الرئيسية / ترجمات / لماذا لا تنتهي حروب أمريكا الأزلية

لماذا لا تنتهي حروب أمريكا الأزلية

تأليف: أندرو باسيفيتش _ ترجمة : إبراهيم عبدالله العلو/
ثمة شيء مستغرب حول من تدعي أنها القوة الأعظم في التاريخ في هذا القرن: إذ أنها انخرطت بسلسة من الحروب اللا منتهية عبر أجزاء مهمة من الكوكب إذا قمنا باستثناء “عملية الخوف المستعجل” وهي الغزو المظفر لجزيرة غرينادا في عام 1983 و”عملية الهدف العادل” وهي عملية غزو بنما التي لم تثير كثير من الاعتراض في عام 1989.
نعلم يقيناً إن آخر حروب واشنطن الناجحة بحق انتهت قبل 74 عام في آب من عام 1945 مع اسقاط قنبلتين نوويتين على هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين.
لقد انتهت كل حرب ذات أهمية معقولة –رغم تزايد أعدادها -من حروب فيتنام وكوريا إلى تلك الحروب في أفغانستان والعراق وليبيا والصومال وأماكن أخرى من العالم في هذا القرن (والأخيرة كما في حالات أفغانستان والعراق) بشكل سيء (فيتنام) أو إنها لم تنتهي بعد.

قد يبدو ذلك مستغرباً بالنسبة للقوة الأعظم في التاريخ وما يثير العجب أكثر أن معظم الرجال والنساء الذين شجعوا أو اداروا تلك الحروب الفاشلة والضباط الذين قاموا بقيادتها لا يزالون يتمتعون بسمعة طيبة لم تتأثر من قريب أو بعيد بذلك الفشل. يحدث ذلك في واشنطن التي لا تزال تشجع على المزيد من تلك الإخفاقات باستثناء رئيسنا الغريب الأطوار كما يلاحظ اندرو باسيفيتش الذي سيصدر لاحقاً كتاباً بعنوان:” عصر الأوهام: كيف بددت أمريكا انتصارها في الحرب الباردة”.
ويبدو أن المرء لن يغامر بخسارة سمعته عبر قتاله في إحدى حروب الولايات المتحدة الخاسرة.

وإذا رغبت بالحصول على إثبات لذلك دعنا نمعن النظر في الصورة التي نشرها جوليان بورجر الكاتب في صحيفة الجارديان مؤخراً
والتي تعتبر نظرة رضا عن النفس وتصادف أن ضمت وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ومستشار الأمن القومي هنري كيسنجر (ولنتذكر فيتنام وكمبوديا) ومستشارة الأمن القومي ووزيرة الخارجية السابقة كونداليزا رايس (فكر بغزو أفغانستان والعراق) ومدير وكالة الاستخبارات الأمريكية الأسبق (السي أي أي) ووزير الدفاع روبرت جيتس (ولنتمحص حروب أمريكا الأزلية في القرن الواحد والعشرين) مع آخرين.
لا يزال الثلاثة يتمتعون بالإعجاب وحافظوا على ممثليهم في واشنطن الأمر الذي يخبرنا ما نحتاج لمعرفته حول ما يتم تمريره في مجال السياسة الخارجية الأمريكية وكبار المسؤولين في دولة الأمن القومي في عام 2019.

يفضل دونالد ترامب الإشارة بازدراء إلى الدولة ضمن الدولة بتعبير “الدولة العميقة” ولكنني أفضل التعبير عنها بالدولة الضحلة ليس لأن معظمها يبدو ظاهراً للعيان في هذه الأيام ولكن لأن تفكيرها أبعد ما يكون عن العمق وفق ما يقترحه باسيفيتش اليوم. توم.

الأمن المزيف.
دونالد ترامب والوصايا العشر (زائد واحدة) لدولة الأمن القومي.
تأليف أندرو باسيفيتش.

