نعم
كلمة نعم

نعم

بقلم: عبد الحكيم أوكفيل |
علَّموني أنّ “نعم” جالبة للحظ، تسعد قائلها و من قيلت له، كلمة سحرية، تفتح قلوب البشر على بعضها، كلمة قبول تضيء نفوسا مظلمة، تبعث فيها الأمل بعد انتظار يائس، الجواب بـ “نعم” يشفي غليل الظمآن، تجعلك معطاءً كريما، ذا أثر و نفع، عزمتُ أن لا أقول غيرها، و أظفر بأجر الدنيا و الآخرة، سأحرّم “لا” من لساني، لا ينطقها فينساها، لن أجيب بغيرها و لن أخون عهدي، ما دمت سعيدا و أسعدُ غيري بها …
خرجت يوما و أنا على ذلك عازم، لقيت أعمى يريد قطع الطريق، رافقته و أعنته، و عند الطرف الآخر قال لي و هو ممتن:
” بارك الله فيك يا ولدي، هذا حال الأعمى، تلك هي الظّلمة، و نحن على ذلك صابرون و الحمد لله على كلّ حال” ثم أردف ساخرا: ” إنّك رجل طيب، لو طلبت منك عينا من عينيْك أتكرمني بها ؟”، فأجبته و أنا جاد: ” نعم”.
فأخذ إحدى حبيبتيّ، جُنّ من الفرح و ذهب، صار بوسعه أن يرى بعيني، واحدة فقط كفته، لم يشكرني، لرّبما الفرحة أنسته، فرحت لفرحته و عجبت لما تفعله ” نعم” في الناس.
أكملت طريقي و إذا بامرأة عجوز لا تقوى على المشي، كانت تحاول دخول منزلها لكن ضعفها الشديد حال دون قدرتها على ذلك، فأمسكتها من يدها و أعنتها، أدخلتها البيت فقالت ممتنّة: ” بارك الله فيك يا ولدي، لو كانت لي القوة لما احتجت أحدا، لكن الضعف على الكبر أقوى من التمنّي” ثمّ سكتت و قالت:” لو كانت القوة تُعطى … أتعطيني منها يا ولدي؟ “، فقلت مسرورا:” نعم يا أمي، و لما لا؟”.
أعطيتها معظم عضلاتي و بها جلّ قوتي، طارت فرحا، لم تشكرني، لربما الفرحة أنستها، فرحت لفرحتها، و عجبت ثانية لما تفعله “نعم” في الناس.
هممت بدخول متجر لأشتريَ حاجيات نقصتني، فوجدت عند الباب متسوّلة تتكفّف، حولها ثلاثة أطفال، أبناؤها دون شك، قالت: ” هلاّ ساعدتموني يا إخوان، و رفعتم عني و عن أولادي الغبن و الهوان؟”. فقلت الكلمة السحرية: ” نعم” … أعطيتها جلّ مالي ففرحت، و تركت و أولادها المكان دون أن تشكرني، تلك عادتهم، الفرحة غلبتهم على أمرهم، مع ذلك فرحت لفرحهم، فقد أدخلت السعادة إلى قلوبهم، ذهبت لأدفع بعدما اخترت ما آخذ من المتجر، فنظر فيّ صاحب هذا الأخير متعجبا من النقص الذي بي، تعجّبت بدوري من صلعه الظاهر، لم يكن عاديّا، و ذاك الولد هناك، ما به؟ حينما رآني أسأل نفسي و أجيب أجابني دون سؤال: ” بي مرض ورثته عن أبي، عانيت منه و لا زلت أعاني، و هذا ابني المسكين، احترق جلده و تشوّه في حادث”.
نظرت إليهما و تحسّرت، حزنت لأجل ابنه خصوصا، حينما رآني كذلك قال:
” قضاء الله و قدره، ماذا يمكنك فعله من أجل أن نبرأ ؟ أتعطينا شعرك و جلدك ؟”، فأجبت عازما:” نعم”.
أعطيته شعري الجميل المنسدل، و الولد الجلد الذي احتاج عوض جلده المحترق، فبلغت بهما الغبطة مبلغا لا يوصف، و خرجا يصرخان فرحا، لم يشكراني، تلك الفرحة أنستهما، أتفهّم، اعتدت على ذلك، غير أنّي فرحت لفرحهما كثيرا، تلك معجزة “نعم”.
