الرئيسية / آراء / العلاقات الثقافية بين مصر ولبنان

العلاقات الثقافية بين مصر ولبنان

د.محمد عبدالرحمن عريف_كاتب وباحث في التاريخ الحديث والمعاصر وتاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية/
عبر إذاعة صوت الشعب اللبنانية، وفي ضيافة الإعلاميتين والإذاعيتين (رانية حيدر وهند نجم)، والبرنامج الإذاعي المتألق (مشوار)، شرفت أن كانت لي هذه المداخلة والحوار الطويل، وكان لي حرية العنوان والتفاصيل والحديث كاملًا ذلك حول سلسة قادمة لعديد التعاون والتلاقي الثقافي العربي في حقب ماضية، جاء اللقاء الثاني مع بعض من معالم العلاقات الثقافية بين مصر ولبنان تفاعل حضاري وثقافي عبر العصور.
لمِصرَ أم لرُبُوعِ الشَّأمِ تَنْتَسِبُ هُنا العُلا وهُناكَ المجدُ والحَسَبُ
رُكْنانِ للشَّرْقِ لا زالَتْ رُبُوعُهُما قَلْبُ الهِلالِ عليها خافِقٌ يَجِبُ
ولا يَمُتّانِ بالقُربى وبينَهُما تلكَ القَرابة ُ لَمْ يُقْطَعْ لها سَبَبُ؟
إذا ألَمَّتْ بوادي النِّيلِ نازِلَة ٌ باتَتْ لها راسِياتُ الشّأمِ تَضطَرِبُ
وإنْ دَعَا في ثَرَي الأَهْرامِ ذُو أَلَمٍ أَجابَهُ في ذُرَا لُبْنانَ مُنْتَحِبُ
نسيمَ لُبنانَ كم جادَتْكَ عاطِرَة ٌ
في الشَّرقِ والغَربِ أنفاسٌ مُسَعَّرَة ٌ تَهْفُو إليكَ وأكبادٌ بها لَهَبُ
هذي يَدي عن بني مِصرٍ تُصافِحُكُم فصافِحُوها تُصافِحْ نَفسَها العَرَبُ
فما الكِنانَة ُ إلاّ الشامُ عاجَ على رُبُوعِها مِنْ بَنِيها سادَة ٌ نُجُبُ
لولا رِجالٌ تَغالَوا في سِياسَتِهِم مِنّا ومِنْهُمْ لَمَا لمُنْا ولا عَتَبُوا
إِنْ يَكْتُبوا لِيَ ذَنْباً في مَوَدَّتِهمْ فإنّما الفَخْرُ في الذَّنْبِ الذي كَتَبُوا
نعم تُعد العلاقات التاريخية بين مصر ولبنان نموذجًا للتفاعل الحضارى والثقافي بين الأشقاء، وتسجل رسائل تل العمارنة اتصال المصريين القدماء مع الفينيقيين بمدينة جبيل والعلاقات التجارية التى ظلت قائمة على مدى قرون، حيث كانت تحصل مصر من لبنان على خشب الأرز، بينما كانت تحصل لبنان من مصر على كتان أخميم المغزول الذى لم يكن يضاهيه نسيج فى العالم.
لقد أسهم اللبنانيون فى النهضة المصرية فى جميع مجالات الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية، ولا تزال مصر تدين بالفضل بوجه خاص للبنانيين فى النهوض بمجال الصحافة والأدب والفنون كالأخوين سليم وبشارة تقلا مؤسسي صحيفة الأهرام، وجورجى زيدان مؤسس دار الهلال، ونجيب متري مؤسس دار المعارف، وروز اليوسف رائدة المسرح والصحافة، وغيرهم من الأدباء والفنانين اللبنانيين الذين احتضنتهم مصر وصاروا جزءاً أساسياً من تراثها الفنى والثقافي.
تُتوج العلاقات الثقافية (المصرية – اللبنانية) رموز حديثة مثل جورجي زيدان ومي زيادة وخليل مطران، وعندما شدت فيروز بـ «يا جارة الوادي» إنما كان يردد حالة العشق التي انتابت أمير الشعراء احمد شوقي ومن بعده محمد عبد الوهاب وأم كلثوم تجاه جبل لبنان.
