الرئيسية / دراسات / صناعة الإرهاب والتطرف وتشويه الأديان

صناعة الإرهاب والتطرف وتشويه الأديان

بقلم: مالك فلاح العنبر – باحث في العلوم السياسية جامعة أولداغ – تركيا —

ظهرت في السنين الأخيرة الكثير من الحركات والتنظيمات المتطرفة، التي تسعى إلى تشويه صورة الإسلام، وتقوم بأعمال إجرامية ومجازر دموية، ومن ثم تشرع لنفسها ذلك باسم الدين وكأن الدين أصبح غطاءً لمن يريد نشر الفتن وخلق الفوضى.

فقد أصبح المتطرفون والإرهابيون يقومون بجرائم ومجازر وحشية، ومن ثم ينسبون ذلك الى الدين، أي دينً هذا من يحلل سفك دم إنسان ويقتل النساء والأطفال، إن الدين من هؤلاء براء، فالدين لا يروع الآمنين والدين لا يخلق الفتن ولا يرعب الناس، فجميع الاديان تتحدث عن السلم والوفاق والمحبة والأمان بين الناس.

كما أن اختلاف الاديان لا يعني الصراع بينهما بل أن جميع الأديان السماوية تصب في بوتقةً واحدة ألا وهي السلام، قال تعالى: ” لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ “، هذه آية في القرآن الكريم تحمل في مضمون معناها احترام معتقدات الآخرين وبرهم والعيش في وفاق معهم، مالم يمسنا منهم سوء فهذه الآية من وجهة نظري هي محور تعاليم الأديان جميعها،
يحاول المتطرفون تشويه الدين من خلال تلك الأعمال وتنفير الناس من أهل الدين ورجاله الحقيقيون، لقد رأينا ما وقع في سريلانكا من انفجارات استهدفت كنائس وفنادق وقد راح مئات القتلى وعشرات الجرحى جراء هذا العمل الإرهابي الدموي، بأي حق يعتدي على الآمنين والذين هم في دور العبادة قائمين على دينهم.

أن ما حدث في سريلانكا ونيوزيلاندا ما هو إلا فتنة وخلق للفوضى والتقسيمات الدينية والطائفية، وسيرلانكا ليست أول دولة يستهدفها الارهاب والتطرف، أن من قام بتفجيرات سيرلانكا والقائمون على اعمال الإرهاب وخلق الزعزعة والفوضى في الدول ما هم إلا سفاحين مستأجرين من قبل جهات؛ تسعى الى تحقيق مصالح معينة عن طريق خلق فوضى بين الشعوب وتشويه صورة الأديان، كتنظيم داعش وغيرها من التنظيمات التي سفكت دماء الكثيرين من الأبرياء في سوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرها من الدول، وطال أرهابها بعضًا من الدول الأخرى ومن ثم يتسترون بتطرفهم بغطاء الدين.
ظهرت هذه الحركات الإرهابية والمتطرفة في أوساط الشعوب الثائرة، حيث تعتبر الدول التي تعاني من نزاعات داخلية وبالأخص الدول العربية بيئة خصبة لخلق هذه التنظيمات، فوجودها يعتبر مبرر لتدخلات الإقليمية والدولية والتي تحمل في مضمونها تحقيق العديد من الاهداف من خلال هذه التدخلات، وكأن هذه التنظيمات آداه تستخدم لتحقيق اهداف لصالح داعميها ومن ثم يتم التخلص منها أو تغيير مسارها، ويبقى السؤال من هم الداعمين لهذه التنظيمات؟ ولماذا يعملون على تشويه صورة الاديان؟ وبالأخص الإسلام وتصوير المسلمين للمجتمع الدولي على انهم إرهابين ، مع أن الدين الإسلامي يتنافى تمامًا مع ما يقوم به هؤلاء المتطرفين والإرهابين المأجورين، أن هذه الحركات لا يقتصر خطرها على دولة أو دين او مذهب، بل أصبحت خطراً على جميع الدول العربية وعلى الأمة الإسلامية، فضحايا الإرهاب والتطرف الآن هي الدول العربية والإسلامية في الشرق والغرب ولذلك يتوجب على شعوب الدول العربية والإسلامية مواجهة هذه الجماعات المتطرفة، ونشر الصورة الحقيقية التي تعكس التسامح الإسلامي والتوافق الوطني والديني في جميع المحافل الدولية .
ونقتدي بذلك بما يعمل عليه جلالة الملك عبد الله الثاني في نشر قيم الإسلام السمحة ودحض كل ما يتم تسويقه لتشويه الإسلام والأديان السماوية، ويظهر ذلك جلياً بما تضمنته رسالة عمان من شرح لقيم الإسلام والتوافق بين المذاهب التي هي اساس التسامح والتوافق المجتمعي، حيث تضمنت رسالة عمان ثلاث محاور رئيسية كما ذكر في نص الرسالة المنشور على موقع رسالة عمان الرسمي وهم كالاتي:
أولاً: ان المسلم هو كل من يتبع أحد المذاهب الأربعة (الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي) والمذهب الجعفري، والمذهب الزيدي، والمذهب الإباضي، والمذهب الظاهري من أهل السنة والجماعة ولا يجوز تكفيره ويحرم دمه وعرضه وماله، والمسلم كذلك هو صاحب العقيدة الأشعرية وكل من يمارس التصوف الحقيقي تبعاً لفتوى فضيلة شيخ الأزهر، ولا يجوز أيضاً تكفير أصحاب الفكر السلفي الصحيح وكل من يؤمن بالله تعالى وبالرسول صلى الله عليه وسلم وبأركان الإيمان.

