعتبار أن السياسة سوف تُضعف بإغراءاتها حسابات الأيدولوجيا، وستضمن أن القوة الأكبر تنظيمياً وعقائدياً والأكثر تشدداً في معادلة الصراع مع الاحتلال ستكون إلى جانبها، في إطار تبادل الرأي والمشورة حول ما يمكن إنجازه أو التفاهم حوله من تسوية سياسية مع الاحتلال.

لذلك، يمكنني أن أفهم وأتفهم ما كان يسعى إليه الأخ محمد دحلان وبعض “الاستراتيجيين” في حركة فتح. حيث كانت خسارة الانتخابات لصالح حركة حماس موجعة لهؤلاء، وبدل التفكير في الشراكة السياسية مع حركة حماس، بدأ ما تمَّ اعتباره – آنذاك – محاولة للانقلاب على نتائج الانتخابات؛ أي من خلال “التخطيط والتحرك والتآمر” لإفشال الحكومة، التي شكلتها حركة حماس برئاسة إسماعيل هنية.

كان النائب محمد دحلان هو الشخص الفتحاوي الأكثر ظهوراً من ناحية الجرأة والتحريض على الحكومة، وصدرت عنه في السرِّ والعلن الكثير من التصريحات الاستفزازية، التي فهمها البعض بغير سياقات المناكفة والخصومة السياسية. ولعل هذا هو ما أوغر صدور الحمساويين عليه، وانهالوا بسهام الاتهام والتشهير العلني به، وكذلك بالمجموعة القوية من خيرة الشباب المؤطرين تنظيمياً، والمثقفين وخريجي السجون من حركة فتح، الذين كانوا بمثابة ذراعه الطويل في قلعته الحصينة بجهاز الأمن الوقائي.

بعد أن تسلمت حركة حماس مقاليد السلطة رسمياً في 27 مارس 2006، بدأت المناوشات تظهر وتتعالى وتائرها يوماً بعد يوم، وتبدَّى أننا مقبلون على مواجهات أكثر من اغتيال شخص هنا أو هناك.

تواصلت مع النائب محمد دحلان، وجلسنا مساءً في بيتنا بحي تل السلطان غرب مدينة رفح، وكان حديثنا يدور في كيفية التعايش والتآخي سياسياً، وكيف يمكننا العمل معاً من أجل صياغة مشهد فلسطيني آمنٍ ومستقر يخدم الجميع، وعلى قاعدة “الوطن للجميع؛ نحرره معاً ونبنيه معاً”. تلك الليلة، والتي استغرقنا الحوار فيها قرابة الأربع ساعات، شعرت بالارتياح النسبي من كلامه، وأنه – فعلاً – بإمكاننا الاعتماد عليه أو كسب جانبه للحفاظ على الحد الأدنى من توازن العلاقة، وأن تبقى “شعرة معاوية” قائمة بيننا، لنتمكن من مدِّ جسور التفاهم والتواصل، وفتح الأبواب للتشاور والحوار وتنسيق الخطوات لكل ما يخدم مصالح وطننا العليا، بحيث يتعاظم الكسب ويطال خيره الجميع، بالرغم مما لحق بحركة فتح من خسارة للانتخابات، والتي جاءت فيها ثانياً، إلا أنها كانت الأولى حقيقة، من حيث السبق النضالي والعلاقات الإقليمية والدولية، وكونها ما تزال عملياً ممسكة بكل المفاصل المركزية للسلطة الفلسطينية، فالرئيس (أبو مازن) لديه صلاحيات أقوى من الحكومة، ومؤسسات منظمة التحرير في الداخل والخارج ما تزال بيد قيادات حركة فتح.

لقد وعدنا ليلتها الأخ محمد دحلان بأنه سيتفرغ لعمله في المجلس التشريعي، وأنه سيضع خبراته ونفوذه داخل الأجهزة الأمنية لما يعزز أمن واستقرار الساحة الفلسطينية، وأنه سيكون سعيداً للتعامل معنا بما يخدم الأجندة الوطنية.

لم تطل تلك الفترة من الهدوء والتنسيق طويلاً بيننا، إذ كانت هناك بعض الأيدي التي تحركها الأحقاد وتراكم ثارات الماضي، وأخرى لم تتقبل الهزيمة وصعود الخصوم من الإسلاميين لمشهد الحكم والسياسة، فظلت تحاول العبث بمشهد الاستقرار والتفاهم، وجر السياسيين لتعبيرات إعلامية تحريضية مستفزة، لم يسلم منها أحد من قيادات حركتي فتح وحماس.

