الرئيسية / دراسات / لاهوت التحرير: مبادئه، ومدارسه، وما بقي منه

لاهوت التحرير: مبادئه، ومدارسه، وما بقي منه

بقلم: عقيل سعيد محفوض* —

مَثَّلَ لاهوتُ التحرير أحدَ الموضوعات البارزة في سياسات أمريكا اللاتينيّة وفي الدراسات المتمحورة حولها، في فترة الستينيّات من القرن العشرين وحتى نهاية الحرب الباردة، وذلك إلى جانب موضوعاتٍ أخرى مثل “التنمية المستقلّة” و”حركات التحرّر الوطنيّ” و”اليسار الأمريكيّ اللاتينيّ.” وقد برزتْ مقولاتُ لاهوت التحرير فيما بعد في أفريقيا وآسيا، بل في أوروبا وأمريكا الشماليّة كذلك، واحتلّت مقامًا مهمًّا في التفاعلات الثقافيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة وغيرها.

لا تنفصل مقولاتُ لاهوت التحرير عن مقولات “لاهوت التنمية” و”لاهوت الديمقراطيّة” وحتى “لاهوت النفط” و”لاهوت CIA” و”لاهوت السوق” وغيرها، لكونها تشتغل في فضاءٍ معرفيّ ودلاليّ وسياسيّ متداخل. إلّا أنّ هذا النصّ سوف يركّز على لاهوت التحرير من حيث دلالاتُه وانتشارُه في الهوامش أو الأطراف بالمعنى السياسيّ الدوليّ. كما سيتطرّق إلى نوعيّة لاهوت التحرير اليوم، وماذا تبقّى منه.
للدين دورٌ تاريخيٌّ في تثوير الناس وتحريرهم، وفي محاربة الاضطهاد والتسلّط والاحتلال. ولكنْ كان له دورٌ مماثلٌ في إقامة كلّ ذلك أيضًا وتبريرِه. ثمّ إنّ فيه شيئًا غيرَ قابلٍ للتحديد من حيث قدرتُه على إعادة إنتاج نفسه، وعلى استحضارِ قواه الروحيّة والميتافيزيقيّة وقدرته على الفعل.

حاول لاهوتُ التحرير أن يكون الدينُ أحدَ عوامل التنوير والخلاص من التسلّط داخل المجتمع والدولة، وأن تكون الدولةُ مستقلّةً (ما أمكن) عن نظام الهيمنة العالميّة. لكن الأخيرة طوّرتْ ديناميّاتٍ للسيطرة على ذلك اللاهوت واحتوائه. كما أخفقتْ تجاربُه ونظمُ الحكم والحركاتُ السياسيّةُ والاجتماعيّة في الدول التي نهض فيها.

أولًا: في المقاربة
الحديث عن لاهوت التحرير يقع في بحرٍ من الاختلالات: في مداركه، وفي تعريفاته، وفي قراءة تجاربه ــ سواء من منظور فواعل الصراع الدوليّ آنذاك، أو من منظور علوم الدين والسياسة والاجتماع وغيرها، وذلك من أمريكا اللاتينيّة إلى وسط أفريقيا وجنوبها وآسيا وحتى أمريكا الشماليّة وأوروبا.

ولعلّ أبرزَ تحدٍّ أمام المشتغِل في الموضوع هو أنّ عليه أن يتدبّرَ السبلَ المناسبة للتعرّف إلى ظاهرةٍ سابقة، أيْ في النصف الثاني من القرن العشرين أساسًا،[1] وشهدتْ تراجعًا كبيرًا في أعقاب الانهيار السوفييتيّ وبروز الأحاديّة القطبيّة وسياساتِ العولمة. وهي أيضًا ظاهرةٌ بعيدة، بمعنى أنها نشأتْ في أمريكا اللاتينيّة، البعيدةِ نسبيًّا عن المنطقة العربيّة والشرق الأوسط.