يبدو الرئيس ترامب بالرغم من نواقصه الهائلة مصمماً على إعادة توليف دور أمريكا في العالم.
وقد يؤكد استهلاله لعملية تأخرت بما فيه الكفاية لتوجيه السياسة الأمريكية وفق الظروف العالمية الراهنة أن تلك العملية هي بالفعل الوظيفة المحظوظة التي عُين لإنجازها ولنبحث عن الدليل.

تعتبر الفال هالا (قاعة الولائم في قصر الإله الإسكندنافي أودين لأرواح الأبطال) في “الأمة التي لا يمكن الاستغناء عنها” مكاناً فسيحاً رغم أنه يحتفي غالباً بالتنوع الذكوري الأبيض في معظم الأحيان. ولنتذكر أنها كانت في القرن الثامن عشر ممثلة بمزارع محتجز للعبيد من فرجينيا والذي ضمن الاستقلال الأمريكي.
دمر محام طموح من ايلينوي في القرن التاسع عشر العبودية وبالتالي أفسح المجال لبلاده لتصبح عملاقاً رأسمالياً.
ونقل نبيل مقعد من نهر هدسون في الثلث الأوسط من القرن العشرين الولايات المتحدة إلى قمة القوة العالمية.
أعلن ممثل سينمائي كليل في عقود ذلك القرن المتأخرة والعصيبة أن “الصباح قد حل في أمريكا” وكان أن حدث ذلك رغم قصره الظاهر. يبدو أن التاريخ قد عين وكيلاً له في القرن الواحد والعشرين، ولكي نحتفل بالمرحلة التالية من الحكاية الأمريكية، في هيئة مطور عقاري من نيويورك ونجم من نجوم تلفزيون الواقع وأحد مفلسي الكازينو.

سينفر جورج واشنطن وابراهام لينكولن وفرانكلين ديلانو روزفلت ورونالد ريغان على الأغلب من تصنيف دونالد ترامب نداً لهم.
ولكنه تفوق عليهم في لحظتنا الراهنة المتأزمة بلقب قائد الأمة العظيم رغم فقدانه لكثير من الأفكار حول مسارها.
استنتج ترامب أن مسارنا الراهن قد وجه الولايات المتحدة للسير نحو الصخور وربما يكون محقاً في ذلك.
أعلن الرئيس في خطابه إلى الأمة عام 2019
قائلاً ” لا تحارب الدول العظمى حروباً بلا نهاية”. ولكن مثل تلك الجملة، البريئة ظاهرياً، مجرد افتراض راديكالي جوهري مترع بالنذر مثل إعلان لينكولن في عام 1858 بأن البيت المقسم لا يمكن أن يصمد.
يبدو دونالد ترامب مصمماً على تغيير النموذج الحالي السائد للأمن القومي رغم أنه لا يمتلك أية فكرة عما يجب أن يحل مكانه.
وكما ميز الجنوبيين بحق استجلاب تهديد لينكولن المبطن أدرك كثير من نقاد ترامب ضمن جهاز الأمن القومي مضامين إصراره على وجوب إنهاء “الحروب الأزلية” بالفعل.
سوف تصبح كافة الادعاءات والافتراضات والممارسات التي تحدد مجتمعة تطبيق الأمن القومي الأمريكي موضعاً لإعادة الفحص وكان أن عبر خلال وعوده الانتخابية عن رغبة بإنهاء الصراعات التي ورثها من أسلافه. وإذا شددنا بما يكفي هذا الخيط المتدلي-الحروب التي تستمر وتشد أكثر فأكثر-فسوف ينفرط النسيج برمته.
الوصايا العشر زائد واحدة.
إن الاعتراف بخطأ حروب هذه الأمة الأزلية سوف يدعو إلى التساؤل عن العادات التي اعتبرها الناس في واشنطن وما حولها جوهر “الزعامة الأمريكية العالمية” والتي تتمثل بما يلي:
(1) تموضع القوات الأمريكية في مئات القواعد في الخارج.
(2) تقسيم الكوكب برمته إلى قيادات عسكرية محلية متجاورة.
(3) منح ضمانات أمنية لعشرات الدول بغض النظر عن مقدرتها على الدفاع عن نفسها أو القيم التي تعتز بها.
(4) الحفاظ على المقدرة لبسط القوة على أبعد المناطق في العالم.
(5) الحفاظ على جاهزية دائمة كركيزة “لقوات الهجوم النووية”.
(6) البحث بلا هوادة عن التقنيات الجديدة التي ستستأصل مخاطر ومفاجآت الحروب.
(7) استيعاب تكاليف الحفاظ على بيروقراطية الأمن القومي المتضخمة دون أية مساءلة.
(8) غض النظر عن التأثير المفسد للمجمع الصناعي-العسكري وتخطي كافة الأمم الأخرى بسهولة أصدقاء وأعداء على حد سواء.
(9) مبيعات الأسلحة.
(10) الانفاق العسكري الكلي.
ومما يستكمل هذه الوصايا العشر والتي لم تُنقش على لوحين فحسب بل في آلاف الصفحات من النثر البيروقراطي المذهل الوصية الحادية عشرة غير المكتوبة: يجب ألا تمنع القائد العام للقوات المسلحة من فعل ما يراه مناسباً.
ولنسميها الوصايا زائد واحد.
يمنح الدستور، من الناحية النظرية، الكونجرس سلطة منع أي رئيس من ابتداء حرب أو توسيعها. استند الكونجرس في الواقع إلى رئاسة امبريالية واعتبر شروط تفويض شن الحرب الموجودة في الدستور غير ملزمة.
لازمتنا هذه الوصايا العشر زائد واحد على مدى عقود عديدة. ظهرت للمرة الأولى خلال المراحل المبكرة من الحرب الباردة. ومن بين عرابيها أفراداً بارزين (نُسي معظمهم اليوم) مثل بول نيتزه المؤلف الرئيسي لدراسة شهيرة لم تنشر عن السياسة تدعى ن س ك-68 والجنرال كيرتس لوماي الذي حول القيادة الجوية الاستراتيجية إلى “سلاح ملقم” قادر على القضاء التام على الجنس البشري.

