الرئيسية / حوارات / العملية الإبداعية في ترجمة النص: حوار مع أرداج جوكنار

العملية الإبداعية في ترجمة النص: حوار مع أرداج جوكنار

حوار مع المترجم د. أرداج جوكنار أجرته: ماريا ايلياديس — ترجمة: إبراهيم عبدالله العلو —

تحدثت خلال متابعة كتابتي عن ترجمة النصوص التركية مع الدكتور ارداج جوكنار، وهو باحث وشاعر ومترجم لامع حاز جوائز عدة واشتهر بترجمة رواية “اسمي أحمر” لأورهان باموق التي دفعت المؤلف لنيل جائزة نوبل للآداب عام 2006 ورواية “عقل مسالم” لأحمد حمدي تابينار.
أطلق جوكنار الأستاذ المساعد في جامعة ديوك مجموعته الشعرية الأولى “بدويات”، وناقشنا كيف أسهمت خلفية جوكنار المشتتة في أعماله ونهجه في الترجمة كعمل إبداعي والعامل المحدد لتطلعات التحرير في نشر النصوص التركية المترجمة وكان هذا الحوار:

-ماريا: ما الذي دفعك لانتهاج إهتمام رسمي أكبر باللغة التركية؟ لاحظت من خلال تجربتي الشخصية أن الكثير من أفراد الشتات لا يأخذون لغتهم الأم على محمل الجد من الناحية الاحترافية. إنها لغة نتكلمها في المنازل وربما نستمتع بقراءة أدبها ولكن الكثير لا يتطلعون لإحتراف الترجمة أو تدريس لغتهم الأم في الجامعات.

-ارداج: بدأت عبر الكتابة. بدأت بالكتابة مذ كنت في المدرسة الثانوية. وكان لدي إهتمام حقيقي بالتدوين وكتابة شذر نثرية وشعرية متفرقة وأشياء من ذلك القبيل. نلت شهادتي الجامعية الأولى باللغة الإنكليزية من جامعة ميتشيغان وعملت محرراً في نيويورك ورغبت بفعل شيء ما في حقل النشر.
وشعرت برغبة عارمة لفعل ذلك منذ وقت مبكر. ولذلك تقدمت لمنحة ماجستير في الفنون الجميلة في جامعة أوريغون. واعتقد أن تلك التجربة أثرت في كثيراً.
لم أكن مهتماً على الدوام بخلفية أسرتي. وفي الحقيقة كنت أتأرجح بعلاقة حب وكره حيالها. عندما ترعرعت في الغرب الأوسط، وأظن قبل أن امتلك تفهماً شاملاً لتلك الأمور، كان جلّ ما يؤرقني وجود حرف ال ج الصامت في اسمي.(يضحك)عندها ترغب أن يناديك الناس جون أو ما يشبه ذلك.
لم آبه لذلك إلى حين توفر بعض الوقت للتأمل بعد ذلك في نيويورك. كنت أكتب وأدوّن القصص التي رواها والدايّ عن كيفية لقائهما أو الحياة أثناء الحرب العالمية الثانية في تركيا. ولاحظت أنهما يتوخان الحذر في كل القصص التي يحكيانها ويجريان التعديلات اللازمة أثناء القص. ولذلك بدا الناتج قصص مضحكة وغريبة ومجتزأة غابت عنها المشاق والمصاعب والمآسي-التي لم تخلُ أي منها في الواقع- والموت والمرض وما شابه ذلك.
وكشطت بعض تلك التفاصيل لاحقاً عندما كنت في اسطنبول وزرت بعض الأقارب وسألتهم عن قصصهم.
أعتقد أنك محقة. تلك تجربة عامة ترغب بنسيانها واستيعابها. أشعر أنني مررت بتلك الحالة في وقت مبكر ولكن اهتمامي بالكتابة سمح لي بالانعطاف والتوقف والقول “انتظر للحظة. ربما كان ما أحاول إخفاءه ذا أهمية بالغة ولا نريد التخلص من الرضيع مع مياه الغسيل”.
ولذلك قررت: “حسناً. لن أعود كسائح يزور أسرته. دعني أعود كمحترف”.
وهكذا عدت من خلال برنامج “فولبرايت” وكانت لذلك آثار تحولية من مناحي عديدة. أعتقد أن ذلك فاجأ عائلتي قليلاً لأنني لم أسلك ذلك النهج من قبل.
كنت بدأت في حقل التحرير ثم انعطفت 180 درجة. وتبين لي أن ذلك كان بالغ الروعة. ولا أزال في خضم ذلك المعترك. نشرت مؤخراً ديوان شعر يحوي بعض تلك القصص العائلية وبعضها كتب قبل أكثر من 20 سنة. ولدي رواية لم تختتم بعد وإن إستطعت التخفف من بعض المسؤوليات الإدارية والأكاديمية قد أتمكن من إنهائها.