تفاوتتْ قابليّةُ تلقّي خطاب لاهوت التحرير بحسب الظروف الاجتماعيّة والسياسيّة وتجاذباتِ القوى في كلّ بلد. وقد تعرّض لكثيرٍ من التعتيم والعداء، وبخاصّةٍ من قِبل فواعل الهيمنة العالميّة، وفي مقدّمها الولاياتُ المتّحدة. كما واجه صعوباتٍ كثيرةً على صعيد الاتجاهات المحافظة والمناهضة للتحديث الدينيّ والاجتماعيّ. وعليه، فإنّ الحديث عن لاهوت التحرير لا يتعلّق بصوابيّة الرؤية أو أحقيّتِها، بقدْرِ ما يتعلّق بالظروف الملازمة له، وبالقدرة على تحويل خطابه إلى قوّةٍ في السياسة.

يمكن النظرُ إلى لاهوت التحرير بوصفه:
– محدِّدًا وفاعلًا في السياسة.
– استجابةً دينيّةً لتحدّيات اجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة.
– اجتهادًا في تأويل النصّ الدينيّ والظاهرة الدينيّة، يقوم به رجالُ دين ومثقّفون وناشطون سياسيّون.

عَدّت قوى الهيمنة العالميّة، وخصوصًا الولايات المتّحدة، الدينَ أداةً في الصراعات التي خاضتها في أمريكا اللاتينيّة وفي غيرها. وقد مثّل لاهوتُ التحرير، من منظورها، مصدرَ تهديدٍ يجب احتواؤه، وسعت – في المقابل – إلى أن تجعل الدينَ فرصةً تغتنمها وتوظِّفها ضدّ لاهوت التحرير. وهذا ما فعلتْه من خلال دعم شبكاتٍ دينيّةٍ وكنسيّةٍ في أمريكا اللاتينيّة. وفعلت الأمرَ عينَه في المنطقة العربيّة والشرق الأوسط ومناطقَ أخرى، من خلال دعم منظّمات “إسلاميّة” ضدّ اليسار وحركات التحرّر الوطنيّ؛ وقصةُ إقامتها “الجهاد الأفغانيّ” معروفة، ومثْل ذلك بالنسبة إلى دعمها الشبكات الإسلامويّة في العالم. وهذا يُذكِّر بكلامٍ منسوبٍ إلى عبد العزيز آل سعود: “الدينُ طيْرٌ حرّ، مَن اصطادَه اصطادَ به!”.

ثانيًا: ما هو لاهوت التحرير؟
لاهوت التحرير هو الخطاب والفعل (الاجتماعيّ والثقافيّ والسياسيّ) اللذان برزا، بصورةٍ رئيسة، في أمريكا اللاتينيّة في النصف الثاني من القرن العشرين، وهدفا إلى إحداث تغيير في أوضاع عددٍ من مجتمعات أمريكا اللاتينيّة ودولها. وقد جرى ذلك بالاعتماد على خطابٍ دينيّ يستند إلى مرجعيّاتٍ دينيّةٍ مسيحيّة، وعلى فواعلَ دينيّةٍ مثل: الرهبان، والقساوسة، وشبكات الكنائس والأديرة، والمراكزِ الدينيّة، والجمعيّاتِ المرتبطة بها أو المنبثقة عنها، والتكويناتِ الاجتماعيّة ذات الصلة، وفق المبادئ الرئيسة الآتية:

– وضع التحرير الاجتماعيّ والسياسيّ والاقتصاديّ في مواجهة نُظُم حكمٍ متسلّطة وديكتاتوريّات مخترقة وتابعة وثقيلة الوطأة.
– إقامة دول ذات سيادة فعليّة على مواردها وقرارها وسياساتها، في مواجهة فواعل الهيمنة الدوليّة، وبخاصّةٍ الولايات المتّحدة.
– تحرير الدين من سيطرة الإيديولوجيّات واتجاهات التفكير غير الإنسانيّة. اللافت، في هذا الصدد، وجودُ قساوسة في الولايات المتّحدة “باركوا النابالم،” على حدّ تعبير توماس هانكس.[2] وثمّة قساوسةٌ وكنائسُ دافعوا عن العبوديّة في أفريقيا وأمريكا اللاتينيّة وغيرهما. كما أنّ نظام التمييز العنصريّ في جنوب أفريقيا كان يرى نفسَه “حكومةً دينيّةً (ثيوقراطيّة) مسيحيّة.”[3]

تتقدّم كلمة “لاهوت” على كلمة “التحرير،” وذلك إشارةً إلى البعد الخلاصيّ لتلك الظاهرة، وإلى مرجعيّاتها الثقافيّة والدينيّة، وإنْ كان الجانبُ الدينيّ في كثيرٍ من الأحيان غطاءً لحَراكٍ سياسيّ ذي مطالبَ ودوافعَ اجتماعيّةٍ يمكن أن تظهر في أيّ مجتمعٍ في العالم، بصرف النظر عن هويّته الدينيّة أو مدى تمسُّكه بالشأن الدينيّ.

وسوف تظهر أنماطٌ من “اللاهوت الدينيّ” في مجتمعاتٍ ينتمي أكثرُها إلى الإسلام، كما هو حالُ المنطقة العربيّة والشرق الأوسط. فهنا ظهرتْ مقولاتُ “اليسار الإسلاميّ” و”لاهوت التحرير الإسلاميّ،” ومن أبرز منظّريها الإيرانيّ علي شريعتي والمصريّ حسن حنفي، بالاستناد إلى خطاب المقاومة ضدّ الهيمنة الغربيّة والاحتلال الإسرائيليّ. ومن أبرز فواعلها: حركاتُ المقاومة الإسلاميّة، مثل حزب الله في لبنان والجهاد الإسلاميّ في فلسطين. كما كانت الثورةُ الإسلاميّة في إيران بمثابة عودة الدين إلى عالم السياسة والحكْم من منظور مختلف، بحسب تعبير ميشيل فوكو عند بداية الثورة.

من أبرز منظّري لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينيّة، ثم في أفريقيا وآسيا وغيرها، منذ ستينيّات القرن العشرين، كلٌّ من: غوستافو غوتييريز ميرينو (Gustavo Gutiérrez Merino) من البيرو، وروبيم ألفاس (Rubem Alve) وهوغو آسمان وكارلوس ميستراس (Mestres) وليوناردو وكلودوفيس بوف (Boff) من البرازيل، وجون سوبرينو وإينياسيو إيلاكوريا من السلفادور، وسغوندو غاليليا ورونالدو مونوز (Munoz) وبابلو ريتشارد من التشيلي، وخوسيه ميغيز بونينو (José Míguez Bonino) وخوان كارلوس سكانوني (Scannone) من الأرجنتين، وإنريك دوسيل (Dussel) من المكسيك، وخوان لويس سغوندو من الأوروغواي،[4] وماناس بوثيليزي وديزموند توتو وستيف بيكو (الذي مات تحت التعذيب فداءً لقضيّته) من جنوب أفريقيا، وك. ديكسون من غانا، وإلوارد شورتر من أوغندة، وإينغيلبرت مفنغ من الكاميرون، وميرسي أمبا إودييو (Oduyoye) من نيجيريا، وجون مبيتي من أوغندا، وكازو كيتاموري وكوزوكي كوياما من اليابان.

يرى غوتييريز أنّ البداية الفعليّة للاهوت التحرير كانت خلال انعقاد المؤتمر العامّ الثاني لأسقفيّات أمريكا اللاتينيّة سنة 1968، حيث قُدِّمتْ 16 وثيقةً تعالج موضوعاتِ العدل والسلام والتعليم والشباب والفقر والمشكلات الاجتماعيّة والسياسيّة.[5] ثم تتالت المؤتمراتُ والندوات والوثائقُ الصادرةُ عنها، أو الصادرةُ بصورة منفصلة، ممّا تناول أمورًا أوضح وأعمق.