بدأت عقيدة “ميت أفضل من أحمر” خلال الستينات من القرن المنصرم بفقدان مؤيديها وأصبحت عقيدة “الاستجابة المرنة” أكثر انتشاراً. نضجت خلال تلك السنوات وكطريقة لشن، وبالتالي تكريس، الحرب الباردة عقيدة الوصايا العشرة زائد واحد.
قدم البحث عن تفكير جديد لتبرير السياسات الراهنة أمثال روبرت ماكنمارا وماكسويل تايلور لتبوأ مناصب سلطوية كوزير للدفاع ورئيس أركان القوات المسلحة.
أخضعت حرب فيتنام مقدرة مرونة المؤسسة العسكرية الأمريكية موضع الاختبار. لم يجري ذلك الامتحان على ما يرام حيث كان الوزير ماكنمارا والجنرال تايلور في صدارة المسؤولين الذين تلطخت سمعتهم. نجت عقيدة الوصايا زائد واحد سليمة صحيحة من بين مذابح تلك الحرب المريعة.
كانت فيتنام بلا شك هزيمة ماحقة ولكن طرح التساؤلات حيال التنظيم الأساسي “للأمن القومي” كان محفوفاً بالمخاطر طالما استمرت الحرب الباردة ولذلك خرجت الوصايا دون أن يمسها أي أذى على الرغم من الرئاسات المخيبة للآمال لكل من ليندون جونسون وريتشارد نيكسون وهذا ما حدث للوصية الحادية عشرة.

