الرئيسية / آراء / العرب من الاحتلال إلى الوصاية
أفكار لبناء جيل جديد أفضل

العرب من الاحتلال إلى الوصاية

بقلم: عبد اللطيف مشرف – باحث وأكاديمي مصري – بدأت حركات التحرر من الاحتلال، بعد الحرب العالمية الثانية، وتبنى الغرب أبناء الشعوب والعائلات العاشقة للسلطة والمتصفة بالجهل، وبدأت حركات الاستقلال لأراضي العرب أصحاب الكنوز والثروة، ولكن الغرب يعي ما هي قيمة البلاد التي لم يدرك أبناؤها ولو للحظة قيمتها، فجعل استقلالها كما يريد وفعل بذكاء ما يريد، حتى يُبقِى أراضي العرب الغنية بيده، فاستغل حماسة العسكر في بعض الدول، وجشع العائلات في البعض الآخر، وأبناء جامعاته الذين يتحدثون لغته بإتقان أكثر من لغتهم الأم، وعمل على تقريبهم منه وسلمهم السلطة مكانه، ليخرج بدباباته وجيوشه، وظل بفكره وبرجاله يحكمون الشعوب إلى الآن، فكيف يتخلى عن تلك الأراضي بسهولة؟
فهذه الأوطان بمثابة ملكية خاصة به، يمد مصانعه بخامات هذه البلاد، ويستمد نفوذه السياسي بفضل هذه البلاد وجهل شعوبها بالحقيقة، فوضع وزير مستعمرات بريطانيا” كرومل” قانوناً سياسياً، يمثل سياسة الاحتلال إلى الآن وهي:” نحن لا نحكم الشعوب ولكن نحكم من يحكم الشعوب” هل ترى هذه السياسة يُعمَل به الآن وخصوصاً في بلاد العرب؟