في تلك الفترة التي شغلتنا فيها المناكفات السياسية، واستعرت حالة الصراع بالكثير من المعارك الجانبية، انساق النائب دحلان كغيره للدفاع عن حصون فتح المهددة من قبل حركة حماس، والتي أخذت في تعزيز مكانتها على الأرض وفي المؤسسات، وكان لغياب أي دور فاعل للرئيس (أبو مازن) أن استشرى الخلاف، وتعاظمت أوجه الصراع والاحتكاكات الدامية.

كنت خلال تلك المعمعات من أوجه التلاحي والمناكفة السياسية والأمنية التقي دحلان من حين لآخر؛ كصديق حيناً وكممثل عن الحكومة حيناً آخر، بهدف تدارس الموقف والعمل على رأب الصدع، وبغرض إعادة أجواء التفاهم والهدوء للمستوى الذي يمنع وقوع الكارثة.. كان الرجل – نسبياً – يبدو إيجابياً في مواقفه والتزاماته، ولكن حجم التحريض عليه كانت وتائره دائماً عالية، وقد طاله الكثير من الاتهامات وأشكال التشهير والتشويه، والتي كانت تُخرج المرء – أحياناً – عن صوابه، وتدفعه للرد بانفعال وتهور، وربما يشاطرني في هذه الشهادة د. غازي حمد؛ القيادي في حركة حماس، الذي كان يشاركني بعض تلك اللقاءات.

كان النائب محمد دحلان – آنذاك – مازال في مقتبل العمر، وفيه نزق الشباب وأَنفة ابن المخيم، وكان يتصدر مكانة قيادية كمؤسس في الشبيبة الفتحاوية، وكان متعصباً في انتمائه التنظيمي، واتيح له في عهد الرئيس ياسر عرفات (رحمه الله) أن يتقلد – برغم صغر سنِّه – مناصب أمنية وسياسية مرموقة، إضافة للكاريزما التي كان يتمتع بها داخل السلطة وبين أبناء حركة فتح، وهذا ما كان يفرض عليه ويلزمه دائماً بأن يرد، ويضع نفسه في “بوز المدفع” وصدارة جبهة المناكفة السياسية مع حركة حماس.

لم يكن بإمكان أحد أن يوقف حالة الصراع والتدهور بين حركتي فتح وحماس، والتي كانت تتدحرج فيها الأمور من السيء إلى الأسوأ، في ظل رئاسة للسلطة بدت باهتة وعاجزة؛ كونها أخفقت في تحقيق أية مكاسب ملحوظة على المستوى الوطني تمكنها من التفاخر والتغني بها، حيث كان المتحكم الحقيقي بالمشهد السياسي منذ توقيع أوسلو عام 1993 هو الاحتلال.. ومع توافر القناعة لدى الرئيس (أبو مازن) بأن الإدارة الأمريكية هي من بيدها كل أوراق اللعب والتأثير في المعادلة السياسية مع حكومة الاحتلال، لذلك لم ينشط كثيراً في تثبيت أركان حكمه بالرهان على شراكة سياسية حقيقية مع حركة حماس؛ لأن إسرائيل ومن خلفها بالطبع أمريكا كانا يرفضان تعزيز فرص بقائها والتمكين لها في الحكم، بل كانا يعملان لإغراق سفينتها في بحر الظلمات، وطمس رايتها وخطابها، الذي كان يتم النظر إليه على أنه متطرف وعدواني، وهو ما نجحت إسرائيل في تسويقه بإلباس حركة حماس ثوب الشيطان، وإقناع أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي بوضعها على قوائم الإرهاب الدولي.

كان الرئيس (أبو مازن) يبدو دائماً عابساً ومتجهم الوجه في لقاءاته التي كان يلتقي فيها الأخ إسماعيل هنية؛ رئيس الوزراء في الحكومة العاشرة، لأسباب ربما كانت داخلية وأخرى خارجية. ففي المشهد الداخلي، كانت عمليات القتل والاغتيال المتبادلة تستحوذ على أحاديث الشارع الفلسطيني، وخاصة في قطاع غزة، كما كانت الاحتكاكات بالأجهزة الأمنية وخروجها عن طوع وزير الداخلية؛ الأخ سعيد صيام (رحمه الله)، تخلق الكثير من التوتر في العلاقة ما بين السلطة والحكومة، وهذا ما كان يتسبب في إشكاليات محرجة تحتاج طوال الوقت إلى تدخل الرئيس (أبو مازن)، والذي لم يسلم هو الآخر من لغة الاتهام والملاعنة!!

