الرئيسية / كتب / إيزابيل الليندي.. العاشقة الستِّينيَّة
إيزابيل الليندي

إيزابيل الليندي.. العاشقة الستِّينيَّة

بقلم: غنوة فضة* — لا يخفى على كاتبة رواية ” باولا ” أن تُمطرَ قرّاءَها بالحبّ في جميع الفصول , هذا ما تُكرّسهُ مجدداً في روايتهَا “ما وراء الشتاء” الصادرة عن دار الآداب 2018 , ترجمها عن الإسبانية صالح علماني.
و بكلِّ ما يستبيحُ صفحاتها من عُلوٍّ , و ما يضخّهُ قلمها من رِقّةِ , تعودُ الكاتبة التشيلية إيزابيل الليندي ( 1942) إلى أصل الحكاية , وبمنتهى الشفافية , تصفُ لقرائها تفاصيل جلسةٍ عائليةٍ حميمية , في ليلةٍ شتائية تليق بأعياد الميلاد , و بين أبنائها و أقاربها , تتجلى المصادفات لتُطرح عليها فكرة الرواية , و يفصح كلٌّ عن رأيه بالقصة و حبكتها , فتتباين الآراء و الأفكار حتى تختمر الفكرة و تتقاطع التفاصيل في ذهن الكاتبة ذات الشعر الكستنائي , والملامح التي لا تخلو من حدّة و ذكاء , إلى أن تُبصر الرواية النور و تصير على الورق عملاً أدبياً رفيع المستوى .
وَ من خلال العودة لكتاب الكاتب الفرنسي ألبير كامو ” العودة إلى تيبازا ” تقتبس الكاتبة جملةً تكاد تصف فحوى روايتها و هي :
” و وسط الشتاء , أدركتُ أخيراً أنّ في داخلي صيفاً في حالة سُباتٍ شتوي ”
لتنهمر القضايا و القصص عن الحب غير المتوقَّع , عن العنف و الهجرة والخيانة , عن الفقر و الحلم بالسفر إلى أمريكا – أرض الأحلام – و عن الشغف ما بعد الخمسين بعيشِ قصة حبٍّ مستحيلة الحدوث .
تجري أحداث الرواية في بروكلين – نيويورك عام 2016 , وسط عاصفة ثلجية لم تشهد مثلها البلاد قبل خمسين عام , وتتسببَ بحادث سيرٍ يصدم فيه بطل الرواية ” ريتشارد ” سيارة مربية الأطفال الغواتيمالية ” إيفيلن ” ليلجأ لجارته التشيلية الهاربة أيضا من بلادها طلباً للمساعدة في الخروج من تلك الورطة , فيصطدم الثلاثة بوجود جثة لامرأة مقتولة في صندوق السيارة , وتبدأ بعدها أحداث الرواية في رحلة التخبط و الصراع بين مصائر أبطالها , والعودة إلى خلفياتهم الثقافية و الاجتماعية المتباينة , والتي دفعتهم لوصولهم إلى مكان واحد وحّد أقدارهم اللاحقة , بعد أن تولَدَ فرصة حب مباغتة بين ” ريتشارد ” و ” لوثيا ” .
وتتكشف خيوط القصة واحداً تلو الآخر و تتفرد لتوضح جرائم شنيعة متمثلة ببشرٍ يُتاجَرُ بهم , ومهاجرين عالقين في المخيمات على الحدود المكسيكية الأمريكية , وعصابات اتجارٍ بالسلاح و المخدرات لا تتورع عن الذبح و الخطف و التهجير , حتى تتفصل صفحات الرواية (382) بمحاور شخصياتٍ رئيسةٍ ثلاث تبدأ بريتشارد بوماستير , بشخصيةٍ عنوانهَا , الوحدة القاتلة . أستاذٌ جامعيّ من أصل ألماني , مهاجرٌ مع والديه من فرنسا , ليستقر بعدها في بروكلين . يتعرضُ قطهُ الأليف لحادث تسمم جعَلَه مضطراً للخروج وسط العاصفة الجليدية التي تتسبب بحادث سيرٍ , يصدم فيه سيارةَ ” إيفيلن ” الغواتيمالية , فيمنحها بطاقته الخاصة , ويتفاجأ بها بعد ساعات عدة على عتبة بيته , بسيارتها المتضررة و التي يكتشف بها لاحقاً جثةً لامرأة مجهولة .
ريتشارد , الغارق في روتين الاساتذة الجامعيين و كآبتهم المقيتة , وجمودهم وقلة مرونتهم خارج إطار القوانين , يستعين بجارته ” لوثيا ” , وبعد أن حرَّم الحب على نفسه قبل سنين طويلة , يفاجئهُ قلبه خلال رحلة البحث عن المكان المناسب لإخفاء الجثة , بالوقوع غرقاً في حبها , لتبدأ قصة حياته بالتكشف عن مأساة عائلية متمثلةٍ بزوجتهِ البرازيلية المنتحرة ( آنيتا ) والتي كانت حبَّ حياته الجارف , وطفلين متوفَّيين جراء أنانيتهِ و إدمانه الكحوليّ و غرامياته العابرة , و تفيض التفاصيل بقصة حب جنونية مع الراقصة البرازيلية الشهيرة زوجته , والتي انتهت بمأساةٍ كارثية أودت بهِ للهرب و الاستقرار بعيداً في بروكلين , غارقاً وحده بين طلابه ومقالاته وكآبته . لتأتي من بعدهِ شخصية ” لوثيا مارات ” , اسيدة الستينية , والتي لا يخفى على القارئ شبهها الكبير بشخصية الكاتبة التشيلية – الليندي – فهي هاربةٌ من بلدها ( تشيلي ) من حكم الديكتاتور بيونشيه , مثلما نجت إيزابيل الليندي من الانقلاب الذي أطاح بالرئيس سيلفادور الليندي عام 1973.
تعاني لوثيا فقدَ الأب في عمر مبكر , وتكتمل مأساتها و والدتها ” لينا ” باختفاء أخيها إنريكي الناشط السياسي في ظروف سياسية مضطربة , ليبقى هاجس عودته من العدم مرافقاً و الدتها حتى الممات.
تلجأ لوثيا بعد ذلك إلى كندا هرباً من الاضطرابات غير آسفةٍ , رغم حبها الفطري لبلادها , وتبقى هناك سنين طويلة , تعود بعدها إلى تشيلي , حيث تتعرف لمحامٍ ضليعٍ يضطرُّ للزواج منها غير راغبٍ بها بسبب حملها منه , لتعود المأساة بالظهور لمدة عشرين عام , في العيش مع زوج غائبٍ مهمل غير مبالٍ بها , و أبٍ غير قادر على القيام بواجباته , و محاولاتها اللاهثة و العابثة في الوصول على قلبه دون أن تفلح في ذلك ولو لمرة واحدة , إلى أن ينتهي الزواج بالطلاق , بمباركة ابنتهما الوحيدة , بعد أن تصاب لوثيا بالسرطان , فتخرج للحياة بعد الخمسين يائسة بائسة محمّلةً بجرح و وحشة تنهش قلبها بقسوة , فتلجأ إلى بروكلين , وتعمل في التدريس إلى جانب ريتشارد .
أما عن المحور الثالث في الرواية , فهو يدور حول شخصية ” إيفيلن أورتيغا ” , الهاربة من ربوع قريتها ” مونخا بلانخا ” تُهاجر قاصرة ,مصابة بالتلعثم و متسللة عبر الحدود المكسيكية إلى أمريكا بلا أوراق قانونية . يضعها القدر وجهاً لوجه مع ريتشارد و لوثيا , بروحها الطفولية , و جسدها الغض , بلا حولٍ و لا قوة , وعينان صامتتان دامعتان أبداً . يمنحها الاثنان المساعدة و الدعم حتى النهاية , لتكشف الكاتبة خلال ذلك عن الواقع القاسي للمهاجرين و اللاجئين , و عن الصراع داخل شخصياتٍ تحرك الأحداث بلا وعي و لا إرادة , بل بسبب ظروف قاهرة من مثل الفقر و العوز وسوء الأحوال الاجتماعية و السياسية , ليبقى الحب في قلبها متفردا لجدتها ” كونثيبيون ” و التي شهدت بأمّ عينها مقتل حفيديها بأشنع الطرق , و محاولة اغتصاب حفيدتها من قبل عصابات ” المارا ” التي تجوب البلاد تجارةً بالمخدرات و السكان و السلاح , لتعمد الجدة بعد ذلك إلى تهريب حفيدتها خوفاً من الانتقام , و تبدأ الطفلة رحلة الهرب بين الأنهار و الصحاري و الأدغال , إلى أن تُرى عبر الحدود شبه ميتة , فتُنقل إلى مراكز خدمة المهاجرين في أمريكا , على اعتبار أنها قاصرة .
و بعد عملها في أمريكا , تحصل على فرصة العمل كمربية لدى عائلة ذات أصول مشبوهة و علاقات متصلة بمنظمة المافيا , فتجد نفسها في سيارة سيدة المنزل , بجثة غريبة إلى جانب ريتشارد و لوثيا اللذان يعمدان إلى مغامرة الكشف عن خيوط الجريمة .