هل هناك مصري لا يعشق لبنان من (بنت جبيل – بعبدا – بعلبك – بيروت (العاصمة) – جزّين – جونيه – الدمور – دير القمر – زحلة – الشوف – صور – صيدا – طرابلس (لبنان) – عكار – النبطيّة). على الجانب الأخر من في لبنان لا يعرف أزقة القاهرة العتيقة، والإسكندرية القديمة، وشواطىء مصر على البحرين وسيناء الحضارة أرض الأنبياء والرسل، وثقافة سبعة ألاف من السنين.
سبق أن صدر كتاب عن المكتبة الشرقية (بيروت) في نهاية 2016. للكاتب كمال ديب، يحدد فيه بعض من مسار الثقافة في لبنان خلال قرنين من الزمان. ويقع “تاريخ لبنان الثقافي” في 590 صفحة، يعالج فيه الكاتب المسألة الثقافية في لبنان منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى العقد الثاني من القرن الحالي.
قد لا يوافق البعض على كل ما يقوله كمال ديب عن الثقافة والمثقفين في لبنان، لكن الكتاب موثّق أكاديمياً، وفيه معلومات وتفاصيل كثيرة عن المجال الثقافي اللبناني، بدءاً من عهد المتصرفية ومروراً بدولة لبنان الكبير ووصولاً إلى ولادة الشخصية الثقافية اللبنانية، التي أرادها ديب متمايزة عن الشخصية الثقافية العربية إجمالاً، مع أنه تكلّم عن مثلث (حلب بيروت القاهرة) ثقافياً.
ينقلنا ديب إلى السينما اللبنانية التي انتقلت من أفلام “سفر برلك” (1967)، “بنت الحارس” (1968)، “بياع الخواتم” (1964) التي تتكلم عن الأرزة وجرن الكبة والدبكة وخبز المرقوق والدلعونا. ويتوقف عند أكبر مخرجَين لبنانيين هما برهان علوية (مع فيلم “كفر قاسم” 1974، وفيلم أخر عن تجربة المعماري المصري حسن فتحي، و”رسالة من زمن الحرب” و”رسالة من زمن المنفى” 1988، و”إليك أينما تكون” 2001.
كذلك مارون بغدادي في أفلام يتيمة هي “بيروت يا بيروت” (1975)، و”حروب صغيرة” (1982)، و”لبنان بلد العسل والبخور” (1987)، و”الرجل المحجب” (1987) قبل أن يخطفه الموت الكارثي عن عمر ناهز 33 سنة فقط.
يقول: “منذ الثلاثينات إلى السبعينات من القرن العشرين، كان الاغتراب النفسي يتعمق حيث كان أساتذة بعض المدارس يقطبون حواجبهم أمام احتمال انتماء تاريخ لبنان إلى محيط مشرقي وعربي. حتى أن المعلمين والمعلمات وذوي الطلاب في بعض المدارس كانوا يشجعون الطلاب على التحدث بالفرنسية دون العربية، وعلى تعلم تاريخ فرنسا وثقافتها… وفي مدارس أخرى سّخر المعلمون من الفرنسة والفينقة، وذكّروا طلابهم من خارج المنهاج الرسمي بعروبة لبنان وأهمية التراث الإسلامي فيه”.
أمام هذا الشرخ الفصامي في تحديد هوية لبنان، يجب التوقف عند بعض المفكرين الذين حاولوا تحديد وإبراز العلامات الفارقة في الهوية اللبنانية. يتوقف عند كمال الحاج القائل في مناقشته مع قومي عربي: “إن اللبناني، الذي يطمح إلى القومية العربية، يعمل ضمناً على إزالة لبنان، إن آجلاً وإن عاجلاً… فإما لبنان ضد القومية العربية، وإما مع القومية العربية ضد لبنان… هب أن القومية اللبنانية كرتونة، فقد تغلبت هذه الكرتونة على فولاذكم المزعوم. وعندما يتغلب الكرتون على الفولاذ فهذا يعني أن كرتوننا فولاذ وأن فولاذكم كرتون”.