إن الجانب الآخر من هذه اللقاءات، التي كنت أحضرها كمستشار لرئيس الوزراء، كانت هي حديث الرئيس عباس عن جولاته الأوروبية، والتي كان ملخصها – بعد سرديته لكل تفاصيلها – أن هناك تعنتاً وممانعة في الغرب أمام السماح لحكومة السيد هنية بالإقلاع!! ولهذا السبب، ربما يُفهم لماذا كان الرئيس يبدو غير متشجعاً للتمكين لحكومة هنية، وترك باب الصراع معها مفتوحاً، ولم يُظهر حرصاً كافياً على حسم الأمور واستتبابها.

لم أشهد في تلك اللقاءات التي شاركت بها في المنتدى الرئاسي بغزة، والتي تجاوزت العشرة، ما يمكنني الحديث عنه كرؤية استراتيجية جرى الحديث عنها بين الرئيس ورئيس الحكومة، حيث كانت اللقاءات أقرب إلى لغة الخراريف وأحاديث الدواوين!!

حقيقة؛ لم أكن أشعر في تلك اللقاءات بالارتياح؛ لأن طبيعة الحديث كانت تغيب عنها الثقة، وتفتقد إلى الصراحة والوضوح، وتتفاوت فيها وجهات النظر من ناحية ما يسمى بالواقعية السياسية، وكان يغلب على حواراتها التوجس لما كان يبيته بليل هذا الطرف أو ذاك تجاه الآخر!!

أتذكر موقفاً كان فيه وفد الحكومة برئاسة الأخ إسماعيل هنية قد غادر اللقاء مبكراً، حيث كان الجو مشحوناً بالتوتر وغيرَ مريحٍ خلال الجلسة مع الرئيس، ربما بسبب التصريحات الإعلامية التي كانت تغلب عليها المناكفات السياسية، وتستفز الرئيس؛ لأنها كانت تضعه في دائرة الاتهام والتشكيك.

لم أغادر مع الوفد، وبقيت في المنتدى أتحدث مع د. زياد أبو عمرو، فمر الرئيس وتبادلنا بعض الكلمات، حيث حاولت أن أشرح للرئيس أن في الإسلاميين الكثير من الخير، وأن بالإمكان التفاهم معهم، وهو شخص سبق له معرفة الإسلاميين وخبرهم في الكثير من محطات حياته، وخاصة عندما عمل معهم مدرساً في قطر، والمسألة تحتاج إلى مجالستهم والحوار معهم، وأن الكثير من المشاكل مفتعلة وبالإمكان حلها على وجبة عشاء وحديث تسوده روح التآخي والصدق والمصارحة. كان الرئيس (أبو مازن) متشجعاً لذلك، وأوكل لي وللأخ زياد مهمة ترتيب ذلك.

غادرت قطاع غزة في مهمة خارجية، وعندما عدت كانت الأمور قد خرجت عن السيطرة. نعم؛ لم تكن حركة حماس مبرأة مما حدث من أخطاء، ولكن الرئيس بقلة صبره وبعض بطانة السوء التي كانت حوله، لم يكن يُنتظر منه الكثير لإصلاح العلاقة بين خصوم السياسة في مؤسسات السلطة والحكومة.

كان يبدو أن الرئيس يراهن على أن الصراع بين حركة حماس والأجهزة الأمنية، التي كانت أغلب مقاليدها بيد دحلان، سوف يؤدي إلى إضعاف الطرفين واستنزاف قواهما معاً، لذلك لم نشهد له دوراً حقيقياً بارزاً في رأب الصدع، والتحرك لتخفيف حدة الخلاف وإطفاء جذوته.

وبعد اتفاق مكة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية في فبراير 2007، كنا نظن أن الأمور ستنفرج عما قريب، وسيأخذ التوجه السياسي للحكومة مساراً جديداً، ولكن كان هناك من لا يريد للحالة أن تستقر وللشراكة أن تتحقق.

