مباط عال: الاعتبارات المعقدة التي وجهت رد حزب الله على الهجمات الإسرائيلية

Spread the love

يورام شفايتسر وأورنا مزراحي – باحثان في معهد دراسات الأمن القومي/
إطلاق الصواريخ المضادة للدبابات على قوات الجيش الإسرائيلي في منطقة أفيفيم (في أول أيلول/سبتمبر) كان أمراً يفرضه الواقع بنظر حسن نصر الله الذي ألزم نفسه بتصريحات علنية أعلن فيها نيته الرد. على الرغم من أنه ليس معنياً بالدخول في حرب واسعة مع إسرائيل في الوقت الحالي.
يدّعي حزب الله أن إطلاق النار على أفيفيم هو رد على مقتل اثنين من عناصر الحزب في هجوم الإحباط الإسرائيلي (في 24 آب/أغسطس) على عقربا جنوبي دمشق. يولد هذا الادعاء انطباعاً بأن جولة المواجهة المحدودة مع إسرائيل انتهت، ولا يزال لدى حزب الله خيار هجوم آخر، كما أوضح نصر الله في (2 أيلول/سبتمبر). مع ذلك، فإن الدافع الأساسي لقرار الرد هو خشية نصر الله من أن يشكل هجوم الطائرتين المسيّرتين على بيروت (28 آب/أغسطس) سابقة لهجمات إسرائيلية أُخرى على أهداف تابعة لحزب الله في لبنان. بناء على ذلك، كان الغرض من الهجوم ترميم توازن الردع في مواجهة إسرائيل، وتحديد قواعد اللعبة المعتمدة منذ سنة 2006، أن كل عملية إسرائيلية ضمن حدود لبنان ستؤدي إلى رد من جانب حزب الله.
ازدياد حذر حزب الله

الأحداث الأخيرة التي وقعت في ساحة المواجهة بين حزب الله وإسرائيل، تجسد معضلة الهوية التي يعانيها حزب الله، في الأساس الصراع بين هويته كحزب لبناني شيعي وطني، وبين هويته كتنظيم شيعي يتماهي مع الثورة الإسلامية الإيرانية، يؤيد إيران ومدعوم منها. حزب الله هو مكوّن مركزي في “محور المقاومة” الإسلامية الشيعية في شتى أنحاء الشرق الأوسط، والذي يدخل فيه نصر الله بالإضافة إلى شركائه المعروفين – إيران، والعراق، وسورية، ولبنان- أيضاً حركتا “حماس” والجهاد الإسلامي (السنيتين) في قطاع غزة، وكذلك الحوثيين في اليمن.
في الوقت عينه، حزب الله هو تنظيم مستقل له عدة وجوه في لبنان: حركة سياسية عمقت في السنوات الأخيرة من مشاركتها في المنظومة الحكومية اللبنانية؛ تنظيم اقتصادي؛ حركة اجتماعية تحرص على رفاه السكان الشيعة في لبنان؛ ولديه جيش قوي ومستقل، ويملك ذراعاً عملانية تقوم بعمليات إرهابية وأيضاً إجرامية؛ حركة دينية وثقافية. في عملية اتخاذ القرارات في الحزب توجد دينامية بين مختلف هذه الهويات الموجودة تحت سقف واحد، تجري بانسجام، في الأغلب، وأحياناً يبرز تعارض فيما بينها.
في ضوء هذه المجموعة من الهويات، يجب أن نفحص تصريحات نصر الله وعمليات حزب الله. أحياناً يبرز فيها الالتزام إزاء إيران التي ترعى الحزب، وفي أحيان أُخرى يبرز الجهد للمحافظة على مكانته “كدرع لبنان”؛ وفي كل الأحوال – يحرص حزب الله على المحافظة على استقلاله أيضاً إزاء إيران.
حزب الله كلاعب في “محور المقاومة”

في المواجهة العسكرية الدائرة بين إسرائيل وإيران في السنوات الأخيرة على الأراضي السورية، ومؤخراً أيضاً في العراق، يبرز موقف حزب الله كعنصر مركزي في منظومة المحور الشيعي التي يديرها الحرس الثوري الإيراني. الهجوم الإسرائيلي على عقربا (24 آب/أغسطس) جنوبي دمشق الذي أحبط هجوم الطائرات المسيّرة ضد إسرائيل، أثبت هوية حزب الله كمكوّن في المحور الشيعي. في هذه العملية برز تعاون عملاني من جانب مقاتليْن من حزب الله أُرسلا إلى إيران للقيام بتدريبات خاصة على استخدام الطائرات المسيّرة، وعادا إلى سورية للقيام بدورهما في العملية ضد إسرائيل إلى جانب عناصر ميليشيات شيعية أجنبية، على ما يبدو عراقية، تحت إشراف عناصر من الحرس الثوري. بالإضافة إلى ذلك، فقد سارع نصر الله إلى تحمّل المسؤولية عن الموقع الذي هاجمته إسرائيل وقُتل فيه اثنان من عناصره.
يُضاف إلى ذلك، في الخطاب الذي ألقاه في الذكرى الـ13 للحرب اللبنانية الثانية (15 آب/أغسطس)، دعم نصر الله إيران على خلفية التوتر في الخليج بينها وبين الولايات المتحدة، ودول الغرب وجزء من دول الخليج. وهدد بأنه إذا هاجمت الولايات المتحدة إيران، فإن إسرائيل والسعودية سيكونان أول المتضررين، والشرق الأوسط سيشتعل. أيضاً في الخطاب الذي ألقاه قبل وقت قصير من الهجمات الإسرائيلية الأخيرة (25 آب/أغسطس، بمناسبة الذكرى السنوية لانتصار حزب الله على المتمردين في سورية) عظّم نصر الله من أداء قواته في الحرب في سورية، وشدد على مساهمتها في الانتصار على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). هذه المناسبات تشكل تعبيراً عن “الهوية الإيرانية” لحزب الله.
حزب الله كـ”درع لبنان”