وفي مرحلةٍ لاحقة ظهرتْ تأثيراتُ اليسار، والثوراتِ الوطنيّة، وحركاتِ التمرّد، وتجاربِ الأحزاب الشيوعيّة. وكان لشخصيّة تشي جيفارا تأثيرٌ كبيرٌ في هذا المجال؛ وكذلك شخصيّة القسّ كاميليو توريس (Torres) من كولومبيا، والأسقف دون هيلدر كمارا (D. Camara) من البرازيل (الملقّب بـ”أسقف الفقراء”)، وهو الذي قال: “احتجاجاتُ الفقراء هي أصواتُ الله.”[6]

قام لاهوتُ التحرير بتحويل الخطاب الدينيّ المقدّس إلى مقولةٍ للحشد والاستقطاب الاجتماعيّ، أيْ إلى مقولة في السياسة والصراع السياسيّ. وهنا برزتْ سجالاتٌ كثيرة عن مدى روحانيّة “لاهوت التحرير” ودينيّته وشرعيّته. ويتعلّق الأمر بالموقف من دخول رجال الدين في المعترك السياسيّ، ومشاركةِ بعضهم في الثورات التي قامت في عدد من بلدان أمريكا اللاتينية، وما إذا كان ذلك يتوافق مع روح الكتاب المقدس ورسالة المسيح. الجدير ذكرُه أنّ الكنيسة عمدتْ إلى طرد عدد كبير من رجال الدين القساوسة والرهبان بزعم خروجهم على نصوص الكتاب المقدس وتقاليد العمل الكنسيّ.

ويمكن الحديثُ عن نمطيْن (أو مستوييْن) رئيسيْن من مقاصد التحرير: تحرير داخل، وتحرير خارج. ومن الملاحَظ أنّهما يرتبطان بالدولة أساسًا، ثمّ بتضامنيّة إقليميّة، ثمّ بدائرةٍ أوسع نطاقًا. كما أنّ لاهوتَ التحرير تأثّر بديناميّات التغلغل والاختراق والهيمنة الخارجيّة أو على مستوى المجتمعات والدول؛ ومن ذلك: “الديناميّات الخفيّة” للكنيسة، وللقوى الاجتماعيّة المحافظة، وأجهزةِ الأمن والاستخبارات لدى نُظم الحكْم التسلطيّة، وتدخّلات الفاتيكان والمخابرات الأمريكيّة.
ومع أنّ لاهوتَ التحرير ظهر أوّلًا في أمريكا اللاتينيّة، فقد أخذ يتطوّر (بالمعنى الثقافيّ والمعرفيّ) في أفريقيا، مع فروقٍ شتّى في الأولويّات والتأويلات بين منطقةٍ أخرى. وقد ثار سجالٌ كبير حول العلاقة مع اليسار والتيّارات الماركسيّة ــ ــ وهي علاقةٌ بدأتْ متوتّرةً لدى الجانبين، لكنها تطوّرتْ إلى أنماطٍ من التداخل في التفكير والفعل، لكون الأهداف متقاربةً، ألا وهي تحريرُ الإنسان من الفقر والظلم.[7] غير أنّ ذلك لم يجعل الأمورَ بينهما ميسّرةً على الدوام، وخصوصًا لأنّ للماركسيّة موقفًا متشدّدًا من الدين، ولأنّ لرجال الدين مواقفَ متشدّدةً من الماركسيّة.
“إنّ الصنميّة، التي تَظنُّ أنّها إيمان، أسوأُ من الإلحاد” (أنطونيو اسكلارين)