في ذلك الوقت، كان دحلان مستشاراً للأمن القومي، ولكن – ومن باب الأمانة – فإن الإشكالية الحقيقية لم تكن في دحلان وموقعه الأمني، ولكنها كانت في الرئيس الذي كانت قناعاته بأن “كل أوراق الحل” بيد أمريكا!! ولذلك، كان إصراره الدائم على ضرورة الحصول على موافقة الإدارة الأمريكية في كل ما كان يتخذه من سياسات أو يقوم به من تحرك مع حركة حماس!! وهذا ما أربك الساحة الفلسطينية، وكاء وراء إفشال عملية التفاهمات في مكة. لقد شاهدت ذلك بكامل سمعي وبصري، وذلك عندما تشبث بموقفه، وأصرَّ على أن تعطى أمريكا رأيها وتمنح موافقتها على البرنامج السياسي للحكومة!! وبرغم الكثير من المرونة والبرغماتية السياسية التي حظيت بها بنود البرنامج، والذي كنت أحد واضعيه، إلا أن غياب “المباركة الأمريكية” أربك حسابات الرئيس، وفتح الباب للمآلات التي شاهدناها، حيث انهارت الأوضاع، ودخلنا في متاهة سياسية، كان أبرز من قام بتجليتها الإعلام الحزبي لكل من فتح وحماس، والذي لم يُبقِ طهارة وطنية أو صورة نضالية لأحد!!

انساق “الكل الفلسطيني” خلف التحريض، وغرق الجميع في الوحل وقرقعة السلاح!! للأسف؛ جاءت اللحظة التي حذَّر من قدومها الكثير من العقلاء، حيث وقع الاقتتال الدامي، الذي لم يسلم من خطاياه طرف.

نعم؛ حدث الانقسام البغيض، وتشظَّت الساحة الفلسطينية بين فسطاطين؛ فتح وحماس، وسادت في أجواء هذا التحامل الفصائلي والاصطفاف الحزبي مشاعر التشفي والكراهية، حيث غاب صوت العقل والحكمة. ومنذ يونيو 2007 وحتى اليوم، ونحن جراحنا مفتوحة ننزف دماً، وقضيتنا وهيبتنا الوطنية ورمزيتنا الأممية تشهد تراجعاً، وندفع لغباء ما جرى، وما هو قائم من انقسام أكلافاً غالية.

كنا ننتظر بعد نكبة الانقسام تلك أن يتحرك الرئيس “كبير العائلة” لجبر الضرر ولملمة الصف بإعادة الأمور إلى نصابها، ولكنه – للأسف – تعامل مع ما جرى وكأنه “طوشة” ومظلمة لحقت بقبيلته!! فأخذته رغبات الانتقام، بعيداً عما كانت تتطلبه تلك “المحنة الوطنية” من حكمة في التصرف واتزان في القرارات.

استمر الرئيس في حملته بإصدار “المراسيم الرئاسية” وإجراءاته العقابية لحركة حماس وحكومتها بطريقة لا توحي بأننا سنلتقي ونتغافر، بل سارت الأمور باتجاه “أن لا تلاقيا”!! وكان قراره لموظفي السلطة بترك مواقعهم الحكومية والجلوس في منازلهم!! ربما كان هذا “المرسوم الرئاسي” هو الأشد تدميراً للحالة السياسية الفلسطينية، والذي أدي حقيقة إلى حدوث شرخ كبير وتصدعات لم نتشافَ منها حتى اللحظة.

بعد شهرين من تلك الأحداث المأساوية، اتصلت بالأخ محمد دحلان، بهدف المراجعة والعتاب حول ما جرى، حيث قام البعض بتحميله مسئولية كل ما وقع من أحداث مأسوية، وأشاعوا أنه كان العقل المدبر وراء الكارثة!!

كان الرجل من جانبه هو الآخر له أيضاً ما يعاتبنا عليه، حيث كان اعتقاده أننا استدرجنا بالشائعات والتقارير الخادعة، وأننا انسقنا خلف تحريض وروايات لا أساس لها من الصحة، وأنه كان وقت وقوع الأحداث المأساوية خارج البلاد للعلاج في ألمانيا. كان الحزن بادياً في كلماته؛ لأن الكارثة لم تترك أحداً معافىً من عقابيلها، وأنه مطلوب من الجميع بذل الكثير من الجهود لاستعادة تماسك الحالة الوطنية.

ومع مرور السنين، ونبش الكثير من الملفات، وسماع العديد من الشهادات، يبدو أن الرجل كان – فعلاً – بعيداً عن تفاصيل كل ما جرى، ولعل التقرير الذي صدر عن لجنة التحقيق التي شكلتها السلطة قد أكد براءته كذلك.

لن أقول إن محمد دحلان تغير أو تغيرت قناعاته بين ليلة وضحاها، ولكن حجم الكارثة واتساع الجرح قد أحدثت هزة كبيرة فيه، وأنضجت وعيه بأهمية الشراكة السياسية والتوافق الوطني، وأن الخلاص لن يتأتى مع حالة التشرذم القائمة، فإما أن نتجاوز ما بيننا من خلافات ونتفاهم على قواسم مشتركة، وإلا فلن يتبقى لنا وحدة نطلبها أو وطناً نبكي عليه.

