الرئيسية / آراء / تأملات حول الأصالة والمعاصرة في ذكرى الشيخ زايد
تأملات حول الأصالة والمعاصرة في ذكرى الشيخ زايد

تأملات حول الأصالة والمعاصرة في ذكرى الشيخ زايد

بقلم: د. موسى ولد أبنو | يصادف 19 رمضان، ذكرى وفاة مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي رحل في ذلك اليوم من العام 2004. تزامنا مع ذكرى الشيخ زايد هذه السنة 2019، وبعد ما غمرت الإمارات أمواج التحديث، تطالعنا أنباء عن أن وسيم يوسف، إمام مسجد الشيخ زايد، يشكك بصحيح البخاري وتزامنا مع تشكيك وسيم يوسف، عبرت الأكاديمية الإماراتية موزة غباش عن ازدرائها صحيح البخاري، وقالت في كلمة خلال تكريمها في مؤتمر للمرأة الإماراتية، بحضور وزير الدولة للتسامح نهيان بن مبارك آل نهيان، إن البعد الاجتماعي العربي لا يزال متخلفا، لإيمانه “بما يسمى كتاب البخاري”! هؤلاء الذين يشككون في السُّنة ينظرون إلى الأصالة بعيون المعاصرة ويخططون لهدم التراث.

لقد تميز مشروع الشيخ زايد الحداثي بكونه قام على مبدئ مفاده أن التحديث يمكن أن يتم مع الحفاظ على التراث. فرغم ما حققه من تحديث ظل متمسكا بالتراث وشجع النهوض به. كان يؤكد دائماً أن «نسيج البناء العصري في الإمارات تترابط فيه التقاليد مع التحديث بمتانة ووفاق»، فاستطاعت دولة الإمارات في عهده أن تكسب رهان التوازن بين الأصالة والمعاصرة. اليوم، وبعد أن عمت الحداثة أرجاء الإمارات، وصارت دبي معلما بارزا من معالم حداثة القرن الواحد والعشرين، يتساءل المرء: هل كان الشيخ زايد على حق؟ أم أن المعاصرة لا تكتمل إلا بتدمير الأصالة؟

لا يوجد حد لطموح الإماراتيين الحداثي

البداية الرمزية لعصر الحداثة في الإمارات كانت افتتاح فندق برج العرب في الأول من ديسمبر عام 1999. بُني بارتفاع 321 متر على جزيرة اصطناعية قبالة دبي. هذا المبنى، الذي كلف 2 مليار دولار، والذي بدأ تشييده في عام 1994، يبدو اليوم متواضعا جدا مقارنة بمشاريع أخرى في الإمارات. في عام 2001، بدأ بناء نخلة جميرا، أرخبيل جزر اصطناعية تبلغ مساحتها 25 كم مربع، يضم فنادق ومساكن فاخرة، بتكلفة 12 مليار دولار. وفي سنة 2002 أطلق مشروع نخلة جبل علي، والذي هو أكبر بنسبة 50 بالمئة من نخلة الجميرة، ويشمل ستة مراسي، ومتنزه ومنازل على ركائز فوق الماء.
وفي عام 2005 تم افتتاح مول الإمارات بمساحة تجارية تبلغ 223،000 متر مربع ومنحدر دائم للتزلج؛ وفي عام 2014 أعلنت إمارة دبي إطلاق مشروع “مول العرب”، أكبر مركز تجاري في العالم، يمتد على مساحة 14.6 مليون متر مربع…
مشاريع أخرى أكبر بكثير تم تخيلها: برج النخيل (1400 متر) وبرج مدينة دبي (2400 متر). من بين العديد من ناطحات السحاب قيد الإنشاء. تبدو دولة الإمارات العربية المتحدة الآن ورشة بناء دائم، حيث يتم إنشاء بنى تحتية تثير الإعجاب: مطارات، موانئ، مراسي، جامعات، طرق…
بين عامي 1999 و2003، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي من 55 إلى 87 مليار دولار، ثم تضاعف ثلاث مرات بين عامي 2003 و2008، ليصل إلى 268 مليار دولار. أثناء ذلك، في عام 2004، توفي الشيخ زايد عن عمر يناهز 86 عامًا…