ومما يثير المزيد من الاستغراب صمود الوصايا زائد واحد بعد سقوط جدار برلين. اتفق الجميع عندما انتهت الحرب الباردة قبل ثلاثين عاماً وفي هذا الشهر بالتحديد على انبثاق فجر جديد من العلاقات الدولية.
تلاشى الاتحاد السوفيتي والذي كان التهديد الأكبر الذي شجع على خلق الوصايا العشر. استنبط جيل جديد من المكنمارين والومايين والنيتزيين والتايلريين منطقاً جديداً للحفاظ على صنائع أسلافهم.
وكان ذلك المنطق قابلاً للتوسع. كان الهدف الأسمى للوصايا زائد واحد خلال الحرب الباردة تجنب الكارثة المريعة ليوم الفصل (نهاية العالم).
وسعت لتشجيع الهدف الأسمى لإعادة تشكيل العالم وفق الصورة التي تحبذها أمريكا.
قدمت الوصايا زائد واحد الآن ومع وجود “قوة عظمى وحيدة تسيطر على النظام العالمي” وصفة لتدعيم الأولوية الأمريكية الأبدية وضمان الانتصار العالمي للقيم الأمريكية.
أو على الأقل أقنع أعضاء نخبة السياسية الخارجية الثملة أنفسهم بذلك.
لم يحضر السلام والانسجام في أعقاب الحرب الباردة ولكنه اُستبدل بنشاط غير مسبوق للعسكرة الأمريكية. كانت تلك هي الفكرة النظرية المشتركة لرئاسات كل من جورج بوش الأب وبيل كلينتون وجورج بوش الابن وباراك أوباما. تدخلت الولايات المتحدة خلال ربع القرن الذي انقضى ما بين سقوط جدار برلين وانتخاب دونالد ترامب في الهجوم على بنما والعراق والصومال وهايتي والبوسنة وكوسوفو وأفغانستان والسودان وأفغانستان مرة ثانية والعراق ثانية وليبيا والصومال مرة ثانية واليمن وسوريا والعديد من دول غرب أفريقيا وبشكل مقتضب في الباكستان. لم تنتهي تلك المهام إذا أخذنا بعين الاعتبار تفضيل الرئيس لقوات التدخل الخاصة في عمليات بالغة السرية وببساطة تلاشى التحفظ والاحتراز من استخدام القوة.
وصلت الوصية الحادية عشرة اليوم إلى وضعية مماثلة لعقيدة العصمة البابوية. مرر الكونجرس بسرعة في أعقاب أحداث 11 أيلول تخويلاً مفتوحاً لاستخدام القوة العسكرية مما مكن الرئيس “من اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع وكبح أفعال الإرهاب الدولي ضد الولايات المتحدة.”
سلم الكونجرس القائد العام للقوات المسلحة في الواقع شيكاً على بياض.
أصبح تخويل استخدام القوة قانوناً بتاريخ 18 أيلول عام 2001في أعقاب تصويت بالإجماع في مجلس الشيوخ مع اعتراض شخص واحد في مجلس النواب. أظهر هذا القانون ديمومة ومرونة ملفتة للنظر خلال الثمانية عشرة عاماً التي تلت ذلك التصويت.
ومما يعرض ديمومته على أكمل وجه الحروب العديدة التي شنت برعايته. وتعرض مرونته “مصفوفة التنسيق” المنسوبة لباراك أوباما وهي عبارة عن عملية سرية قامت ادارته باستنباطها لتنظيم قتل أي شخص على سطح الكوكب قد يشكل تهديداً للولايات المتحدة. رشح كل ذلك من المداولات الباردة والاستشارات المطولة التي طبعت توقيع أوباما وقام بالعمل بما يتوافق مع شروط تخويل استخدام القوة وبتعبير آخر أجاز أوباما الاغتيالات كمركب جوهري من مركبات السياسة الأمريكية. أصبحت الحرب في واشنطن مهمة مستديمة لا تعترف بأية حدود.
في الداخل أو الخارج؟ قديم أم جديد؟
إذا قمت بقراءة الصحف أو مشاهدة الأخبار على التلفاز سوف تستنتج أن القضية المحورية في عصرنا الراهن هي مصير أكراد سوريا ومسؤولية القوات المسلحة الأمريكية عن سلامتهم. قد يتلاعب مثل ذلك الاستنتاج بضميرنا المأزوم ولكنه يفضي بلا شك إلى استنتاج خاطئ.

