الرئيسية / ترجمات / الأزمة بين إيران والولايات المتحدة ترتفع درجة
أرسلت واشنطن حاملة طائرات وقاذفات قنابل إلى المنطقة لتهديد إيران

الأزمة بين إيران والولايات المتحدة ترتفع درجة

بقلم: عاموس يادلين – مدير معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي —

في أيار/مايو 2019، تنهي إيران سنة صعبة في نظرها. وذلك بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وفرض العقوبات الأميركية عليها. لقد أضرت العقوبات في الأساس بقطاعي النفط والمال، وألحقت أذى خطِيراً بالاقتصاد الإيراني. بالإضافة إلى ذلك، منيت محاولة إيران التمركز في سورية وبناء قدرة عسكرية فيها بفشل ذريع.
بعد سنة انتهجت خلالها طهران “صبر استراتيجياً” كي تحصل من الدول الأوروبية على تعويض في مقابل تجدد العقوبات الأميركية على النظام الإيراني (وعلى أمل بألّا يحظى الرئيس ترامب بولاية ثانية في البيت الأبيض)، اتضح لإيران الإدارة الأميركية أن لم تنجح فقط في تجديد العقوبات، بل تزيد من الضغط الذي تمارسه عليها. في الشهر الأخير خبرت إيران استمرار سياسة “الحد الأقصى من الضغط” من جهة الولايات المتحدة: إلغاء الإعفاءات التي منحها ترامب للصين والهند واليابان ودول أُخرى، والتي تسمح لهم باستيراد النفط من إيران، وفرض العقوبات على شراء الحديد والنحاس والألومينيوم من إيران؛ وفي المجال النووي – ألغت الولايات المتحدة التصاريح التي سمحت لإيران بتصدير فوائض المواد المخصبة والمياة الثقيلة التي تنتجها بحسب ما جاء في الاتفاق النووي. خطوة مؤلمة أُخرى هي إعلان أميركا الحرس الثوري تنظيماً إرهابياً. لقد توصل الحكم في طهران بناء على ذلك إلى استنتاج بأن عليه بلورة استراتيجيا مختلفة، أو على الأقل تحديث استراتيجيته – من خلال الانتقال إلى سياسة أكثر فعالية، ولكن مدروسة وحذرة.
الآن تريد إيران أن تجعل الولايات المتحدة تدفع ثمناً لعملياتها ضدها وبدأت بعملية مضادة، مؤلفة من جهود في ثلاثة مجالات: في مجال المشروع النووي، تسعى إيران لدفع الدول الأوروبية إلى بلورة آلية ومأسسة الجهاز الموعود فيما يتعلق بتقديم تعويضات عن العقوبات؛ في مجال العمل العسكري، تسعى إيران لتدفيع الولايات المتحدة (وإسرائيل) ثمناً بهدف خلق ردع والمحافظة على الكرامة الوطنية؛ في مجال تصدير النفط من الخليج، تهدد إيران السعودية واتحاد الإمارات بأنهما لن يستطيعا تصدير نفطهما إذا لم تستطع إيران ذلك.

إمكانات تحرُّك إيران

في المجال النووي: أمام إيران ثلاث درجات تحرُّك (من الأسهل إلى الأكثر خطورة): أ- سحق الاتفاق النووي- خروقات طفيفة لبنوده، مثل زيادة حجم تخصيب اليورانيوم أو رفع نسبة التخصيب؛ ب- الانسحاب من الاتفاق والعودة إلى النشاط النووي الواسع، من خلال عشرات آلاف مراكز الطرد المركزي في نتانز ومعاودة العمل في مفاعل أراك، بالإضافة إلى إلغاء توقيع البروتوكول الإضافي للمنظمة الدولية للرقابة على الطاقة النووية؛ ج- الانسحاب من وثيقة منع انتشار السلاح النووي، خطوة ستسمح بتطوير قنبلة نووية.
في مجال العمل العسكري: تملك إيران مجموعة متنوعة من طرق العمل المحتملة: مهاجمة جنود أميركيين في سورية والعراق من خلال تنظيمات تابعة لها، إطلاق صواريخ أو القيام بعمليات إرهابية من جانب تنظيمات تابعة لها في سورية ولبنان وقطاع غزة ضد مصالح أميركية في الشرق الأوسط أو ضد إسرائيل. ومن المعروف أن إيران تحركت في ثمانينيات القرن الماضي ضد قوات المارينز في بيروت – بواسطة حزب الله – دفع ثمنها المئات. كما تتهم الولايات المتحدة إيران بمسؤولية مقتل 500 من جنودها في العراق في حرب الخليج الثانية، بواسطة ميليشيات شيعية لها علاقة مباشرة بطهران وهي التي تشغلها.
عمليات ضد تصدير النفط: هددت إيران بضرب حرية الملاحة في مضيق هرمز. وهي تستطيع استخدام الحوثيين في اليمن لضرب الملاحة في البحر الأحمر والمسّ بإنتاج النفط في الجانب العربي من الخليج بواسطة إطلاق صواريخ وطائرات من دون طيار وعمليات تخريب، بما فيها عمليات سيبرانية.