رأب الصدع: محاولات ومواقف وتساؤلات

لم يبق أحد إلا وحاول أن يدخل على خط المصالحة، ولكن الجهود كانت – للأسف – تصطدم برفض الرئيس أبو مازن أو باشتراطات كانت حركة حماس ترفضها غالباً. لم تفقد حركة حماس الأمل برؤية ضوء المصالحة في نهاية نفق الانقسام، وظلت تعمل بفلسفة “لاحق العيَّار لباب الدار”، لعل وعسى!!

التقيت دحلان في القاهرة بعد الاجتماع الشهير لفصائل “الكل الفلسطيني” في مايو 2011، حيث تمَّ توقيع اتفاق المصالحة، وكنت متفائلاً جداً بأننا أخيراً تصالحنا. وفيما نحن ندردش على الغداء في بيته، قال لي: يا أخ أحمد.. إنهما يتكاذبان، والرئيس لا يريد مصالحة، وستثبت لك الأيام صدق توقعاتي.

في ذلك اليوم، قلت في نفسي: إن الرجل خارج اللعبة، ومتوقع أن يكون موقفه تشاؤمي. ولكن الذي لم أضعه في الحسبان، أن دحلان له شبكة علاقات قوية على مستويات حركية ورسمية، وبالتالي لديه من المعلومات والمعطيات السياسية ما يجعله قادراً على الحكم وقراءة ما لم أستطع عليه صبرا، ألا وهو استمرار الانقسام وإضاعة الفرص التي تلوح من حين لآخر.

لم يمض وقت طويل حتى “عادت حليمة لعادتها القديمة”، وأخذت أجواء التشاحن والبغضاء تتعالى وتائرها، حيث لم يترك طرفاً نقيصة واتهاماً إلا ووجهه للطرف الآخر!!

ومع مجيء الرئيس السياسي وخروج الإخوان من مشهد الحكم والسياسة، توترت علاقاتنا بمصر، وأصبحنا عرضة لحرب إعلامية ضروس أضرت بصورتنا النضالية ووضعتنا في دائرة الاستهداف والقطيعة مع مصر، بحيث توقفت الاتصالات وأغلق المعبر، وبدا أن حالتنا السياسية مرشحة للكثير من الانهيار.

جاءت الحرب العدوانية على قطاع غزة في 8 يوليو 2014، وشعرنا أننا وحدنا في الميدان، والرئيس أبو مازن من خلال وفده المشترك مع حركة حماس لم يأتينا بأي إنجاز من المفاوضات في القاهرة غير وقف إطلاق النار، وشعرنا بأننا ضحية لحالة من التآمر، فضاعت التضحيات الكبيرة لأطول مواجهة عسكرية خاضها شعبنا ومقاومتنا مع الاحتلال.

بعد أن هدأت الأمور، بدأت حركة حماس تعاود علاقاتها مع مصر، وأخذ دحلان يظهر في المشهد بلقاءات يجريها رفيق دربه سمير المشهراوي بوفود حركة حماس في القاهرة.

لعبت هذه اللقاءات دوراً في تخفيف درجة الخصومة والعداء السياسي بين الطرفين، حيث شعر كل واحد منهما أنه مستهدف من رئيس السلطة ومن الجوقة التي تمثل بطانة الرئيس. في أجواء كهذه تصحو فطنة الإنسان، ويبدأ التفكير في التحالفات التي تخرجه من حبل المشنقة، وتمنحه السبيل إلى “حبل الناس” مع ما يعتقد أنه “حبل من الله”.

جدل كثير أثير حول سرِّ هذه العلاقة بين حماس ودحلان، وتساؤلات طرحها البعض في الطرفين فيما يخص مغزى هذا التلاقي والعناق!!

ولأن السياسة لا تعرف خصومات دائمة، فإن المصلحة اقتضت مثل هذا التفاهم والمصالحة، هذا من ناحية. ومن جهة أخرى، فإن قيادات الطرفين قد بلغت درجة من النضج السياسي، وأن بإمكانهما التحالف مع “خصم الأمس” لاستنقاذ الحالة الوطنية، وإخراجها من أوجاع “المحنة والانقسام” التي طالت الجميع، وأطاحت بالجمل وما حمل.