رد فعل نصر الله على هجوم الطائرتين المسيّرتين على الضاحية في بيروت الذي ألحق الضرر بمنشأة، الغرض منها تحويل الصواريخ لدى حزب الله إلى صواريخ دقيقة، يعبّر في الأساس عن هويته كـ”درع لبنان” وكقائد “للمقاومة” اللبنانية. في نظر نصر الله هذا الهجوم هو بمثابة تجاوز للخط الأحمر، كونه أول عملية عسكرية لإسرائيل منذ سنة 2006 على الأراضي اللبنانية. لذلك سارع إلى التعهد بأنه سيرد، كما سارع إلى تنفيذ تهديداته. إطلاق صواريخ مضادة للدبابات على مركبة للجيش الإسرائيلي، الغرض منه منع إسرائيل من فرض قواعد لعبة جديدة، واستئناف هجماتها على الأراضي اللبنانية دائماً، كما تفعل في سورية والعراق، والسماح للحزب بمواصلة عملية تعاظم قوته العسكرية. في يوم الهجوم أوضح حزب الله: “إذا سكتنا على هذا الهجوم، فإن هذا الأمر سيضع لبنان على مسار خطر، كل يوم أو يومين تأتي طائرة مسيّرة مفخخة وتهاجم أهدافاً في أراضينا”.
من جهة أُخرى، المهمة التي أخذها حزب الله على عاتقه كـ”درع لبنان” تشكل عاملاً كابحاً. ولقد كشف رده على الهجوم أنه عنصر سياسي موزون. يأتي ذلك نتيجة إحساس الحزب بالمسؤولية إزاء الدولة اللبنانية الذي يزاداد عمقاً مع اندماجه في داخل المنظومة السياسية اللبنانية. من مصلحة حزب الله منع تعرّض الدولة اللبنانية الفاشلة لضربة قاسية، وكذلك تعريض جمهور مؤيديه في لبنان الذي لا يشمل حالياً الشيعة فقط، بل أيضاً مجموعات في أوساط المسيحيين الموارنة، وأيضاً أقلية سنية.
ماذا بعد الآن؟

حتى الآن، يدل الرد المحدود والمدروس لحزب الله على رغبته في هذه المرحلة في منع توسيع المواجهة مع إسرائيل، سواء لاعتبارات تتعلق بوضع راعيته إيران، أم انطلاقاً من مصلحته بمنع وقوع حرب مدمرة في لبنان. يضاف إلى ذلك اعتبارات ذاتية تتعلق بحزب الله الذي يعاني حالياً جرّاء ضغط سياسي: مجموعة من الدول الغربية صنفت الحزب كتنظيم إرهابي، وفي الرد بإطلاق النار ضد مركبة عسكرية في أفيفيم اتهمته دول عربية بأنه تصرف بطريقة غير مسؤولة. بالإضافة إلى كون حزب الله يعاني ضائقة اقتصادية في أعقاب العقوبات المباشرة التي تفرضها الولايات المتحدة.
مع ذلك، يطمح حزب الله إلى ترسيخ المعادلة التي أوجدها رده الذي سيفرض على إسرائيل إعادة التفكير في حدود “المعركة بين الحروب”، على أساس الافتراض أن كل عملية إضافية لها داخل الحدود اللبنانية يمكن أن تؤدي إلى رد من حزب الله. بالإضافة إلى ذلك، لا يزال هناك احتمال ما صرح به حزب الله بأن الهجوم على مركبة عسكرية كان رداً على الهجوم على عناصره في سورية، وسوف يأتي رد آخر ضد إسرائيل، أو استخدام ذلك كسيف مسلط فوق رأسها إذا تجرأت على مهاجمة لبنان مجدداً. علاوة على ذلك، ليس واضحاً ما إذا كانت إيران ستكتفي أيضاً برد حزب الله ضد إسرائيل، أو أنها تنوي الرد مباشرة أو بواسطة حزب الله أيضاً على عمليات إسرائيل في سورية والعراق. وذلك في ضوء كلام قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني الذي ادعى (25 آب/أغسطس) أن الهجمات الأخيرة في العراق، وفي عقربا، والضاحية “هي تصرفات مجنونة للصهيونيين وستكون الأخيرة لهم”.
في الظروف الناشئة، تقف إسرائيل في مواجهة عدد من الاحتمالات: 1- الامتناع من القيام بعمليات أُخرى داخل لبنان؛ 2- الاستمرار في عمليات “معركة بين الحروب” أيضاً في لبنان لإحباط تهديدات استراتيجية، وخصوصاً مشروع الصواريخ الدقيقة من خلال المجازفة “بخطر محسوب”؛ 3- مبادرة إسرائيلية لـ”ضربة استباقية”- معركة واسعة ضد حزب لله الغرض منها إلحاق ضرر كبير بقدراته العسكرية.
على أي حال، من الأفضل أن يجري تأجيل قرار خوض معركة واسعة ضد لبنان، يمكن أن تتطور إلى مواجهة دموية، وأن تتسبب بدمار كبير للطرفين، حتى يجري فحص انعكاساتها بعمق من الحكومة الجديدة، بعد الانتخابات في إسرائيل.

المصدر: مجلة مباط عال الاسرائيلية _ عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.