الرئيسية / كتب / حَنَّا مينة: بوابةُ العالم المخمليّ
حَنَّا مينة: بوابةُ العالم المخمليّ

حَنَّا مينة: بوابةُ العالم المخمليّ

حَنَّا مينة: رواية “عاهرة و نصف مجنون ” – دار الآداب – 2008 —

قراءة: عنوة فضة —
إنّها , الرّواية , بقلم شيخِها , لذا سيكون لِزاماً على القارئ أن يُهيّئ نفسَه ُلدخول عالمِ اللغة المخمليّ من أوسع أقلامه , وأشدّها بذخاً و ثراء . عليه أن يخلع نعليه, ويتطهّر , ويُنهِض عباءته حرصاً على ذلك القالب الروائي الغارق في الغرابة اللذيذة المتفردة .
عن الفقر , عن الكبت , عن لذة الإنصات التي تستبيح ذهنية طفلة صغيرة , كبرت ونمَتْ , ونما معها حسُّ الغريزة الجنسية تحت وطأة العيش في غرفة واحدة مع أبٍ نَهِمْ – جنسياً – و أمٍّ بائسة , وإخوةٍ يتمددون على أرض الغرفة كل مساء ؛ ببطون خاوية , وآذان مشرعة لما سيحدث بين والد جاهل , وأمّ متمنّعة , حيث تطيب لهم شذرات اللمسات والرعشات , وحتى الشتائم المتبادلة على السرير اليتيم .
رواية تكاد تحمل عرائش من دوالي السيرة الذاتية , بأسلوب أدبي غريب , لكنه محبب . و عبر سرده – حنّا مينة – لسطور ” عاهرة ونصف مجنون ” في صفحات تكاد لا تتجاوز المائة , يحكي قصة الفتاة لورانس شعلول ؛ الفتاة التي تخفي بين شقوق حياتها ألف ألف حكاية , لألف ألف فتاة , ليصف الأديب النشأة الأولى في الفقر الذي لا بدّ للعائلة البائسة منه , فهم عباد الله الذين فرض عليهم الحياة بالصورة التي أرادهم أن يعيشوها , وعليه فتحت عيونهم على مالا يجب أن يروا أو يسمعوا .
غرفةٌ واحدةٌ ,و على نور شمعة لا تسمن و لا تغني عن عتمة المكان , كانوا يبصرون الصوت ؛ صوت الأب النهم , الذي ينام طيلة أيام الأسبوع على عتبة الغرفة , ما خلا الأيام التي يعلن فيها نيته في النوم على السرير الوحيد إلى جانب الأم , ليُوقظ بذلك ما كان مخبوءاً في أماكن لم تلمسها أرواحهم من قبل , ليكون حظ لورانس هو الأسوأ , حيث يكون نصيبها في النوم إلى جانب خاصرة الأم , فتشهد بنفسها على مالا تحبّ نفسها أن تشهد .
و إلى جانب أمها التي تحب , وعلى عكس ما كانت تُكنّه لوالدها ؛ صاحب الغرائز الجياشة ,يتحول الأب أمام ناظري طفلته من رجل إلى حيوان . عقلها الصغير لم يفهم كيف كان ذاك العبث المجنون ينتهي في صبيحة اليوم التالي بكوب قهوة وسيجارة , على الرغم من الاحتدام الجنسي الصارخ الذي كان يحترق على مسامع الأبناء .
شبَّتْ لورانس لتفضح كل الرجال , تريد منهم أن يكفّروا عن ذنب والدها الذي جنّد يدها بلا شعور , لتُشبِع نهمَاً لا يخلص , ظانّةً منه أنها هربت لتنجو , لكن يد الفقر تضعها في يد الصراع مع الحياة , لتعيش لأجل إدمان المتعة مقابل شرف العالم .
تتقاطع حياة لورانس التي تصير كاتبة مشهورة , وصاحبة مركز خاص للسّحاقيات , مع قصة الكاتب فايز غضنفر , ليبدأ هنا حنا مينة في تزكية نفسه , فيما يشبه السيرة الذاتية , فهو المجنون نصف العاقل , الذي تزعم الكاتبة أنها على معرفة قديمة به , تلك المعرفة التي يجده غير لائقة به , بيدَ أنه في النهاية يجد نفسه أنهما فرعان من أصل واحد ؛ غصنان لشجرة واحدة هي الفقر .
هنا يتّضح المغزى الذي اختلق فيه الكاتب شخصية لورانس , حيث أراد أن يكتب جزءاً من ذاته لينجو . صور كثيرة ضمن الرواية تقاطعت مع صور واقعية حقيقية من حياته , عندما عمل حمّالاً و حلاقاً مشرّداً إلى أن سربلته السياسة بأسمالها البالية .
رمزية حياة لورانس شعلول , الكاتبة العاهرة , مع فايز , تُخفي غِلّاً مأفوناً يُحوّر قلم الأديب إلى نصلٍ حادٍّ , فنرى ألمه يخرج و يشتدّ به حتى يدميه بلغةٍ لا يعوز الكاتب الكبير أن يغير من جرأتها التي لم يكن منها بدّ في توظيفها , وكلمات لا يحده حدٌّ , وأمداءٍ من التعابير و الاستعارات الفاخرة .
رواية ” عاهرة ونصف مجنون ” تُغري القارئ لتكون أنيساً لجلساته ؛ تسبر أغوار نفسه , وتخرق حرمة لا شعوره , ليجد نفسه في النهاية وجهاً لوجهٍ مع صورة قديمة ما زالت حية , صورة طبق الأصل لجزءٍ بسيطٍ عاشه الأديب الكبير , حنا مينة .

غنوة فضة روائية سورية.

غنوة فضة

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

هؤلاء هم المرشحون لخلافة جون بولتون

ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” 13 اسماً لمرشحين محتملين لمنصب مستشار الأمن القومي الأميركي خلفاً لجون …

كاتب “ضيعة ضايعة” يرد على ادعاءات حداقي باختراعه لشخصية “أبو شملة”

ردّ الدكتور ممدوح حمادة، كاتب المسلسل الكوميدي الشهير، ضيعة ضايعة، على تصريحات الممثل محمد حداقي، …

فاينانشيل تايمز: بوتين يضع يده على أهم مناجم الفوسفات في سوريا

نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية تقريراً تحت عنوان: “موسكو تحصل على غنائم الحرب من سوريا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.