ويمكن اعتباره أحدث ما وجد في سلسلة طويلة من مثل تلك الخيانات الأمريكية كما ثبت مع قبائل أمريكا الأصلية والقوميين الصينيين والمنفيين الكوبين والفيتناميين الجنوبين وأجيال سابقة من الأكراد. ولذلك يمكن القول إن ترامب لم يتخلى عن السوابق الماضية.
لا تتعلق القضية الراهنة بالكرد بل بسؤال أكبر بكثير:
هل يتوجب على الولايات المتحدة تأبيد المشروع العسكري المسمى غالباً، وإن على خطأ، “الحرب العالمية على الإرهاب”؟ أو هل يتعين على الولايات المتحدة إدراك فشل ما يسمى الحرب العالمية على الإرهاب قد وأن الوقت قد حان للنظر إلى منهج مختلف للتعامل معه؟
إذا سلمنا بأن الحرب العالمية على الإرهاب تمثل الوصايا العشرة زائد واحد المطبقة على الشرق الأوسط الكبير وإن “المختلف” يعني ضمناً إعادة فحص كلي لسياسة الأمن القومي الأساسية وهو المنظور الذي يقلق مؤسسة السياسة الخارجية.
نجد أنفسنا مع اقتراب الذكرى العشرين للحرب العالمية على الإرهاب في موضع تقييم ما أنجزته تلك الحرب بالفعل. قد يكون هناك فسحة ممكنة لاختلاف الآراء ولكنني أقول في حكمي عليها أن النتائج تتراوح ما بين الكارثية والمخيبة للآمال وهذا مؤكد بالطبع: إذ إننا لم نكسب ولا يوجد أي نصر على مد البصر.
إذا سلمنا بأن صدام حسين قد رحل وكذلك معمر القذافي في ليبيا رغم مسؤوليتهما عن جرائم فظيعة (وبراءتهما من أي تدخل مباشر بأحداث 11 أيلول).
لا تحكم طالبان القمعية كابول في الوقت الحالي. وأضحى أسامة بن لادن وأبو بكر البغدادي في عداد الأموات.
يستطيع أنصار الحرب العالمية على الإرهاب والوصايا العشر زائد واحد الإشادة بتلك الأمور واعتبارها إنجازات إيجابية.
ولكن إذا قمنا بتوسيع الفجوة قليلاً ستبدو النتائج أقل إذهالاً.
أفضت أجندة جورج بوش للحرية إلى تغيير النظام في كابول وبغداد وطرابلس ولكنها لم تنتج ديموقراطية ليبيرالية بل اضطراب مستديم وفساد واسع الانتشار وعنف مستوطن.
لم تعترف طالبان قط في أفغانستان بالهزيمة وتهدد اليوم الحكومة الأفغانية المعينة من قبل الغرب.
أصبح الغزو العبثي وغير الشرعي للعراق والذي سُوق له تحت شعار عملية الحرية العراقية هدية لأعدائنا بدلاً من تأكيد التفوق العسكري الأمريكي والنوايا الطيبة. وإذ تمكن أي كان من ادعاء النصر في حرب العراق فإن ذلك الشرف سيعزى لجمهورية إيران الإسلامية. خلقت القوات الأمريكية فراغاً في السلطة من خلال قلب النظام الإقليمي الراهن مما سهل ظهور حركات إرهابية جديدة مثل داعش.
تستحق حروب أمريكا ما بعد 11 أيلول لقب “الأزلية” ورغم اسهامها بقتل مئات الألاف من البشر وتبديد تريليونات الدولارات على مدار سنوات عديدة لم تقترب الولايات المتحدة قيد أنملة من تحقيق أهدافها السياسية المعلنة.
يقدم مأزق الأكراد في سوريا توصيفاً صغيراً ولكن مفصلاً لحجم ذلك الفشل.
يقول رئيس الولايات المتحدة الآن والذي يعمل وفق السلطة الممنوحة له من قبل الوصية الحادية عشرة أنه يريد إنهاء تلك الحروب.
يمكن تشبيهه بآدم في جنة عدن: يفعل الشيء الوحيد الذي لا يسمح له بفعله-أو في حالة ترامب يقوم بعرض نيته لفعل ذلك على الأقل.
أصر المدافعون عن الوصايا العشر زائد واحد استجابة لذلك وفي شبه اجماع ديموقراطي وجمهوري على أن الرئيس ترامب لا يمكنه تنفيذ ما اعتزم القيام به. ولنتذكر عقيدة جورج دبليو بوش للحرب الوقائية –والتي يتم التعبير عنها أحياناً “بالدفاع الوقائي عن النفس” –التي لم تثير معارضة كبيرة في أفضل الأحيان وغالباً ضمن إطار الخطوط الحزبية.
يمكن قول الشيء ذاته عن تعيين باراك أوباما لنفسه القائد العام للاغتيال.
عبر دونالد ترامب عن نيته لسحب القوات الأمريكية من سوريا كخطوة أولية نحو تخفيض وجودنا العسكري الإقليمي مما أثار انتقاداً عنيفاً وبأقسى التعابير من قبل الحزبين.