بالتوقف عند الحرب اللبنانية حق لنا أن نتسائل “كيف يمكن لبلد جبران خليل جبران والرحابنة، ومدينة الأربعين جامعة ومنارة العرب وعاصمتهم الثقافية، ومطلّهم على الحضارات الغربية ونموذجهم في التنوع الديني… أن يغرق في حرب مدمرة استغرقت 16 عاماً؟ وكيف يستطيع بلد زرع حديقة لجبران في وسط المدينة أن يستعمل هذه الحديقة ساحة للقتال المتجدّد؟”. إدورد سعيد وأدونيس ويتصادى صوتان عاليان في الثقافة العربية هما صوت أدونيس، وصوت إدوارد سعيد الذي ندّد بالاستشراق وبنظرة الإعلام الغربي إلى الإسلام، ونادى بدولة علمانية في فلسطين تضمّ العرب واليهود، وانتقد بشدّة الأنظمة الظلامية في العالم العربي. لقد سعى إدوارد سعيد في مشروعه النقدي – كما يقول الكاتب – إلى “تفكيك الفكر الغربي، ونقد الخطاب الناتج منه، وتوصّل إلى أنّ التفريق بين شرق وغرب هو في صميم ثقافة الإمبريالية، وأن مفكّري الغرب قد اخترعوا الآخر الشرقي والعربي والمسلم تمييزاً للشخصية الغربية من الآخرين الذين يقعون بنظرهم في سلم حضارة أدنى، واعتبر مثقفو الغرب أنهم أصحاب العقل والمنطق المتسلح بالعلوم، وأن هذا الشرق الذي استعمروه لاعقلاني وغير متحضّر”.
يتساءل عبده وازن قائلاً: “ألم تكن بيروت مختبراً حقيقياً للثقافة الحديثة والحية وللأفكار الجديدة والتيارات الطليعية؟ لماذا إذاً جذبتْ من جذبت من كتّاب عرب وشعراء وفنانين ومثقفين؟ أليست بيروت هي المدينة التي تضمّ ساحاتها وشوارعها – على خلاف الكثير من العواصم العربية – أقل ما يمكن من تماثيل للزعماء والرؤساء ومن صور لهم؟” ويردّ أدونيس قائلاً إن “بيروت مدينة أعشقها. وبقوة هذا العشق وسيطرته، لا أقدر أن أراها إلا جميلة وكاملة”.
سبق أن أكد المشاركون بندوة “الدور المتبادل بين مصر ولبنان فى المسرح والسينما والصحافة والنشر” فى إطار الأسبوع المصرى الثقافى بلبنان، على العلاقة الثقافية والفنية بين البلدين، مشيرين إلى أنها علاقات تنافسية تكاملية فى الوقت ذاته لصالح الحضارة العربية، وأنها شكلت أساس النهضة العربية الفنية والثقافية الحديثة.
عندما يتم استعراض بعض العلاقة الوثيقة بين البلدين فى مجال الصحافة والنشر وتأثير هذه العلاقة فى تطوير هاتين المهنتين فى البلدين. بالعودة دور الصحفيات اللبنانيات فى تطوير الصحافة فى مصر خاصة الصحافة النسائية، فى هذا الصدد بدور السيدة روزاليوسف التى جاءت من قضاء البترون بشمال لبنان وأسست مجلة روزاليوسف، وكذلك دور الأديبة اللبنانية مى زيادة وصالونها الأدبى الشهير. إن بلاد الشام ومصر حضارتان قديمتان ومن تتبع جذور النهضة العربية يصعب عليه فصل المصريين عن أهل الشام ويصعب فصل الإنتاج الفكرى اللبنانى عن المصرى، “فمصر ولبنان هما رئتا الحضارة العربية”.
حديثًا حضر الملتقى الثقافي المصري اللبناني والذي جاء تعزيزًا لأوجه العلاقات الثقافية بين مصر ولبنان، انعقد، والذي نظمته مؤسسة “الأهرام”، بالتعاون مع جمعية الصداقة المصرية اللبنانية، بحضور حشد كبير من الكتاب والمثقفين والمفكرين من الجانبين؛ الذين اجتمعوا لتوثيق التراث الثقافي المصري اللبناني المشترك من جهة، ولاستئناف أواصر الصداقة والعلاقات الممتدة ثقافياً بين الجانبين التي تعود جذورها إلى سنوات بعيدة من جهة ثانية.