ثانياً: اتفاق أصحاب المذاهب الثمانية على أمور أكثر من اختلافهم، مثل اتفاقهم على الإيمان بالله ووحدانيته وبالقرآن الكريم وبالرسول صلى الله عليه وسلم وبأركان الإسلام والإيمان، وأما اختلافهم فهو اختلاف في الفروع وليس في أصول الدين.

ثالثاً: ضرورة الالتزام بمنهجية معينة في الإفتاء حيث لا يجوز أن يتصدى بها شخص لا يملك المؤهلات المحددة عند كل مذهب، ولا يجوز كذلك الإفتاء دون الالتزام بمنهجية الإفتاء، ولا يجوز أيضاً ادعاء الاجتهاد واستحداث مذهب جديد أو تقديم فتاوي مرفوضة سابقاً تؤدي إلى خروج المسلمين عن قواعد وثوابت ومستقرات الشريعة.

فقد لخصت رسالة عمان الطبيعة الإسلامية الحقيقية في أبها صورها والتوافق بين المذاهب وحرمة التكفير ودحض كل الأفكار التي تشوه تعاليم الإسلام، ومن هنا يجب علينا كمسلمين عكس الصورة الحقيقية لتعاليم الإسلام ومحاربة كل من تسول لهو نفسه من أفراد أو تنظيمات متطرفة تسعى لبث الفتنة والكراهية بين المجتمعات، وذلك من خلال القنوات الإعلامية، والمواقع المتخصصة في المجال العقائدي التابعة للدول الإسلامية، وذلك لضمان أن المحتوى يوافق وسطية الدين الإسلامي وقيمه ومنهجه المعتدل والمتسامح، وأيضا من خلال توعية الشباب والعمل على تنشئتهم تنشئة سليمة وفقًا لمناهج الشريعة ورؤية المجتمعات الإسلامية.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

ترامب وإيران بين “فن الصفقات” وأهوال الحرب

بقلم: د.طارق عبود* — “طريقتي في التعامل بسيطة‏. ‏أحدّد أهدافًا كبيرة جدًا، ثم أحاول جاهدًا …

حيدر حب الله

أزمة النقد الاجتماعي

بقلم: الشيخ حيدر حب الله – النص هو تقديم لكتاب «أزمة النقد الاجتماعي»([1]) –   …

تحذير أوروبي من «خديعة روسية» جديدة لأميركا في سوريا

لندن: إبراهيم حميدي- الشرق الأوسط – تريد واشنطن الحفاظ على خطوط التماس الحالية بين المناطق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.