وقد لعب الفاتيكان وأجهزةُ الاستخبارات الدوليّة دورًا في احتواء أيّ تطوّرٍ فاعلٍ على هذا الصعيد، و”اتُّهم” قساوسةٌ ورهبانٌ بميولٍ أو ارتباطات ماركسيّة، ولاسيّما أنّ بعض لاهوتيي التحرير قدّموا مقارباتٍ جريئةً على هذا الصعيد. يقول أنطونيو بيريز اسكلارين (A. P. Esclarin)، مثلًا، “إنّ الصنمية – التي تَظنُّ أنّها إيمان – أسوأُ من الإلحاد.” وتحدّث عن “الإله الصنميّ” في وصفه “إلهَ البيض المنتصرين” و”إلهَ المستعمِرِين.” ولذلك يرى “أنّ من الأحسن كثيراً أن تكون ملحدًا من أن تؤمن بمثل هذا الإله!”[8] وثمّة آخرون قبِلوا أن يتحوّل المظلومون والفقراء إلى العنف من أجل تحقيق مطالبهم.

ثالثًا: لاهوتُ الهوامش والأطراف
نجح علمُ اجتماع الأديان، إلى حدٍّ ما، في تفكيك المدارك النمطيّة عن الدين والظاهرة الدينيّة في أوروبا، إلّا أنّه لم يحقّقْ نجاحًا كبيرًا خارج أوروبا. كما أنّ سعي الحداثة في أوروبا إلى تحقيق ما سمّاه مارسيل غوشيه “الخروجَ من الدين” يتطلّب تدقيقًا، إذ إنّ وصفَه المسيحيّةَ بأنّها وحدها من بين الأديان الأخرى “دينُ الخروج من الدين”[9] قد يصحّ في المركز، لا في الأطراف. وهو ما يفسِّر لماذا كانت الظاهرةُ الدينيّة تشهد تراجعًا في أوروبا، بينما يزداد حضورُها خارج أوروبا.

نشأت المسيحيّةُ في المشرق، إلّا أنّ أوروبا أعادت إنتاجَها، دينًا وكنيسةً ونظامًا للقوّة بسِماتٍ أوروبيّة، وأصبحتْ جزءًا من المركزيّة الأوروبيّة أو الغربيّة، وجزءًا من ديناميّات السيطرة على العالم.[10] ولم تستطع، مثلها مثل أمورٍ كثيرةٍ أخرى، أن تتحرّر من تلك المركزيّة، حتى بعد نشوء “مسيحيّاتٍ” وكنائسَ في كثيرٍ من بقاع المعمورة. كما أنّ محاولات إعادة إنتاجها أو مراجعتها أو تفكيكها أو تبيئتها، سواء بالمعنى الدينيّ اللاهوتيّ أو السوسيولوجيّ أو السياسيّ، لم تنجح في تحريرها تمامًا من تأثير تلك المركزيّة وفواعلِها السياسيّة والثقافيّة.

وارتباطًا بكلام غوشيه، يمكن القول إنّ لاهوت التحرير في الأطراف والهوامش حاول الخروجَ عن أنماط اللاهوت المركزيّ الكنسيّ، وتقديمَ اجتهاداتٍ وتأويلاتٍ متفاوتةِ القوّة والعمق. كما أنّه حاول أيضًا قيادةَ مشروع لتحرير المجتمع، بدءًا من تحرير النصّ.

