الرئيسية / تقدير موقف / حادثة “الواتساب” وانتفاضة الشباب
الانتفاضة الشعبية في لبنان

حادثة “الواتساب” وانتفاضة الشباب

بقلم: عدنان الأمين |

دخل لبنان في الأسبوع الثالث من انتفاضة الشباب، والدلائل تشير إلى أنها ما زالت في بدايتها.

لم يكن لضريبة الـ ٢٠ سنتاً في اليوم على الواتساب التي فرضها مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير الاتصالات أن تُحدث هذه الموجة العارمة من الغضب، لولا تراكمات سياسية واجتماعية واقتصادية أرهقت الشعب اللبناني وخاصةً الشباب. إنها أشبه بحادثة البوسطة في العام ١٩٧٥، التي أطلقت حربًا أهلية دامت ١٥ عامًا، بسبب تراكمات عميقة لدى المجتمع السياسي اللبناني. وعلى عكس حادثة البوسطة، أطلقت حادثة الواتساب انتفاضة شبابية سلمية على كل الطبقة السياسية التي مارست الحكم منذ نهاية الحرب الأهلية.

الواتساب هو المساحة المجانية للشباب للاختلاط والتواصل عبر المحيطَيْن القريب والبعيد، للمزاح والجدّ، للمرح والغضب، للتواعد والتشارك، وللمشاركة الفعّالة. هو المساحة الرديفة أو البديلة عن النقابات والنوادي والأحزاب والمدرسة والجامعة. وهو الوسيلة الفضلى لتمضية الوقت والتواصل المتوفرّة للأفراد العاطلين عن العمل الذين لا يتابعون الدراسة، والجالسين في المقاهي أو على شرفات منازلهم. والوسيلة الفضلى لتكوين مجموعات والانضمام إلى غيرها وتبادل الأحاديث والأغاني والصور والغراميات والآراء السياسية. لقد اقترف وزير الاتصالات “جريمة مثالية” إذ قال للشباب العاطلين عن العمل، ورواد المقاهي، إنهم سيدفعون ضريبة على تسليتهم على الواتساب، فأشعلهم.

تتلخص تراكمات العقود الثلاثة الأخيرة، منذ اتفاق الطائف، في تسخير زعماء الحرب، ومن انضمّ إليهم لاحقًا، موارد الدولة لمنافعهم الخاصة. كما وأن ما أوجَعَ الشباب وسائر المواطنين، هو التدهور الاقتصادي الناجم عن الفساد المالي المستشري لدى أهل الحكم، بالإضافة إلى العجز المتمادي في الخزينة العامة وتراجع النمو وفرص العمل، واللجوء في كل مرَّة إلى فرض ضرائب جديدة والاقتطاع من الرواتب والأجور، والتراجع المستمر في الخدمات العامة، وعدم قدرة حلّ مشكلة بسيطة مثل الكهرباء المستمرة منذ أكثر من عشرين سنة، وغيرها من مشاكل البيئة والنفايات والصحّة العامّة.

ما فات أهل الحكم والتكنوقراط التابعين لهم أن سنّ الزواج الوسطية في لبنان تراوح بين ٢٨ سنة للإناث و٣٣ سنة للذكور (معطيات ٢٠١١). أي أنه لدينا، كمعدل، شريحة عمرية كبيرة (١٥-٣٠ سنة) ممن يتمتعون بحريّة الحركة وديناميكية التمرّد تجاه السلطات على أنواعها. أما خيارات هؤلاء فتراوح أساسًا بين البطالة والهجرة. حتى الجامعيون الذين هاجروا للعمل في الخارج شاركوا في الاحتجاجات في مساحات الحراك في الداخل وفي الخارج. ويلخِّص رأيهم أصحاب نظرية رأس المال الإنساني: ينفق المجتمع اللبناني أموالًا طائلة على تعليم أبنائه، ثمّ يُرسلهم، بسبب السياسات القائمة، لنفع مجتمعات أخرى.

إن أبرز صفة تميِّز الشباب عن الأطفال والراشدين هي التمرّد والميل إلى البدائل الجديدة والتغيير، في الرياضة والفن وفي اللهو والجد. وللشباب في لبنان إرثٌ في الاحتجاج والتمرّد تحت رايات طلابية أو سياسية. لكن في هذه المرة، الفريدة من نوعها في التاريخ اللبناني الحديث، خرج الشباب نسبيًا من عباءة الطوائف والمناطق والأحزاب السياسية، فامتدت التحركات نحو جميع المناطق. وصارت ساحاتهم تحيِّي بعضها البعض. وقد وجَّه الشباب جميعًا سهامهم نحو جهة واحدة، الحكومة، وقالوا لأهل الحكم بصوتٍ عالٍ “كلكن يعني كلكن”.

وما فات أهل الحكم والتكنوقراط التابعين لهم أن النساء أيضًا في لبنان أصبح لهن صوت عالٍ وأجندة قوية، نتيجة ارتفاع المستوى التعليمي والاتصال بالأمم الأخرى، مقابل تخلّف العادات الاجتماعية والقوانين المجحفة بحق النساء، خاصةً تلك المتعلقة بالعنف الأسري، وحضانة الأولاد، ومنح الجنسية اللبنانية لأطفال النساء المتزوجات من غير اللبنانيين. لقد تمكّنت النساء من تعديل بعض القوانين لكن بقي الكثير على مستوى التشريع وعلى مستوى التطبيق. وقد ساهم ذلك في إسماع الناس صوتهن عاليًا في مناسبات عديدة. وفي الانتفاضة كانت المشاركة النسائية ملفتة في حجمها وفي قيادة التجمعات والاعتصام وكتابة الشعارات وتقديم الحجج القوية والحارّة ضد النظام السياسي.