مع الرئيس أبو مازن: اللقاء في إستانبول

كانت لجنة المصالحة الوطنية، التي تضم شخصيات قيادية من “الكل الفلسطيني”، تعقد لقاءً لها في إستانبول بتاريخ 22 يوليو 2011، وقد علمنا أن الرئيس (أبو مازن) متواجد في المدينة، وأن بإمكاننا اللقاء به. وجدتها فرصة أن نعرض على الرئيس مبادرة تخرجنا من وضعية المراوحة في المكان، ولحلحة الأمور باتجاه المصالحة، فاتصلت بالسفير “أبو رامي”، الذي كنت قد تعرفت عليه خلال زياراتي لتركيا، بهدف ترتيب لقاء لنا مع الأخ الرئيس أبو مازن، وكذلك بالأخ خالد مشعل في دمشق، وأخبرته بالأمر، فأبدى استعداده للقدوم واللقاء بالرئيس إذا كان الأمر متاحاً.. استقبلنا الرئيس مشكوراً بالفندق الذي كان ينزل فيه، وتحدثنا حوالي الساعة، حيث عرضت عليه أن أطلب الأخ خالد بالهاتف للتحدث معه، ولكنه لم يكن متشجعاً لذلك، وعرضت بعض الأفكار لتحريك الأمور، وإمكانية أن نأتي بالأخ خالد إلى إستانبول للقاء به في اليوم التالي، ولكنه تعذر لدواعي السفر، وقال لي: يمكنك التواصل مع صائب في هذا الأمر. في الحقيقة، لاحظت بعد حديث الساعة معه بأنه غير معني، ويبدو أن في رأس الرئيس موالاً آخراً.

لم أشعر أمانة في ذلك اللقاء بأن الرئيس كان متحمساً وحريصاً على المصالحة، وهو بحديثه عنها كان يُظهر ما لا يُبطن، حيث إن واقع الفعل كان هو التهرب من أية التزامات تجاهها أو ما يترتب على تحقيقها من استحقاقات.

الانفتاح على الآخر: دحلان ورقة أم خيار؟

إن تكرار حالات الفشل والإخفاق في تحقيق المصالحة وإنهاء حالة الانقسام، دفعت حركة حماس لتبني مقاربة جديدة تعتمد سياسة البحث عن بدائل وخيارات أخرى يمكنها أن تتحمل معها أعباء الحالة الفلسطينية في قطاع غزة ومنعها من الانهيار، فجاءت فكرة الانفتاح على التيار الإصلاحي في حركة فتح، والذي أخذت العلاقة معه في التحسن بشكل ملحوظ، وتغيرت لغة الخطاب إلى مستويات وطنية أفضل، وصارت هناك مساحات للعمل المشترك لتحسين الأوضاع المعيشية، من خلال ما تقدمه اللجنة الوطنية للتكافل الاجتماعي من مساعدات إنسانية وفق معايير وضوابط غير حزبية.

لا شك أن التصريحات الإيجابية والمبادرات الوطنية التي كان يتقدم بها النائب محمد دحلان كانت مشجعة، ووجهت رسائل لحركة حماس كانت كافية لتلقفها وفتح الطريق باتجاه التعامل معه. وقد تحقق ذلك فعلاً باللقاء الذي جرى بالقاهرة بينه وبين الأخ يحيى السنوار؛ مسئول الحركة في قطاع غزة، وذلك على هامش جولة تفاوضية لوفد أمني من حماس مع قيادة جهاز المخابرات العامة.

كان هذا اللقاء بمثابة “تسونامي”؛ لاعتبارات كثيرة، ولكنه في الحقيقة كان خطوة -على خطورتها – لا بدَّ منها.

الرئيس عباس ودحلان: بين مشهدين

بعد اللقاء “التسونامي” في القاهرة بين دحلان والسنوار، أخذت العلاقة بين الطرفين تتجذر، وتتوسع دائرة التفاهمات والتنسيق بينهما. لقد تبين وبشكل قاطع أن الجهود التي بذلها محمد دحلان مع الجانب المصري كانت وراء ما تحقق من انفراج في العلاقة مع القاهرة، وأن هذا التحسن في مستوى بناء الثقة ساهم في عودة الجهود المصرية لتسلم زمام المبادرة في ملف المصالحة الفلسطينية.

كان اللافت للنظر في بانوراما هذا المشهد هو ذلك الحجم من الهجوم على دحلان والتيار الإصلاحي في إعلام السلطة، وعلى ألسنة العديد من رجالاتها، ومحاولة البعض وضع حركة حماس أمام معادلة “إما نحن أو دحلان”؟!، في المقابل، كان دحلان يعبر في تصريحاته أنه لن يكون حجر عثرة في وجه العلاقة بين السلطة وحماس، ويدعم قيادة حماس أن تمضي قدماً في علاقاتها مع الرئيس أبو مازن؛ لأن الهدف هو إنهاء الانقسام.