الدلالات بالنسبة إلى إسرائيل

في المدى القريب، يبدو أن حكومة إسرائيل لن تأسف لانهيار الاتفاق النووي جرّاء الخروقات الإيرانية له والعمليات المضادة للدول العظمى المشاركة فيه. ومن المهم لإسرائيل ألّا تعود أي إدارة عتيدة في الولايات المتحدة إلى الاتفاق، بمن فيها الحزب الديمقراطي، وخصوصاً في السنوات الإشكالية جداً التي ستحصل خلالها إيران على شرعية دولية للدفع قدماً بمشروع نووي شامل.
صدام عسكري بين إيران والولايات المتحدة – في الخليج، وفي العراق أو في سورية، أو إغلاق مضيق هرمز – لا علاقة له مباشرة بإسرائيل، لكن التطورات في هذا الاتجاه ستكون لها انعكاسات غير مباشرة عليها. واحتمال أن يُبقي الإيرانيون إسرائيل خارج المعركة عندما تنشب ضئيل.
لذلك، فإن السياسة المقترحة لإسرائيل يجب أن تتضمن المكونات التالية:
في المدى المباشر – المطلوب يقظة استخباراتية واستعداد عملاني لإحباط أي عملية عسكرية إيرانية مباشرة أو غير مباشرة ضد إسرائيل في جميع الجبهات التي فيها وجود إيراني. والمطلوب أيضاً توافق استراتيجي مشترك مع الولايات المتحدة بشأن الرد على عمليات عسكرية إيرانية. كما يتعين على إسرائيل أن تفحص وتحدّث نشاطها في إطار “المعركة بين الحروب” لمواجهة التمركز الإيراني في سورية، وملاءمته مع تغيرات سياسة الانتقام والردع الإيرانية.
في المدى المتوسط – على الرغم من هذا كله، يجب الاستعداد لعودة الولايات المتحدة وإيران إلى المفاوضات، ويجب التوصل إلى تفاهمات مع الولايات المتحدة بشأن ما هو مطلوب من أجل تعديل الاتفاق النووي، وفي الأساس حيال تمديد فترة الغروبSunset ( قبل انتهاء العمل بالاتفاق). ويجب تحسين الرقابة على المنشآت النووية الإيرانية، ومعالجة جوانب السلاح في المشروع النووي، ومشروع الصواريخ الإيرانية، ونشاطات إيران لتحقيق هيمنة إقليمية. مواقف إسرائيل ستلقى الدعم من جانب دول الخليج، لذلك فإن إسرائيل أمام فرصة لتعزيز العلاقات مع هذه الدول في المجال السياسي وفي مجالات أُخرى أيضاً.
في المدى البعيد – يتعين على إسرائيل الافتراض أن إيران من المحتمل أن تختار توجهاً تصعيدياً وستعاود نشاطها النووي لتخزين مواد مخصبة حتى درجة 20%، وهذا ما سيقصّر المدة الزمنية لإمكان التوصل إلى مواد انشطارية، والاستعداد أيضاً لاحتمال انسحاب إيران من معاهدة منع انتشار السلاح النووي. كما يجب على إسرائيل الافتراض أنه من المحتمل ألّا تتصرف الولايات المتحدة بصورة فعالة لوقف المشروع النووي الإيراني (حقاً إدارة ترامب لا ترغب في معركة عسكرية إضافية في الشرق الأوسط). بناء على ذلك، يجب على إسرائيل تحديث خططها من أجل بناء قوة في حال اضطرت إلى أن تواجه وحدها القفزة الإيرانية نحو السلاح النووي. والمقصود هنا تحدٍّ عملاني ومالي واسع النطاق. من المهم أن نتذكر أن خطة الجيش “جدعون”: المتعددة السنوات التي بلورها رئيس الأركان السابق اللواء غادي أيزنكوت، افترضت مهلة عشر سنوات على الأقل لإعداد الرد على المشروع النووي الإيراني. لكن التطورات التي سُجلت في هذا السياق في السنة الأخيرة، وخصوصاً في الشهر الأخير، تفرض تحديثاً مهماً للخطة وزيادة موارد المؤسسة الأمنية.
وننهي بالقول، إن سياسة الحد الأقصى من ضغط الولايات المتحدة على إيران والإصرار على عدم السماح لإيران بالمسّ بجنودها وبالمصالح الأميركية في الشرق الأوسط، ومن ناحية أُخرى قرار إيران الخروج عن “الصبر الاستراتيجي” – ينطويان على احتمال تصعيد وخطأ في الحسابات، يمكن أن يكون لهما انعكاسات كبيرة على أمن إسرائيل. لهذا السبب يجب على المجلس الوزاري الأمني المصغر أن يجتمع لبلورة سياسة ملائمة للمدى القريب والمتوسط والبعيد.

المصدر: مجلة مباط عال الإسرائيلية، العدد 1166، 13/5/2019 – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

عن رواية “مريم- مريام” للأسير كميل أبو حنيش

بقلم: الشاعر والكاتب الفلسطيني فراس عمر | في نسيج روائي متشابك ومفتوح ومعقد يبني كميل …

"صفقة القرن" ومؤتمر البحرين

لماذا واشنطن وطهران واقعتان في مأزق؟

بقلم: سيد حسين موسويان* – ترجمة: د. هيثم مزاحم | بذلت جهود كبيرة لمحاولة ترتيب …

“واشنطن بوست”: خطأ ترامب في سوريا لا يمكن إصلاحه

ترجمة: د. هيثم مزاحم | قالت صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية في افتتاحية لمجلس تحريرها بعنوان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.