يقوم هذا النظام السياسي على المحسوبية (patronage)، وتوزيع الحصص بين أهل الحكم بحجة الدفاع عن حقوق الطوائف، وهو إرثٌ يعود إلى فترة الحرب الأهلية. أصبح من يحتلون مراكز قيادية عليا في جميع المؤسسات والإدارات العامة موزعين بين أهل الحكم. كذلك موظفو الفئات الوسطى والدنيا. حتى الحُجّاب والمتعاقدون وحُرّاس الأحراج والمياومون يُعيّنون ويعملون ويقدمون الخدمات ويترقون عن طريق المحسوبية السياسية. والنقابات، نقابات المهن الحرة ونقابات العمال وروابط الهيئات التعليمية، جرى افتراسها وأصبح كل منها محسوبًا على جهة سياسية.

الوجع اقتصادي والمرض سياسي. هذه هي خلاصة الصورة. وقد انكشفت في هذه الصورة التي ظهّرتها الانتفاضة إحدى حيل أهل الحكم: تسخير قضايا نبيلة، مثل الاستقلال والسيادة والتنمية والمقاومة، لخدمة توزيع الجبنة في ما بينهم، وذلك تارةً عن طريق النزاع ما بينهم، وطورًا عن طريق الاتفاق على حكومات وحدة وطنية. وبالنتيجة تمّت التضحية بمعايير مثل الجدارة والعدالة والحق العام. واختفت طبعًا المحاسبة. وفي هذه الصورة يظهر الفساد المالي كنتيجة لهذا الفساد السياسي.

انطلاق انتفاضة الشباب (في ١٧ تشرين الأول/أكتوبر) جعل الحكومة تلغي الضريبة على الواتساب في اليوم نفسه. ثم هرول أهل الحكم وكتبوا خلال أيام (في ٢١ تشرين الأول/أكتوبر) “خارطة طريق” لم يتمكنوا خلال عشر سنوات من كتابة مثلها. ولم ينفع الأمر، فالثقة مفقودة بهم. واستمرت الانتفاضة. وبعد أكثر من عشرة أيام استقالت الحكومة (في ٢٩ تشرين الأول/أكتوبر). واستمرّت الانتفاضة.

في هذا الوقت بدأ أهل الحكم بإلقاء الخطابات وعقد اللقاءات وإطلاق الوعود بالقضاء على الفساد، ومن جهة ثانية بتوجيه رسائل تهديد عبر تحركات شوارعهم ضد ساحات الشباب. طبعًا أهل الحكم في لبنان أقوياء، يستقوون بالجمهور الذي يؤيدهم، وفي إمكانهم أن يجيش كل منهم جمهوره في مواجهة الآخر، في محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء وخلق مناخ صراع طائفي. ثمة نواة صلبة حول كل منهم تضمّ خليطًا من الغلاة والأجهزة والحزبيين النظاميين وأصحاب المصالح والمؤمنين بنوايا زعمائهم الطيّبة. ومن قلب هذه النواة خرج “الشارع الآخر” وحملة العصي والمعتدون على الشباب السلميين. ومنها خرجت أرتال الدراجات النارية، وسوف تخرج تظاهرات ومهرجانات. والغرض هو شدّ العصب وترويع المترددين وإعادة ما أمكن من الشباب إلى حضن الجماعة السياسية.

لكن الانتفاضة قوية أيضًا، بسلميّتها. وقد تمكنت من إحداث شروخ وانشقاقات داخل القوى السياسية. هناك الشباب، من كل الأوساط، الذين استهوتهم شعارات الانتفاضة، فغادروا “آباءهم” لملاقاة أقرانهم المتمردين. وهناك المثقفون والفنانون والإعلاميون وذوو المزاج النقدي أو اليساري والأساتذة الجامعيون والمهنيون. وهناك الذين ما زالوا في مواقعهم في أوساطهم السياسية، لكنهم يتعاطفون مع القيم التي تطرحها الانتفاضة (العدالة والحكم الصالح). وهؤلاء سوف يضطرون إلى حسم خياراتهم وتأييد الانتفاضة مع انكشاف المزيد من فضائح أهل الحكم.

طالما أن الجيش اللبناني يوفّر سلامة المواطنين ويحمي حرية التعبير طبقًا للدستور، وطالما أن أهل الحكم يتبنون ظاهرًا القضايا التي يثيرها شباب الانتفاضة، اعترافًا بصحّة تحرّكهم، وطالما أن هناك شرخًا ثقافيًا بين الشباب وأهل الحكم، فمن المرجح أن تستمر انتفاضة الشباب، بصور متفاوتة وبأشكال متنوعة، وأن تكسب المزيد من الشرائح الاجتماعية إلى جانبها وتفتح الباب أمام التغيير في المجتمع السياسي اللبناني.

المصدر: صحيفة النهار

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

ترامب يعاني من مشاكل عصبية كبيرة

كشف الطبيب السابق للرئيس الأميركي باراك أوباما لمقدمة برنامج “أوت فرونت”OutFront في قناة “سي أن …

الجيل الخامس

هل شبكة الجيل الخامس (5G) خطرة على الصحة؟

تكنولوجيا الجيل الخامس تنتشر بشكل واسع في دول العالم، وتخوف من آثارها على صحة الإنسان. …

إسرائيل تعترض صواريخ قادمة من سوريا

أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي أن أنظمته الدفاعية أسقطت أربعة صواريخ انطلقت من سوريا نحو المستوطنات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.