وهكذا فإنّ لاهوت التحرير يبدو أوّلَ لاهوتٍ ينشأ ويتطوّر في الهوامش والأطراف (خارج المركزية الأورو – أميركيّة)، وانطلاقًا من أمورٍ تهمّ هذه الهوامشَ والأطراف، وبالتأسيس على اجتهاداتٍ دينيّةٍ مختلفة. وقد ذهب بعضُ هذه الاجتهادات إلى الدعوة إلى “تطوير علم مسيحيّ يتناسب مع ظروف أمريكا اللاتينيّة،”[11] وإلى “إقامة كنيسة أفريقيّة مستقلّة، مع اهتمام خاصّ بالثقافات المحلّيّة، بمعنى أن يكون الموروثُ الثقافيّ الوطنيّ مكوِّنًا معتبرًا في اللاهوت الأفريقيّ،” وأن تُدمَج الأديانُ والمعتقداتُ المحليّة “ضمن تعاليم الكنيسة الأفريقيّة.”[12] وقد أضاف لاهوتُ التحرير الأفريقيّ، إلى لاهوت التحرير بنسخته الأميركيّة اللاتينية نفسِها، “التحريرَ من الاضطهاد” والتمييزِ العرقيّ والتمييزِ ضدّ الملوَّنين؛[13] ومثل ذلك حاول لاهوتُ التحرير الأسوَد في الولايات المتّحدة أن يفعل.

كان لاهوتيّو تحرير أمريكا اللاتينيّة أكثر تركيزًا على الصراع الاجتماعيّ والطبقيّ والصراع السياسيّ
والحقّ أنّ لاهوتيّي تحرير أفريقيا كانوا الأكثرَ إبداعًا أو اجتهادًا من حيث التفكير والبحث والتبيئة الثقافيّة والجهويّة، في حين كان لاهوتيّو تحرير أمريكا اللاتينيّة أكثرَ تركيزًا على الصراع الاجتماعيّ والطبقيّ والصراع السياسيّ. وأما في آسيا فقد كان الوضع مختلفًا لأنّ نسبة المسيحيين قليلة وقد لا تتجاوز 3% من السكّان؛ ومع ذلك فقد برزتْ لديهم اجتهاداتٌ في اللاهوت تتحدّث عن تحرير المزارعين والفلّاحين.[14]

بعضُ مقاربات لاهوت التحرير اعتبرت الرأسماليّةَ “شكلًا من أشكال الوثنيّة.” وقد ورد ذلك، وللمرّة الأولى، في دراسةٍ نُشرتْ سنة 1980 بعنوان “نضال الأرباب: أوثانُ القهر والبحثُ عن الإله المحرِّر،” وهي من إعداد قسم الأبحاث المسكونيّة، التابع لِسان خوسيه في كوستاريكا. أعدّ الدراسة خمسةُ كتّاب، هم: هوغو آسمان، وفرانز هينكيلامار، وجورج بيكسلي، وبابلو ريتشارد، وجون سوبرينو. ويتعلّق الأمر بـ”قطيعة جذريّة مع التراث المحافظ والرجعيّ للكنيسة،” وبالتقريب الشديد بين رؤية الكنيسة والرؤى الماركسيّة.[15] كما أصدر آسمان وهينكيلامار كتابًا بعنوان وثنيّة السوق: أبحاث في الاقتصاد واللاهوت (1989)، تضمّن نقدًا لاهوتيًّا معمّقًا للرأسماليّة باعتبارها “دينًا زائفًا،” ونقدًا للمحافظين الجدد في الولايات المتّحدة ولحديثهم عن “مسيحيّة السوق،” وكذلك نقدًا البنك الدوليّ، ولكلِّ مَن يحذّر من “لاهوتٍ أضحويٍّ متعسّف.”

وفي مطلع التسعينيّات من القرن العشرين أخذتْ موضوعاتُ لاهوت التحرير في الاتساع لتشمل البيئةَ، والأمراضَ، والكوارثَ، والمخاطرَ الملازمة لتراكم الثروات في المراكز العالميّة، واستغلالَ الطبقات العاملة، ونهبَ الموارد، والهجرات الدوليّة.