-ماريا: هل لك أن تصحبني عبر أول مشروع ترجمة لك مع المترجمة يوردا نور سلمان؟

-ارداج: لم أنجز مشروعاً كبيراً قبل ذلك. لم أكتب أطروحة أو بحث أو كتاب لذلك كانت فرصتي الأولى لكيفية ضبط إيقاع مشروع ضخم. وعندما أستذكر ذلك اليوم أرى أن ما يهم في ذلك الوقت إيلاء الإهتمام بغنائيتها وشعريتها.
اللغة التركية بتناسقها الصوتي والسجعي لغة موسيقية بامتياز. ولذلك كان لقراءتها بصوت مرتفع وتحويلها إلى تمرين شفهي أثر مهم بالنسبة لي. أعتقد أن ذلك أضاف إليها الحياة وجعلها مهمة وممتعة ولطيفة.
وعندما بدأت بترجمة أورهان باموك بعد ذلك بعدة سنوات كنت أكرر الشيء ذاته ولكنني لم أفعله بنفس الطريقة المنتظمة. كنت أفعل ذلك داخلياً ولكننا نهدئ من العملية قليلاً. كنا نذهب من مصطلح فعلي إلى مصطلح مكتوب ثم نراجع النص سوياً. كانت يوردا نور تقوم بالمسودة ثم أتولى التدقيق ولكل منا مساحته. كانت متعلمة ومثقفة وتمتلك خبرة واسعة في ذلك الحقل وتتمتع بطاقة هائلة. كنت بحاجة للإلهام قبل العمل ولكنها كانت منهجية بطريقة تختلف عني. أنا مساوف بالفطرة لذلك أحتاج لوقت أطول لإنجاز المهام ولكن المهم بالنسبة لي كيف يتعامل أحدهم مع الترجمة كعمل وليس كإلهام. وهي قضية لا أزال أعاني منها إلى اليوم.
كان ذلك نموذجاً. وعندما بدأت “اسمي أحمر” لم يكن لدي مساعد. ولكي أقوم بذلك كان علي حبس نفسي في غرفة. أنجزت النصف الأول في سياتل والنصف الثاني في اسطنبول وقبيل النهاية كنت أعمل لساعات طويلة وأستمتع بعد عمل ساعتين أو أربع. كنت أترجم وأستريح قليلاً ولم أكن انم بما يكفي وربما أترجم حتى الساعة الثالثة صباحا وبذلك تمكنت من إنهائها.
كانت تجربة إبداعية مليئة بالتحديات. أعتقد أن الترجمة بالنسبة لي عمل إبداعي محض. أراها كتابة إبداعية لأنني لا أتمكن من ترجمة الفقرة بنفس الطريقة في كل مرة. وأصورها كرسم لوحة. ولو رغبت بترجمة “اسمي أحمر” اليوم لترجمتها بطريقة مختلفة وكذلك “تانبينار”.
قبل أن أبدأ “اسمي أحمر” تخليت عنه وحتى في ذلك الوقت كان هناك الكثير من الضغط. ولكن عزائي كان في القيام بذلك وحيداً. ثم ترجمت “تانبينار” ولكن تلك الروايات التي تعد 500 صفحة تستهلك سنين من عمرك.(يضحك)

-ماريا: “عقل مسالم” هي من روايات ال500 صفحة.