بينما أنا عائد الكلّ يطلب مني خدمة، أدركوا أنّي “معطاء” كريم، لا أقول “لا” لأحد، فـ “نعم” سرّ سعادتي و سعادتهم، طفق كرمي يفيض عليهم بخيراته، و أسعدهم بما أنفق عليهم، فمن نقصته أذن أعطيته، و من تمنّى أنفا جُدتُ له به ، من احتاج يدا أكرمته بها، و من اشتاق لرجله المفقودة أعطيته رجلي الموجودة، و هكذا و قد أنفقت إحدى رئتيّ و جزءً من كبدي و إحدى كليتيّ، و ثلاثة لترات من دمي، و لم أترك لنفسي سوى نصف هيكل و عين واحدة أرى بها دربي، عدت إلى المنزل زحفا لكنّي كنت فرحا لفرحة هؤلاء الذين ساعدتهم و أعطيتهم أعزّ ما أملك، لم أسمع منهم كلمة شكر أو امتنان، لكن سعادتهم كفتني، و أنا أرى نفسي في المرآة التي جررتها و بسطتها على الأرض قلت:” لقد ذهب جسدي كلّه و ساعدت النّاس في بعض ما تمنَّوْا، كنت الوحيد الذي أعطى الكلّ، أنا الآن أفتقد ما أعطيت، و أحتاج ما أنفقت، فلا أستطيع قضاء ما أريد بما بقي لي، فإن خرجت من البيت الآن و طلبت من كلّ واحد بعض الذي لديه ليساعدني على استعادة ما فقدت أيكون لي ذلك ؟ على الأرجح نعم، كيف أن الواحد ساعد الكل و لا يساعد الكلّ واحدا ؟ لكنّ الصّدمة كانت بليغة، و الدّهشة كبيرة حينما طلبت منهم المساعدة، الكلّ رفض، لم يعطوني كما أعطيت، لم يفكّروا بي، لم يحسّوا بحاجتي، بل كان منهم من أنفقت عليه و لم يرد، رمقوني بنظرات الكره و الغضب، و كأنّي بهم يقولون:” ما هذا الذي تقوله؟ أجننت أم ماذا؟ ” تناسَوْا الفضل و لم يشكروني حينما أكرمت، فكيف يكرموني بعد أن شبعوا و نسوا الحاجة؟، حينما تجوع الأنفس و لا تشبع، حينما تصير النفس للنفس دون الغير، في الوقت الذي يطغى فيه الجشع على كل شيء، لا شيء يبقى لشيء …
قلت في نفسي أخيرا:
” كلمة “نعم” لا تقال لأيّ كان، ولا تستحق الأذن الجشعة أن تتلقفها و تستمتع برنّتها، لا تستحق أن ترتاح بذكرها الروح اللّئيمة، التي لا تعترف بالخير و تكفر بالفضل، تلك التّي لا تقدّر ما يضحّي به الغير من أجل إرضائها و إسعادها، نعم أنا معطاء، لكن فقط لمن يستحقّ العطاء”.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

ترامب يعاني من مشاكل عصبية كبيرة

كشف الطبيب السابق للرئيس الأميركي باراك أوباما لمقدمة برنامج “أوت فرونت”OutFront في قناة “سي أن …

الجيل الخامس

هل شبكة الجيل الخامس (5G) خطرة على الصحة؟

تكنولوجيا الجيل الخامس تنتشر بشكل واسع في دول العالم، وتخوف من آثارها على صحة الإنسان. …

إسرائيل تعترض صواريخ قادمة من سوريا

أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي أن أنظمته الدفاعية أسقطت أربعة صواريخ انطلقت من سوريا نحو المستوطنات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.