رابعًا: أيُّ لاهوت تحرير في عالم اليوم؟
على الرغم من أنّ الدين والظاهرة الدينيّة عادا بقوّة إلى العالم،[16] فإنّهما يقعان تحت تأثير ديناميّات العولمة، المسيطَرِ عليها غربيًّا وأمريكيًّا. بل إنّ فواعل الهيمنة العالميّة تحاول إجهاضَ أيّ قابليّة ممكنة للاتجاه نحو التحرير أو التحرّر.

يواصل عدد من رجال الدين من أمريكا اللاتينيّة وغيرها، من المحسوبين على خطّ لاهوت التحرير، مناهضةَ الليبراليّة الاقتصاديّة المتوحّشة، ومحاربةَ سيطرةِ النزعات اليمينيّة المتطرّفة على المجتمعات والسياسات العامّة. كما أنهم يواصلون دعمَهم للحركات الاحتجاجيّة في عدد من دول المنطقة، مثل: حركة زاباتا في المكسيك، والحركات الاجتماعيّة اليساريّة في البرازيل ودول أمريكا اللاتينيّة الأخرى. لكنْ ثمّة، في المقابل، نشاطٌ متزايدٌ لـ”لاهوتٍ” آخر، مناهضٍ للاهوت التحرير أو لنُظُم الحكم اليساريّة والوطنيّة في عدد من دول أمريكا اللاتينيّة مثل نيكاراغوا. فمثلًا، اشتكى رئيسُ نيكاراغوا السابق، وقائدُ الثورة الساندينيّة، دانييل أورتيغا، من دور الكنيسة المؤيّد للمعارضة اليمينيّة المدعومة أمريكيًّا. كما أنّ الكنيسة تقوم بدعم الحركة المعارضة لنظام الرئيس مادورو في فنزويلّا.

قد يكون لاهوتُ التحرير ذو السّمة السياسيّة المباشرة أقلّ بروزًا في موطنه الأصليّ. ويعود ذلك إلى عوامل كثيرة، منها: التغيّراتُ العالميّة والعولميّة الكبرى، وإخفاقُ السياسات العامّة، والفسادُ. لكنْ ثمة، في المقابل، توسّعٌ في طيف الموضوعات والقضايا التي أخذ هذا اللاهوتُ يتناولها، من قبيل: الجندرة (الجنوسة)، وحقوق الجماعات الإثنيّة والسكّان الأصليين، والتنوّع الثقافيّ، والتعدديّة الدينيّة، والبيئة. ويرى لاهوتُ التحرير الراهن أنّ “المسألة المحوريّة المطروحة اليوم في أمريكا اللاتينيّة ليست الإلحاد، وإنّما عبادة الآلهة المزيّفة لنظام الاستغلال… [هذا النظام] يخلق آلهةً وأوثانًا تضفي قدسيّةً على الاضطهاد، وتناصب الحياةَ العداءَ…. فالإيمان بالله المحرِّر، ذلك الذي يكشف عن سرّه في نضالات الفقراء ضدّ القهر، هو ما يكتمل بشكلٍ حاسمٍ بنفيِ الآلهة الزائفة…”[17]

خامسًا: ماذا بقي من لاهوت التحرير؟
على أهل الوطنيّة واليسار واللاهوت الوطنيّ أو لاهوت التحرير أن يأخذوا في الاعتبار “آفاقَ المعنى والقوّة” التي تخلقها ديناميّاتُ الاختراق العولميّ (الأمريكيّ على نحو خاصّ)، وديناميّاتُ تلقّيها داخل الدول المعنيّة. كما أنّ عليهم دراسةَ دور الكنيسة في معارضة أنظمة الحكم اليساريّة، كما يجري في نيكاراغوا وفنزويلّا، ودورِ القطاع الدينيّ عمومًا في دعم الحركات اليمينيّة في البرازيل والأرجنتين وغيرهما.
وتمثّل تجربةُ “الجهاد الأفغانيّ،” والدعمُ الغربيّ للحركات الجهاديّة الإسلامويّة في سوريّة والعراق منذ العام 2011 وقبل ذلك، موضوعًا لازمًا للتدقيق والتقصّي. والأهمّ بالنسبة إلى الدراسين اليوم هو العملُ على تحرير مقولات “لاهوت التحرير” من نمطيّتها، وتحريرها من استباحة أمريكا للدين واستخدامه من أجل إعادة إنتاج هيمنتها على العالم.