لقد تبين لنا أن كل ما تعرض له قطاع غزة من حصار وتضييق وتوتر في العلاقة مع مصر، كان يقف خلفه وبدرجة كبيرة الرئيس (أبو مازن) وليس محمد دحلان. ففي حين كان الأول، وعبر أجهزته الأمنية، يقوم بعملية التحريض على حركة حماس وتشويه صورتها، بهدف تشديد قبضة الحصار على قطاع غزة، من خلال الإبقاء على “معبر رفح”، الذي يمثل المتنفس الوحيد وشريان الحياة لأهالي قطاع غزة، دائم الإغلاق، تحت ذرائع وحجج واهية!! كان الآخر؛ أي محمد دحلان، يسعى مع الجانب المصري لفتح المعبر، بل وحتى توسعته، للتسريع في الإجراءات والتخفيف من المعاناة التي كان يلقاها المسافرون في الذهاب والإياب، وقد كان صاحب فضل في توفير مبلغ مالي كبير من دولة الإمارات بغية تحقيق هذا الهدف.

وما بين محاولات دحلان لإيجاد فضاءات مريحة لأهالي قطاع غزة، ظلت مساعي السلطة والرئيس أبو مازن هي في استمرار الضغط على القطاع، لتركيع حركة حماس وشلّ ِمرافق الحياة العامة، أملاً بأن “حالة الاحتضار” والموت البطيء، جراء هذه السياسة التعسفية اللاإنسانية واللاوطنية، التي تنتهجها حكومة رام الله بتوجيهات من الرئيس، ستدفع الشارع الغزي للثورة والانفجار في وجه سلطة حركة حماس!!

إذا حاولنا قراءة هذا المشهد بشكل عادلٍ ومنصف، فسوف نفهم ونتفهم لماذا يحدث هذا التحول الكبير في ولاءات الشارع الفلسطيني، وخاصة بين الشباب في قطاع غزة، باتجاه النائب محمد دحلان، حتى الإسلاميين بدأت تتغير نظرتهم للرجل وصار يحظى بينهم بالقبول. ولعل هذا التوسع والانتشار الملحوظ للتيار الإصلاحي الذي يقوده، وخصوصاً في أوساط الشباب والمرأة، يحمل أكثر من مؤشرٍ مستقبلي بأن هذا التيار يوشك أن يكون هو التمثيل الحقيقي لحركة فتح بعنوانها التاريخي والعرفاتي المجيد.

وإذا نظرنا للزاوية الأخرى من المشهد، فسوف نجد رئيساً يعاقب شعبه بإجراءات تمس حياتهم المعيشية، وتهز – بلا مبالاة – أركان صمودهم في وجه الاحتلال، وسلطة لا تقدم لهم سبباً مقنعاً لاستمرار تمسكهم بها، حيث أضعفت مقدراتهم الوطنية بتساوقها مع سياسات نتانياهو تجاه حصار قطاع غزة، وتنسيقها الأمني مع الاحتلال بالدرجة التي تضعها في دائرة الاتهام وطنياً .

وهناك ملاحظة أخرى على مشهد الرئيس ودحلان، وهي أن الأول أطلق يد وألسنة الملا من حوله، وخاصة بعض “الزنادقة المعمَّمين” والحاقدين من السياسيين، لتقوم بحملات إعلامية مركزة لشيطنة حركة حماس والمقاومة الفلسطينية، حيث زعمت بأن معركتها لتحرير القدس تبدأ بالإطاحة بحركة حماس وشطب ذراعها المقاوم!! ودعمت سياسات الرئيس العقابية تجاه “الكل الفلسطيني” في قطاع غزة!! واشترطت “التمكين الكامل” لما هو فوق الأرض ما تحت الثرى!! والمضحك المبكي، أن كل هؤلاء المتبجحين لا يستطيع الواحد منهم التنقل أو مغادرة مربع المقاطعة في رام الله، إلا بترخيص من سلطة الاحتلال!!

في الزاوية الثانية للمشهد؛ هناك دحلان الذي أبدى تعاطفه الكبير مع قطاع غزة، وتحرك ليوفر الدعم للمحتاجين، وانشغل بالهمِّ الإغاثي والإنساني لأهالي القطاع، ودعم الكثير من المشاريع التي تخص الشباب والمرأة عبر اللجنة الوطنية الإسلامية للتنمية والتكافل الاجتماعي، والتي غدت تقدم شهرياً حوالي 15 مليون دولار كمساعدات إنسانية يتم جمعها من أكثر من دولة خليجية، وعلى رأسها دولة الإمارات.