لجأ زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ ميتش ماكنيل وهو عادة المدافع الأكبر عن الرئيس عادة إلى صفحات الواشنطن بوست للإعراب عن رفضه لقرار ترامب بتعابير مؤكدة. واتسم مقاله بالخلط بين أنصاف الحقائق والغلو ويستحق عن جدارة نموذج “الأخبار المزيفة”. ولكن يستحق ماكنيل التنويه بسبب ما قاله: يتفهم رغم الخلاف بين ترامب ومؤسسة السياسة الخارجية اعتبار مصير أكراد سوريا أكثر من مجرد عارض طارئ.
والقضية الأساسية وفق ماكنيل هي الحفاظ على “النظام العالمي التالي للحرب العالمية الثانية” ويؤكد أنه حافظ على عصر “غير مسبوق من السلام والازدهار والتطور التقني”.
تبقى الولايات المتحدة إثر خلق ذلك النظام “أمة لا يمكن الاستغناء عنها” وهي عبارة أدخلتها مادلين أولبرايت وبيل كلينتون في بداية التسعينات من القرن المنصرم. يتطلب الحفاظ على منافع ذلك النظام الحفاظ على التوافق مع الكرد والحفاظ على الوجود العسكري الأمريكي عبر الشرق الأوسط وفوق كل هذا وذاك الحفاظ على الإطار الراسخ لسياسة الأمن القومي. وباختصار يبدو الاستسلام للوصايا العشر إجبارياً ويتعين حتى على الرؤساء المتميزين تقديم فروض الطاعة.
إذا ايقنت الآن أن العالم الذي نحيا به اليوم لا يختلف بأية طريقة مهمة عن العالم الذي تواجد في أعقاب الحرب العالمية الثانية قد تمتلك حجة ماكنيل بعض المزايا. حمل الاقتصاد الأمريكي في ذلك الوقت العبء بكل معيار يمكن تخيله. استُنزف حلفاء أمريكا بسبب الحرب وكانوا بحاجة ماسة للمساعدة الأمريكية وكانوا مع قوات المحور المهزومة ألمانيا واليابان عرضة لنشيد الشيوعية الهادر.
بدا أن الاتحاد السوفيتي بالنسبة لبعض المراقبين عازماً على الاستيلاء على العالم.
لا تزال القوى الاستعمارية مثل بريطانيا العظمى وفرنسا وهولندا مؤمنة بالوهم القائل إنها كانت قادرة على إسكات مطالب حق تقرير المصير القومي في جنوب وجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا.
قدمت الأسلحة النووية مصدراً للاطمئنان بدلاً من الاهتمام-ولم يمتلكها أي منهم سوى الولايات المتحدة. وأخيراً قد تسبب الأزمة المناخية المنسوبة للنشاطات البشرية في يوم من الأيام ضرراً مرعباً على المستوى العالمي لم يخطر في خيال أي كان.
لقد أحبط الزمن كل جزئية من هذا الباطل. أصبح” النظام العالمي الذي تلا الحرب العالمية الثانية” والذي تبجح به ماكنيل مجرد خيال لا يتعلق بالحقيقة الراهنة قدر الاعتقاد بخرافة السن (الاعتقاد الفولكلوري بأن الطفل الذي يقلع سنه ويضعه تحت وسادته سيستيقظ في الصباح ليكتشف أن جني الأسنان قد استبدل السن ببعض المال).
يبدو ترامب فيما قد يبدو أنه الميزة الوحيدة المخلصة لهذه الرئاسة العميقة الأغوار عازماً على نفخ الصافرة باتجاه هذه التمثيلية.
لا تتعدى جهوده للأسف أكثر من إحداث المزيد من الضجيج. لم يؤدي سحب القوات الذي أعلنه بنزعة استعراضية إلا إلى مجرد إعادة انتشار للقوات ضمن المنطقة بدلاً من عودتها إلى الولايات المتحدة. والأسوأ من ذلك كله الفرقة المتنافرة من المتوسطين المحيطين بالرئيس والمؤلفة غالباً من المؤمنين بالوصايا العشرة زائد واحد. يرغب ترامب بطريقته الجاهلة التلقائية بالتغيير ولكنهم يعارضونه.
ونتيجة لذلك لا تستحق المبادرات الدبلوماسية التي قد تفتح الباب لإنهاء الحروب الأزلية-مثل التفاوض على إعادة العلاقات الدبلوماسية الطبيعية مع طهران مثلاً أو تقييد مبيعات الأسلحة (والعطايا) للدول التي تستخدم الأسلحة المصنعة في أمريكا لخلق الأذى أو عرض السيادة عبر إعلان سياسة عدم الاستخدام الأول للأسلحة النووية-أي نقاش.
ولذلك يُترك ترامب يرفرف وحيداً على أمل تقديم أسئلة مشروعة لا يستطيع هو الإجابة عنها.
إن مخاوف المدافعين عن الوصايا العشر ليست في غير موضعها: فسوريا هي القمة الحرة للخيط المتدلي. إذا قمت بشد ذلك الخيط بقوة سينفرط النسيج الكامل الملتهم للفراش والذي يشكل سياسة الأمن القومي الأمريكي.
سيتطلب الأمر شخصاً بعزيمة أقوى وقوة شخصية أعظم وانسجام أشد من دونالد ترامب للقيام بهذه المهمة الضرورية.