*باحث وأكاديمي سوري مقيم في دمشق.

[1] ثمّة اهتمامات قبل ذلك. انظرْ مثلًا: حيدر إبراهيم علي، الدين والثورة، لاهوت التحرير في العالم الثالث (الخرطوم: مركز الدراسات السودانيّة، 1999)، ص 41 وما بعد.
[2] المصدر نفسه، ص 116.
[3] المصدر نفسه، ص 124.
[4] ميكائيل لوفي، “لاهوت التحرير والوثنيّات الجديدة،” ترجمة: عزالدين عناية، أنفاس نت، 22 /12/2016.
[5] Gustavo Gutiérrez (ed.), The Theology of Liberation (New York: Orbis Books 1986), p. 26.
[6] Dean William Ferm, Third World Liberation Theologies (New York: Orbis Books, 1987), p. 12-14.
وانظر: حيدر إبراهيم علي، الدين والثورة، ص 51.
[7] انظر وقارن: المصدر نفسه، ص 8.
[8] المصدر نفسه، ص 117.
[9] انظر، مارسيل غوشيه، الدين في الديمقراطية، ترجمة: شفيق محسن (بيروت: المنظّمة العربيّة للترجمة، 2007)، ص 23.
[10] المصدر نفسه، ص39. وللمقارنة، انظرْ: منير العكش، أمريكا والإبادات الثقافيّة: لعنة كنعان الإنكليزيّة (بيروت: دار الريّس، 2009)، ونعوم تشومسكي، الغزو مستمرٌّ، ترجمة: مي النبهان (دمشق: دار المدى، 2016).
[11] حيدر ابراهيم علي، الدين والثورة، ص 81.
[12] John Mbiti, African Religions and Philosophy (London: Heinemann Educational Book Ltd., and Edinburgh: Morrison and Gibb Ltd., 1969)
ورد في: جون مبيتي، “دراسات في ثقافاتنا الأفريقيّة، مقدمة الكتاب،” أركاماني مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السودانيّة، 15/3/2017
https://kosharkamani.blogspot.com/2017/03/blog-post_17.html
[13] انظر مثلًا: الأب وليم سيدهُم، لاهوت التحرير في أفريقيا: ديزموند توتو واللاهوت الأسود(بيروت: دار المشرق، 1997).
[14] انظر مثلًا:
[15] ميكائيل لوفي، الأب وليم سيدهم، ألُويزيوس بييريس، تعريب بتصرف: الأب وليم سيدهم، (بيروت: دار المشرق، 2001).
[16] نيكولاس آدامز، هابرماس واللاهوت، ترجمة: حمّود حمّود وشهيرة شرف (الرباط: مؤسّسة مؤمنون بلا حدود، 2016).
[17] المصدر: ميكائيل لوفي، مصدر سابق.

المصدر: مجلة الآداب

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

ثورة في عالم العبودية

سام عبدالحميد محمد | امتزجي مثلَ الصهباءِ وكمزج الخمرةِ بالماءِ إنّي شرقيٌ يا امرأةً أيماني …

تراجع ترامب عن توجيه ضربة لإيران لا يعني انتهاء الأزمة

بقلم: عاموس هرئيل – محلل عسكري إسرائيلي — الانعطاف الذي قام به رئيس الولايات المتحدة …

ما هي آفاق المفاوضات الإسرائيلية – اللبنانية بشأن الحدود البحرية؟

أورنا مزراحي وعوديد عيران – باحثان في “معهد أبحاث الأمن القومي” في جامعة تل أبيب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.