الحداثة، نعمة أو نقمة؟

ليست الحداثة بالضرورة نعمة، بل قد تكون همّا ونقمة، فتدمر ما بناه أجيالنا السالفين من ثقافة وعادات لا تُعوض. أقدّر أهمية هذه المشاريع وأرجو أن تعود بالنفع إلى دولة الإمارات وشعبها، لكنها تثير في نفسي تساؤلات حول قيم الحداثة ومدى تأثيرها على المجتمع. هذه الإنجازات الحداثية أثرت على مجتمع الإمارات وفرضت أخلاقيات جديدة قد لا تتلاءم مع الأخلاق القديمة. ألا تحمل الحداثة قيمها الخاصة، هل هي في تخدمنا أم أننا نخدمها؟ التقنيات التي نستخدمها تحدد نمط حياتنا. الحداثة ليست وسيلة محايدة، فهي تحمل معها قيمها وأسلوب الحياة الخاص بها. بعيدًا عن كونها وسيلة محايدة، تحمل الحداثة معها مجموعة من الأهداف التي تحدد وتهيمن على حياة الإنسان وتفرض عليه غايات معينة ومصالح معينة. فهي مشروع اجتماعي وحضاري متكامل ينفي ما سواه. في حالات كثيرة، تفرض قيم الحداثة نفسها كبديل عن القيم القديمة، وهذا هو مبدأ مطالبة الحداثيين بإلغاء بعض جوانب التراث.

من إين جاء الحداثيون بنظرية “القطيعة المعرفية” مع التراث؟

يرى أنصار الحداثة الجدد أنه لا سبيل إلى الدخول في العصر إلا بالتخلُّص من سلطة تراث الماضي المتخلِّف، ووضع حد لتحكّمه في حاضرنا ومستقبلنا، بإحداث “قطيعة معرفية” معه وتحكيم عقل الحداثة العلمي ضد منطق التراث “الظَّنِّي”. الحداثة علم والتراث ظن، وبعض الظن إثم! هذا معتقدهم!
القطيعة المعرفية مع التراث التي ينادي بها الحداثيون تعني أن واقعنا اليوم يفرض علينا رفض معارف السلف وتدميرها. مصطلح “القطيعة المعرفية (أو الأبستمولوجية)” ابتكره فيلسوف العِلم الفرنسي غاستون باشلار (1884ـ1962) ويعني، في المنهج المعرفي، القطيعة التي تجعل من الممكن معرفة الحقيقة برفض بعض المعرفة السابقة، بحيث يكون التدمير ضروري من أجل الكشف عن معرفة جديدة. من هذا المنظور، يجب تخطي المعارف الماضية التي تصير “عقبة معرفية” دون الوصول إلى “العلم الحقيقي”. هذه الفكرة، التي صاغها غاستون باشلار في كتابه تكوين العقل العلمي، هي جوهرية في مجالات العلوم والتكنولوجيا. الوصول إلى العلم، وفقًا لغاستون باشلار، لا يتم إلا بكشف تناقضات المعارف السابقة، التي غالبا ما تكون مبنية على “التجربة الأولى”. فالآراء والمعتقدات والمسابقات التي تقوم عليها هذه المعارف تمثل دائما عقبات أبستمولوجية دون الوصول إلى الواقع الذي هو هدف العلم.
يقول غاستون باشلار: “الحقيقة ليست أبدًا ما قد يعتقده المرء”، إلا أن الظن لا يغيب عن معرفة البشر، وبالتالي يكون من الضروري معرفة كيفية كشف الجانب الظنِّي من المعرفة حتى نتمكن من الوصول إلى أساس متين للعلم. يجب أن يؤدي هذا إلى موقف اليقظة المعرفية: فالروح العلمية تمنعنا من الحصول على رأي بشأن الأسئلة التي لا نفهمها، وترفض الأسئلة التي لا نعرف كيفية صياغتها بوضوح. يرى غاستون باشلار أن العلم يتشكل عندما نتجاوز مسلمات الماضي لنصل إلى استنتاجات العقل. هذا التجاوز لا يتم إلا بقطيعة معرفية.
عندما استعار الحداثيون العرب مصطلح “القطيعة المعرفية” من المفكِّرين الغربيين، طبّقوه بطريقة مختلفة، فأخرجوه من سياقه، كمنهج في البحث العلمي، ليجعلوا منه منهجا في تقويم التراث. مقاربة التراث بهذه الآلية المنقولة والخارجة عن سياقها، تكرس سلطة فكرية غربية بدل الاحتكام إلى المجال التداولي الإسلامي روحاً ومنهجاً، وتتجاهل التراث وآلياته الخاصة التي أنتجها و”تهمل جوانبه المضيئة وتقصر في تبيان مجالات إمكان الاستئناف والمواصلة في العطاء”، كما يقول طه عبد الرحمن. إنها قراءة ناقصة للتراث، لأن النص التراثي له مضامينه الخاصة، التي تختلف عن مضامين المنهج العلمي، ولا تمكن قراءته على ضوء هذا المنهج. تجديد التراث لا يمكن أن يعني إعادة بنائه على ضوء متطلبات الحداثة.
لا يعني ذلك الرفض بالمطلق للأطروحات التي تدعو إلى التجديد وإعادة النظر في التراث، ولكنه يعني أن مهمة تجديد التراث لا تقع على عواتق الحداثيين، بل هي مسؤولية أهل التراث. فتجديد التراث لا يعني إعادة النظر في النص التراثي أو “تحديث التراث”، كما يرى أغلب دعاة التجديد، وإنما تجديد التراث هو كما يقول طه عبد الرحمن “إعادة النظر في النظر السابق في التراث”. ما يعني أن تجديد التراث يتعلق بالتراث نفسه، لا بالحداثة.