-المؤلف أندرو باسيفيتش هو رئيس معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول والأستاذ السابق للعلاقات الدولية والتاريخ في جامعة بوسطن.
كتب العديد من الكتب منها: “العسكرة الأمريكية الجديدة”(عام 2005) وكتاب” حدود القوة: نهاية التميز الأمريكي”(عام 2008) وكتاب “قواعد واشنطن: مسار أمريكا نحو الحرب الدائمة”(عام 2010) وكتاب: “حرب أمريكا من أجل الشرق الأوسط الكبير (عام 2016) وكتاب: “عصر الأوهام: كيف بددت أمريكا انتصارها في الحرب الباردة” الذي سيصدر في كانون الثاني عام 2020.
نشر هذا المقال بتاريخ 31 تشرين الأول عام 2019 في موقع توم ديسباتش الأمريكي.

المصدر:
https://www.tomdispatch.com/post/176623/tomgram%3A_andrew_bacevich%2C_why_those_%22endless_wars%22_must_never_end/

حول

تفقد أيضاً

دراسة: حتى الزيارات القصيرة لمدن شديدة التلوث قد تضر القلب

(رويترز) – عادة ما يرتبط تلوث الهواء بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب، لكن باحثين يقولون …

أمريكا تفرض عقوبات جديدة على شركة طيران إيرانية

(رويترز) – فرضت الولايات المتحدة يوم الأربعاء عقوبات جديدة على أكبر شركة طيران في إيران …

تركيا تقول إن اتفاقها الأمني مع ليبيا لا يشمل نشر قوات

(رويترز) – قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو يوم الأربعاء إن الاتفاق الأمني بين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.