وعليه، فإن المشهد الحقيقي لحركة فتح بتاريخها النضالي يتجلى اليوم فيما يقوم به التيار الإصلاحي الأكثر تأطيراً ونضالية من خلال لجنة التكافل، والذي أوشك بحضوره الواسع، وتنظيمه الآخذ بالتمدد في أوساط الشباب والمرأة، أن يكون هو العنوان الحقيقي لحركة فتح، وللروح النضالية التي كان يجسدها الشهيد ياسر عرفات (رحمه الله).

إن إطلالة منصفة في المشهدين، تعطيك جواباً لا يختلف عليه اثنان، وهو أن سلطة بهذا الضعف والغياب، والتهرب من التزامات المشروع الوطني، لن تلقى قبولاً شعبياً؛ لا في الضفة الغربية ولا في قطاع غزة، وإذا ما جرت انتخابات حرة ونزيهة وبمراقبة دولية فلن يحظى من هم في مشهد التمثيل لها أي قبول لدى الشارع الفلسطيني.

صحيحٌ، أن الساحة الفلسطينية مثقلة بحالة من الإحباط، وتشعر بالقرف تجاه كل الوجوه التي تتصدر مشهد الحكم والسياسة؛ سواءً في الضفة الغربية أو قطاع غزة، إلا أن نعيش جيلاً من الشباب يتململ، ويحاول أن يتلمس طريقه باتجاه الخلاص الوطني، وإذا ما كان الخيار لهذا الجيل الشبابي، الذي يمثل حالياً “الأغلبية الصامتة”، فإن أصواته ستذهب – كما انتماءاته – لمن يمد له يد العون ويتفقد مأساته، ويحاول إخراجه من وطأة ظروفه الكارثية الصعبة، وأنا اليوم كشابٍ يهيم على وجهه فقراً وبلا مستقبل لو خُيِّرت في أي انتخابات قادمة ما بين أبو مازن أو دحلان، فإن الخيار سيكون – وبلا تردد – لصالح لدحلان.

اللغز: لم أسلم من حجارة أحد!!

كتبت الكثير من المقالات والتغريدات بروح وطنية تتسامى على الجراح، وكنت اتهم حينها بأنني أغرد خارج السرب؛ لأنني آثرت إمساك عصا الوطن من المنتصف، والحفاظ على لغة سياسية لا يمكن فهمها في السياق الوطني إلا أنها “أخلاقية وغير حزبية بامتياز”، حيث تناولت فيها ما للرئيس وما عليه، ولم أجامل أحداً أو أنافقه، وبالمثل فعلت مع النائب محمد دحلان. إضافة لذلك، كانت رؤيتي النقدية حتى للتيار الإسلامي الذي التزم معه تنظيمياً؛ باعتبار أن سقف الوطن هو مسطرة القياس للمواقف والسياسات، وكان يدفعني إضافة لذلك تربيتنا الدينية بألا يكون أحدنا إمَّعة، وأن نجهر بالقول، وألا نقول غير الحق، وحتى “فرعون”؛ الطاغية المستبد، فإن علينا أن نطرق بابه بالقول اللين، كما أن علينا الالتزام بالأخلاق النبوية والنهج الرسالي، من حيث إنزال الناس منازلهم، وأن نتوخاهم بالنصيحة والقول الحسن.

إن تجربتي الطويلة في الغربة ومعرفة الناس؛ علمتني أن يكون الحب “هوناً ما”، وأن تكون البغضاء كذلك؛ لأن المعايير قد تتغير، ولا ينفع –حينئذ – ولات حين مندم.

وللحديث بقية..

المصدر: موقع وكالة سما الأخبارية

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

هآرتس: في الجيش الإسرائيلي يتخوفون من تضييع فرصة تحقيق تسوية في القطاع

عاموس هرئيل – مراسل عسكري اسرائيلي/ بعد مرور شهر على جولة التصعيد الأخير في قطاع …

هآرتس: حماسة ترامب المستجدة لإجراء اتصالات مع إيران تضيء ضوءاً أحمر في إسرائيل

أمير تيفون وعاموس هرئيل – مراسلان عسكريان اسرائيليان/ هذا الأسبوع، أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب …

بيني غانتس

غانتس: “أزرق أبيض” سيدرس اقتراح منح عفو رئاسي لنتنياهو

حمّل رئيس تحالف “أزرق أبيض” عضو الكنيست بني غانتس رئيس الحكومة وزعيم الليكود بنيامين نتنياهو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.