تجديد التراث أم نسفه؟

قد يظن البعض أن مطالبة الحداثيين بتجديد التراث تعني ضرورة الفهم الصحيح للنص التراثي، حسب اختلاف زمان ومكان الإنسان الذي يتعامل ويتفاعل معه، أي مواءمة النص التراثي مع حاجات الناس في واقع معين. لكنها في الحقيقة تدعو إلى نسيان القديم وتجاهل مجالاته ومشاغله ومقولاته وترى أن المعارف التراثية أكل عليها الدهر وشرب، أي طال عليها الزّمن حتّى بليت، ولم تعد تلائم العصر.

تجديد التراث لا يتم بالانسلاخ عنه وإهماله، أو استيراد بديل عنه من الحضارة المادية ل”الآخر المُتقدّم”، لكن بإحياء الفكر الاجتهادي الذي كان سائدا في الأمة في أجيالها الأولى وتشجيع حركة اجتهادية تجديدية تعيد تأسيس التراث وتنتج فهما جديدا ينبني على وعي دقيق وعميق بالقديم يستكشف خرائطه وفضاء تغلغل آفاقه في عصرنا. التراث لا نرثه إن لم ندافع عنه.

رحم الله الشيخ زايد.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

هؤلاء هم المرشحون لخلافة جون بولتون

ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” 13 اسماً لمرشحين محتملين لمنصب مستشار الأمن القومي الأميركي خلفاً لجون …

كاتب “ضيعة ضايعة” يرد على ادعاءات حداقي باختراعه لشخصية “أبو شملة”

ردّ الدكتور ممدوح حمادة، كاتب المسلسل الكوميدي الشهير، ضيعة ضايعة، على تصريحات الممثل محمد حداقي، …

فاينانشيل تايمز: بوتين يضع يده على أهم مناجم الفوسفات في سوريا

نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية تقريراً تحت عنوان: “موسكو تحصل على غنائم الحرب من سوريا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.