المحتل يريد الثروة والسيطرة ونشر الأفكار؛ لذلك وضع على رأس الأنظمة العربية من يخدمه، فوضع بعض العائلات باسم الملكية في بعض البلاد العربية التي تطمع في الثروة لا غير، ووضع العسكر في البعض الآخر وساعدهم على الوصول للسلطة وهي مبتغاهم تحت مسمى جميل اسمه الجمهورية، وصنع منهم أبطال وهمين، الكثير منهم لا يعرف من العسكرية غير الصوت العالي واسمها، وخَلق معارك مزيفة لم يقودوها، وإنما كانت تلك المعارك لصالح المحتل، ووَهَم المحتل الشعوب بأن هؤلاء أبطال، وجعل الكثير منهم يقدسونهم أكثر من رسولهم الكريم، لك في أتاتورك في تركيا مثال وفي شاه إيران محمد رضا بهلوي مثال آخر، فهم أبطال للغرب وليس لشعوبهم.
لذلك عمل الغرب على الدعاية لهم بذلك، لأنهم كانوا أداة لتحقيق أهدافه من خلالهم، وهي محاربة الدين والنداء بقوميات تعمل على تمزيق الصف العربي والإسلامي، وجمهوريات مزيفة، خالية من الحريات والتقدم والعلم، إنما شعارها السوط والاعتقال لكل من يعارض أو يفهم، وخلق ديمقراطية شكلية ولكن هي أعلى قمم الديكتاتورية تحت سمعه وبصره، يستغلها كحجة على هؤلاء عندما يرفضون له طلباً، وساعد على وصول أفكار القومية، وتمزيق اللغة وتزييف التاريخ، وجعل لغته هي الأم وعمل على محو اللغة العربية، وساعد من يؤمنون به في الوصول لحكم هذه البلاد، ولك في الدول العربية في شمال أفريقيا ” المغرب العربي” مثال، فهنا يطرح السؤال، هل هناك فرق بين الجلاد الأجنبي والجلاد المحلي؟.
ومن بين تلك الأوطان أيضًا، وقلب الشرق النابض والميزان الإستراتيجي وخزينة الأرض، إنها مصر ، تلك الدولة عندما أرادت أن تتخلص من مستعمر أجنبي، وتخرجه من البلاد، وعندما تحقق ذلك الحلم، شعر المصريون عند خروج الانجليز من مصر عام 6195، بأنهم أحرار في وطن حر، وبدأ الأمل يدب في قلوب الجميع، إلا أن الفاجعة كانت أكبر بعد مرور السنين، حيث اكتشف الشعب أنه ما زال محتلاً، وهذا المحتل يملك كل شيء، والشعب لا يملك شيء حتى الوعي، ولا يملك غير الفقر والجهل والمرض، يعيش في بيوت بسيطة، والمحتل يستولي على الأراضي ويسكن القصور وأبنائه في أعلى المناصب، وأبناء الفقراء رغم تفوقهم لا مكان لهم غير الهجرة خارج الوطن، فتخلص الوطن من محتل أجنبي ليكتوي بنار محتل محلى.
وظلت مصر كما هي دولة فقيرة اقتصادية رغم ما تملكه من موارد جبارة، دولة تمتلك أكبر بحرين تجاريين البحر المتوسط والبحر الأحمر، وتمتلك ثلثي أثار العالم وتمتلك قناة السويس الممر التجاري المهم، دولة تمتلك بترولاً وغازاً طبيعياً وذهباً، دولة تمتلك ثروة معدنية، دولة تمتلك موارد بشرية جبارة، دولة تمتلك مليون كيلومتر مربع ويعيش سكانها في 4.5 في المائة من مساحتها فقط، دولة تمتلك كل الموارد الطبيعية والبشرية وفي النهاية هي دولة تستدين من كل دول العالم، هل هذا يعقل من وجهة أي عاقل سياسي أو وطني مخلص؟ هل هناك فرق بين المحتل الأجنبي والمحتل المحلي؟
ونشاهد بأعيننا حال باقي العالم العربي الذي يعيش سنوات عجافاً، وأياماً بائسة، وسنيناً من الخوف والحرب، ولكن من ضعف العقل العربي عندما يتعرض من ظلم حكام طغاة يتحسر على السابقين، بدل من أن يَنفُر ويغضب ويطالب بحقه في بلده ولينعم يومًا واحدًا من دون احتلال، ويشعر ولو لمرة بالحرية، وليشعر ولو لمرة أنه صاحب تلك الثروات بدل من فقر يكوي بطنه، هل هناك فرق بين محتل وآخر؟
ولكن سياسة وثقافة المحتل البريطاني قديماً، نحن لا نحكم الشعوب ولكن نحكم من يحكم الشعوب، فبالفعل سياستهم إلى الآن، لأنهم يعلمون قيمة أوطاننا وثرواتنا أكثر منا. فيأتون بمن يحكمونا حتى تسير الأمور في صالحهم لا في صالح شعوب تمتلك مثل هذه الثروات، فتلك الأنظمة وليدة المحتل وليست للشعوب دخل فيها غير السمع والطاعة، فهل تستحق هذه الشعوب ما هي فيه، هل ستبقى مصر والسودان وسوريا واليمن وفلسطين والعراق وليبيا وغيرها من الدول العربية والإسلامية في هذا الوضع المتأزم والحروب التي لا تنهي، هل ستستمر سنوات العجاف طويلًا على هذا العالم العربي ؟
ألم يحن الوقت ليحكم تلك البلاد أبناؤها المخلصون أصحاب الوعي والإرادة الحالمون بأمتهم المخلصون لعقيدتهم المحبون لأوطانهم، فهل ماتت ثورات “الربيع والشباب العربي على يد المستعمر في الخارج والوكلاء في الداخل؟
يظن الجميع أن ثورات الشباب الأحرار والشعب المسكين، قد ماتت وُدفِنَت جثث الشباب وضاعت حقوقهم هباءً منثورًا بلا ثمن، وأن الطموح كان مصيره المعتقل أو الرصاص، وأن سكوت الناس جعل من هذه الأنظمة تظن أنه رمز للبطولة، بل كانت هذه الأنظمة سبباً في تمزيق الوطن العربي والعالم الإسلامي، وسبباً في إشعال الفتن بين المسلمين وكل الطوائف الأخرى، وأيضاً سبباً في قهر وفقر المجتمعات في كل المستويات” سياسيًا- اقتصاديًا- تعليميًا- اجتماعيًا- ثقافيًا”، لا يظن الجميع أن الشباب مات فيه الحلم وُقُهِرَ بموت أخيه أو اعتقاله، فالجميع مخطئ.
ولكن يظل السؤال لماذا العسكر هو الحاكم والبديل الوحيد، هل ذلك يرجع لفصاحتهم أو لذكائهم الخارق، أم إلى فطنتهم السياسية، أم إلى ما يملكونه من دبابة وسلاح يوجهونها في وجه شعوبهم لا في وجه عدوهم، فما هو السبب، ولماذا يختار المستعمر القديم والحديث العسكر ويساندهم رغم أن ذلك يخالف الديمقراطية التي يطبقوها في بلادهم ويفتخرون بها أما العالم كله، ولكن في الشرق يؤسسون ديكتاتورية عسكرية، فلماذا؟
خرج المستعمر بجيشه، لكنه لم يترك وصاياته على الشعوب، فترك الوصاية لأبنائه المخلصين من العسكر ليظل هو السيد، والشعوب دومًا تحت سيادته ووصايته، لأنه يعلم علم اليقين لا تنجح أي دولة يقودها العسكر في كل تجارب الدنيا والتاريخ، لأن تفكيرهم لا يخرج عن الحلول الأمنية ودوما هم في عباءة المكر وخديعة الحرب، فمن نظريات العسكر أن من هو ليس عسكري ليس قوي ويعيش في رفاهية ولا يفقه في الدنيا شيء وهم الفئة الوحيدة القادرة على السيطرة من خلال ما تملكه من عدة وسلاح وليس عقل وفكر السياسة، ويعتقدون دوما أنهم الفئة التي تضحي دوماً ومظلومة من أجل الجميع، وأن المدني لا يجيد ولا يعرف شيء في هذه الدنيا وليس لديه الشخصية، لدرجة أن الرجل العسكري يرفض في داخله القاء التحية العسكرية لمدني حتى ولو كان رئيس جمهوريته، لأن الرجل العسكري ليس لديه القدرة على فهم مبدأ الفصل في السلطات والوظائف والمهام، لذلك هي الفئة الوحيدة التي دوما ينحاز إليها المستعمر لتربيتها المنغلقة الغير قادرة على تسيير أي مجتمع، وأيضا لما تملكه من حب للسلطة ومكر، وأيضا لما تملكه من سلاح وعدة لتخويف أي مجتمع وكبته، فلذلك ترك المستعمر وصاياته لهذه الفئة.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

بوريس جونسون

بوريس جونسون يظهر أنه “جرو” لدونالد ترامب

ترجمة: د. هيثم مزاحم — كتب الصحافي الأميركي جون كاسيدي مقالة في مجلة “ذا نيو …

“بناء الحكاية التاريخية عند الطبري”

صدر أخيراً عن دار الرافدين كتاب “بناء الحكاية التاريخية عند الطبري” للكاتب سعيد عبد الهادي …

التخاطب: مبادئه وقواعده واستراتيجياته وأدبه

صدر أخيراً عن دار الرافدين كتاب “التخاطب: مبادئه وقواعده واستراتيجياته وأدبه” للمؤلف هاتف الثويني. وجاء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.