الخلاصة :
” الحب هو المخلص الوحيد للبشر “.
هكذا تركز الكاتبة في نهاية روايتها , فحُب لوثيا خلص ريتشارد من الوحشة التي تقرض عمره مثل فئران المستنقعات , و حب الجدة خلّص إيفيلن من خطر الموت على يد عصابات المارا , و أما عن لوثيا فحب رجل مثل ريتشارد منحها فرصة أن تكون محبوبة لأول مرة بعد خمسين عام ,ليكون حسن ختام لحياةٍ قنص السرطان عنوانها . دون أن تغفل الكاتبة أن تلمّح عن أن الحب نفسه لم يمنع الحكام و الطغاة من أن يكونوا جلادين , و لم يجعل البشر يكفون عن الاتجار ببعضهم و لم يجعل موظفي الهجرة أكثر تعاطفاً مع أطفال الحدود .
يُذكَر عن المترجم صالح علماني أنه فلسطيني , ولد في سوريا- حمص , وتولى لمدة ربع قر ن مهمة ترجمة الأدب اللاتيني و الإضاءة على أدبائه وكتّابه بجميع أسمائهم وصنوفهم .

*غنوة فضة | روائية سورية.

غنوة فضة

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

عواصف وفيضانات تغلق الطرق في مناطق ضربتها الحرائق بأستراليا

ضربت عواصف رعدية وفيضانات أجزاء من الساحل الشرقي في أستراليا في وقت مبكر يوم السبت …

مسؤول: إيران سترسل الصندوقين الأسودين للطائرة المنكوبة إلى أوكرانيا

(رويترز) – ذكرت وكالة تسنيم للأنباء يوم السبت أن إيران بصدد إرسال الصندوقين الأسودين لطائرة …

قائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر يصل برلين

(رويترز) – قالت قناة ليبيا الحدث التلفزيونية على تويتر إن خليفة حفتر قائد قوات شرق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.