الرئيسية / عين على الغرب / ما هو أصل الهوية؟ ما الذي يحدد هوياتنا؟
لميس جديد

ما هو أصل الهوية؟ ما الذي يحدد هوياتنا؟

بقلم: لميس جديد* |
الانتماءات؟ الأماكن التي اتينا منها؟ اللغات التي نتكلمها؟ او ربماعملنا؟ أيحددها حبنا لعوائلنا او بلداننا او معتقداتنا؟
انها جميعها وأكثر، الهوية هي: نحن وهذا الاخر، انها ذاك التماس الفريد مع المختلف مع الخارج عن وجودنا الفيزيائي والعقلي، انه ما يضيف ويغير في تشكيلنا، انها الطريق الذي نختار فيه في كل لحظة الشخص الذي نريد ان نكونه.
الهويات المغلقة(التي يظن حاملها ان تشكيله انتهى بمجرد انه ولد على ارض معينة، او انتمى لطائفة سياسية او دينية معينة)هذه الهوية هي بذرة للتفرقة في اغلب المجتمعات واخص منها اليوم الاوروبية.
اما الهويات الرحالة فهي المثال الحي الذي يعترف بحيوية الهوية، وكونها تبحث عن احتمالاتها اللانهائية التي لا تتنافي مع التمسك بالجذور، لا بل على العكس، وحدها الشجرة الكبيرة التي تمتد جذورها عميقة في الارض هي التي تعطينا الخشب لبناء السفينة التي تستطيع الابحار بعيدا.

راموو الكاتب السويسري Ramuz المعروف باندماجه بالأرض وبكتاباته عن الفلاحين وعن حياة الناس البسطاء، كتب عن الوطنية المبنية على حب الارض، وميزه عن القومية المبنية على كره الاخر والخوف منه( نحن افضل من الاخر نحن نستحق الحياة اكثر منه).

الصيف الفائت سنحت لي الفرصة باختبار نظرة راموو للهوية الوطنية من خلال حضور ثلاث فعاليات اولها كان:
مهرجان الكرمة ( Fête des Vignerons) المناسبة التي تحدث مرة كل ٢٥ عاما، والتي تعدت كونها فرصة للاستعراض الدقة واستخدام التكنولوجيا وحسن التنظيم، الى مناسبة (بالنسبة الى مشاهد للمرة الاولى مثلي) تشهد على قدرة الارض في توحيد اختلافات كثيرة منها اللغوية والقومية والثقافية، الهوية القائمة على التعلق بالجذور وعلى تمكين الروابط مع البيئة التي نعيش فيها بكل ما يحيا فيها وعليها.
المناسبة الثانية كانت في سيرك كني ( circus Knie )
وما يخصه اكثر من غيره انه اصبح رمزا تتابعه وتحرص على مشاهدته جميع العائلات السويسرية في كل المناطق المختلفة، اصبح هوية ومصدر للفخر على المستوى المحلي والأوروبي. شغف بدا بحب الأحصنة وتحول بعد مئة عام وتعاقب ثمانية اجيال عليه الى رمز وركن للهوية الأصلية السويسرية.
وأخيرا كان بزيارة لمتحف سان بيرنار ( Saint Bernard)
الكلب المعروف بإنقاذه للتائهين في جبال الآلب يصبح مصدر فخر تدعو لإقامة متحف على اسمه للتعريف بمنطقة الألب وبتاريخ هذا النوع من الكلاب ودورها في حياة أهل الجبال.

واليوم في العصر الحديث، عصر العولمة والانفتاح الذي يسمح للكاميرات بدخول الحمامات وغرف النوم، العصر الذي شهد وسيشهد هجرات بإعداد كبيرة لأسباب مناخية واقتصادية، تصبح الهوية من اكثر المواضيع حساسية وديناميكية، انها محور لكل نقاش يومي على اغلب المحطات التلفزيونية ومادة لاهم الكتاب الأوروبيين.

أمين معلوف بكتابه الهويات القاتلة يركز كما غيره على حيوية الهوية وعلى تغيرها الدائم، على ترحالها وعلى لا محدودية احتمالاتها ولكنه يخصنا أيضا بتعريف وشرح عن الوقت والأسباب التي تجعل من اي هوية اداة مدمرة وقاتلة. واذ عرفنا الهوية على انها مجموعة من الولاءات، فان الهجوم على اَي من هذه الولاءات يحولها الى اداة قاتلة.

“people often see themselves in term of whichever one of their allegiances is most under attack”
“It is often the way we look at other people that imprisons them within their own narrower allegiances”.

ما قاله الجد لحفيدته في احتفالات الكرمة لهذه السنة: “اذا خرجت وحيدة من الممكن ان تصلي بسرعة، ولكن اذا اردت الوصول لاماكن بعيدة لم يصل لها احد بعد، عليك الخروج مع الجماعة.”انها دعوة لاهمية الاخر في اَي حضور او إنجاز فردي، انها شهادة على ان النجاح هو حالة جماعية، انه تراكم لجهود: الأجداد، البيئة المحيطة، الأهل، الجيران، المدرسةاو الجامعة، ومن هنا تتوضح مسؤليتنا تجاه الاخرين في كل صعود نقوم به كأفراد وبكل خيار نختاره لبناء هويتنا الشخصية او الجامعة.

واليوم نحن نعيش بمجتمعات نطالبها اكثر مما اعتاد اجدادنا على التلقي، اننا فرديون اكثر من اَي وقت مضى، أمام كل ما يمكنه تشكيلنا، مثال للمواطنة وللمسؤولية التي تتأتى عليها، اتذكر قصة حريق الغابة والعصفور :
عندما حصل حريق بالغابة، اخذت الحيوانات بالهربفي كل الاتجاهات، بعضها بدا يلقي اللوم على الاخر كمسبب لهذا الحريق، بعضها قرر إنقاذ عائلته والهروب الى الغابة المجاورة، البعض الاخر بدا بالتحضير لاجتماعات لوضع خطة العمل، وحده العصفور أخذ بالطيران ذهابا وإيابا الى النهر يلتقط بعض قطرات من الماء بمنقاره ويرميها على الحريق.
توقفت بعض الحيوانات ونظروا اليه باستهزاء قائلين: الا تعلم انك لن تستطيع اخماد هذا الحريق؟ اجاب العصفور: بالتأكيد اعلم ولكنني أقوم بواجبي، أقوم بما أستطيع فعله.

*مهندسة وكاتبة سورية.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

المرأة في قانون الميراث البريطاني مقارنة بالإسلام

بقلم: محمد عبدالرحمن عريف/ يعتبر قانون الميراث البريطاني (رقم 8، 14 مارس 1962 مع التعديلات …

قوات الأمن تطلق الغاز المسيل للدموع وإصابة عشرات في احتجاجات بيروت

(رويترز) – أطلقت قوات الأمن اللبنانية الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي يوم السبت على متظاهرين …

مدينة الخليل تحولت الى هدف مباشر لمشاريع الاستيطان والتهويد الاسرائيلية

تقرير الاستيطان الاسبوعي من7/12/2019-13/12/2019 إعداد:مديحه الأعرج/المكتب الوطني للدفاع عن الآرض ومقاومة الاستيطان/ بإيعاز من وزير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.