-أرداج: لقد قتلتني. وغيرت بعض مصطلحاتي قليلاً لأنني رغبت بتيسيرها للقارئ كحال رواية باموك. حاولت تقريبها إلى الأصل بقدر الإمكان. تانيبار كاتب شاعر بعكس أورهان. فهو شاعر ابتداء وجميل وانطباعي. وعندما تترجم له تقول: ستعاني هذه الجملة عند نقلها إلى الإنكليزية. كنت أشعر بذلك. ولكن ما العمل؟
إنها رواية صعبة حتى على القراء الأتراك لأنها أقرب للعثمانية. لذلك بقيت أقرب إلى التركية وتابعت بهذا النهج. ولذلك أبقيت على الكثير من المفردات التركية وتعمدت إجراء بعض الأشياء الطريفة في التراكيب النحوية.
إذا التفتنا إلى الماضي أرى إن كانت الغاية الوصول إلى جمهور عريض عبر رواية فليست تلك هي الطريقة المثلى لفعل ذلك. ولكنني اعتقدت إن ذلك يحقق العدالة لتابينار وأدبه. ويتحتم على القول أن الكثير لم يرقهم ذلك. دعاني البعض مستشرقاً بسبب أعمال باموك والعكس بسبب تابينار. وربما تساءلوا “ما هذه اللغة؟ إنها كثيفة للغاية”.
وأنا أنصت إليهم. نشرت الطبعة ذات الغلاف الرقيق بعد عام من نشر الطبعة ذات الغلاف القاسي. وقمت بإجراء تغييرات طفيفة وجعلها أكثر سلاسة وتقبلاً ولكنها كانت صعبة على أية حال.

– ماريا: كتبت في عام 2003 في “الترجمة كتحوّل” أن “الأدب التركي والشرق أوسطي يقبع في غيتو” في العالم الناطق بالإنكليزية وأن ذلك بدأ يتغير. لا شك أن قراء الإنكليزية يطلعون بشكل متزايد على الآداب من شتى أنحاء العالم ولكنني أرى أن الأدب المترجم يعاني من الخذلان باللغة الإنكليزية. لماذا تعتقد أن الأدب التركي والشرق أوسطي لم يحظَ بالاهتمام الكافي؟

– ارداج: يمكن القول إن الأدب التركي والشرق أوسطي يعاني من تطلعات النشر والتحرير. وإذا كان أحد تلك الأعمال لا يتوافق مع تلك التطلعات فلن يرى النور. ولكننا رأينا في عام 2016 نشر “مادونا في معطف من الفراء” لصباح الدين علي و”فندق الوطن” ليوسف أتيلجان التي نشرتها دار ستي لايتس ومن ثم الرواية العثمانية “فلاتون بيه وراقم أفندي”- كلها نشرت خلال عام واحد. أعتقد أنها تواءمت مع تلك التطلعات مما يثلج الصدر. ولكنني أعتقد إنه من الصعب مطابقة توقعات القارئ مع تطلعات الناشر.

المصدر:
PLOUGHSHARES
AT EMERSON COLLEGE

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

النيوليبراليون يفضلون حكومات سلطوية وليس ديمقراطية

تظهر الجداول التي وضعتها مراكز التفكير المحافظة أن الليبرالية الجديدة تدور حول القوة الاقتصادية وليس …

“كل نساء الرئيس” .. قصص 43 امرأة تحرش بهن ترامب

صدر في الولايات المتحدة كتاب جديد يوثق قصص 43 امرأة يقلن إنهن تعرضن لتحرش جنسي …

“الغارديان”: المرأة اللبنانية تطالب بحقوق جديدة وسط الحراك

بقلم: غايا كارامزا – ترجمة: د. هيثم مزاحم | تناولت الكاتبة غايا كارامزا في مقالة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.