سبق أن شارك في الملتقى من الجانب اللبناني، رئيس الحكومة اللبنانية السابق فؤاد السنيورة، محمد حداد، خالد زيادة، رضوان السيد، أنطوان سيف، كريم مروة، حسام عيتاني، جورج قرم، طارق متري، ومن الجانب المصري، جابر عصفور، عماد أبو غازي، عادل السيوي، محمد بدوي، علي الدين هلال، محمد سلماوي، السيد يس، أحمد عبد المعطي حجازي، سمير مرقص .
ستظل الدعوة نحو بحث الجانبين المصري واللبناني عن سبل تعزيز التعاون بين البلدين وكيفية توطيد العلاقات الثقافية بينهما بما يعود بالنفع على الشعبين وتفعيل الشراكة فيما بين الحكومتين والشراكة بين قطاعي الثقافة فى كلا البلدين. وكذلك سبل تعزيز الاستثمارات الثقافية المتبادلة.
ستبقى العلاقات (المصرية ـ اللبنانية) علاقات عريقة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ منذ العصر الفرعوني في مصر ثم الفينيقي في الشام وتُتوجها رموز حديثة ليس أولها ولا آخرها الأسماء السالفة الذكر.
فالملاحظ أن دور أبناء الشام في الريادة الثقافية المصرية دور أساسي تتعدد مصادره وتتابع مراحله ولكن صوت لبنان يظل يصدح في محيطه العربي فيطرب له كل الناطقين بالضاد.
ستبقى العلاقات الثقافية بين مصر ولبنان، علاقات تكاملية وليست تنافسية، إذ إنه عندما نهشت الحرب الأهلية أوصال الشعب اللبناني وحاولت تمزيق أحشاء ذلك البلد الجميل، فإن الحركة الثقافية المصرية قد تأثرت سلباً وتراجعت معدلات النشر والأداء الفني بسبب الترابط الوثيق والارتباط العضوي بين البلدين الشقيقين.
وإذا كنَّا نعترف بتأثير التاريخ والجغرافيا العميقين في العلاقات السورية – اللبنانية ونراها حقيقة حضارية وقومية، إلا أننا نؤكد على الجانب الآخر متانة القاعدة التي تقف عليها العلاقات المصرية – اللبنانية كجزء من علاقات مصر بالشام الكبير، ولذلك فإننا نسلم بخصوصية العلاقات السورية – اللبنانية في الوقت الذي نؤكد فيه أيضاً فرادة العلاقات المصرية – اللبنانية.
إن لبنان التعايش المشترك هو النموذج الأرقى عربياً وشرق أوسطياً كما أنه منارة متألقة على الساحل الشرقي للبحر المتوسط الذي نعتبره بحيرة الحضارات القديمة.

حول مجلة عربية

تفقد أيضاً

“هايبرسيميثيا”

الكاتبة الجزائرية فاطمة حفيظ/ قمت بتغيير طريقي إلى المكتبة، أخذت كتابا منسيا مطليا بالغبار من …

ترونه في كل مكان.. ولكن ما أصل الوجه الأصفر المبتسم؟

(CNN) — دائرة صفراء ووجه مبتسم.. لربما رأيت صورة الوجه المبتسم، على إحدى أوراق المدرسة …

ارتفاع نسبة التصويت بانتخابات الكنيست وخروقات من نتنياهو

أعلنت لجنة الانتخابات التابعة للاحتلال الإسرائيلي الثلاثاء، أن معدل التصويت لانتخابات الكنيست حتى الساعة 6 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.