الرئيسية / حوارات / عبد الحسين شعبان: الفكر العربي يعاني من الركود وعدم الحيوية

عبد الحسين شعبان: الفكر العربي يعاني من الركود وعدم الحيوية

حاوره : د. خالد شوكات/

1- اشتغلت لعقود على نقد الفكر العربي المعاصر بمدارسه المتعددة، في سياق نزعتك النقدية والتجديدية، فكيف تقيّمون حال هذا الفكر الآن؟

ج1 – للأسف ما يزال ما نطلق عليه ” الفكر العربي” بمدارسه المختلفة يعاني من الركود وعدم الحيوية، بل إنه غالباً ما يلجأ إلى الماضي لاجترار بعض الأحكام، تلك التي حتى لو كانت صالحة لزمانها، فإنها لا تصلح لزماننا، “والأحكام تتغيّر بتغيّر الأزمان” وتلك قاعدة فقهية معروفة. وحسب الإمام علي بن أبي طالب ” لا تعلمّوا أولادكم عاداتكم لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم”، وهكذا فإن للضرورة أحكام.
الإتكالية والتعويلية وعدم القدرة على الخلق والتجديد جعلت التيارات الفكرية المعاصرة في العالم العربي بكل تفريعاتها ومدارسها، سواءً أكانت قومية أم ماركسية أم إسلامية، أسيرة للماضي وتعيش عليه، وذلك ما زاد من تخلّفها وعدم مواكبتها روح العصر.
والماضوية تعطّل الحوار وتلجم المتحاورين، خصوصاً حين يستعينون باقتباسات تعود إلى قرون من السنين، فما بالك إذا كانت من القرآن أو السنّة النبوية أو من أقوال ميشيل عفلق أو جمال عبد الناصر أو من ماركس أو لينين، عندها يتوقّف النقاش، طالما وصل إلى المناطق المحرّمة، وكأن ما قيل في السابق أصبح ” مقدّساً”، وهكذا يتغالب المتحاورون بعضهم على بعض أو يتشاطرون باختيار الاقتباسات ليستدلوا على قربهم من “النظرية” أو “الفكرة” أو “الآيديولوجيا” أو ” التعاليم” التي ينتسبون إليها ويزعمون أنهم يحافظون على نقاوتها ضد تشويهات الأعداء أو الخصوم حتى وإن كانوا من الفريق الواحد.
الفكر العربي المعاصر بحاجة إلى التخلّص من ثقل الماضي دون القطيعة مع التراث، بل استلهامه، ولكن دون الغرق فيه، فالماضي أصبح ماضياً ولا يمكن استعادته، في حين يمكن الاستفادة من دروسه وعبره، مثلما يحتاج إلى قراءة الواقع في ضوء التقدّم العلمي والتكنولوجي، لاسيّما في ظل العولمة وثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا المعلومات والإعلام والطفرة الرقمية “الديجيتل”، ولا بدّ من نفض غبار الزمن وفتح النوافذ والأبواب لاستقبال هواء الحريّة، بمعنى “التحرّر” من عقد الماضي وإشكالاته الذي يتم استعادته في الكثير من الأحيان في عودة “سلفية” ضد منطق الحياة ذاتها، وضد منطق التطور والتغيير الذي لا غنى عنها.

2- أطروحاتك في نقد “الماركسية” والماركسيين ، خصوصاً كتابك “تحطيم المرايا”، كانت من الناحية الفكرية والعلمية في غاية الأهمية، فهل تلمسون لذلك أثراً في أداء اليسار العربي الراهن؟

ج 2- أثار كتاب “تحطيم المرايا – في الماركسية والاختلاف” الذي صدر عن الدار العربية للعلوم (ناشرون) ، بيروت، 2009 ، اهتماماً غير اعتيادي، فقد نظّمت له ندوة كبرى في بيروت وندوتان في القاهرة (في حزب التجمع – مجلة نقد وأدب) وفي مركز آفاق للدراسات الاشتراكية،(صلاح عدلي- الحزب الشيوعي المصري لاحقاً) وفي بغداد التأمت ندوة كبيرة في جامعة النهرين- مركز الدراسات الاستراتيجية، ساهم فيها سبعة من أساتذة الجامعة، وأخرى في مدينة العمارة، وفي تونس بادر “مركز الجاحظ” بتنظيم ندوة مهمة عنه، وكان من المؤمل أن تنعقد حوله مائدة مستديرة في دمشق وحلقة نقاشية في صنعاء، لكن بعض التطورات السياسية حالت دون ذلك، وكُتب عنه عدداً من الدراسات والأبحاث وغطّت الصحافة المكتوبة والمقروءة والمسموعة أخباراً ونقاشات عنه، وقام مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية بجمع نحو 40 مساهمة عنه تضمنت أسئلة وحوارات وآراء نقدية وطلب مني كتابة مقدمة لها، وضمّها في كتاب مع مقدّمة مطوّلة، وصدر بعنوان “الحبر الأسود والحبر الأحمر – من ماركس إلى الماركسية ” الذي أثار هو الآخر جدالات كثيرة.
أعتقد أن اليسار العربي بشكل عام واليسار في كل أنحاء العالم أدرك أنه ليس بإمكانه اليوم الاستمرار في نفس أطروحاته السابقة، وما عليه إلّا إجراء مراجعة جادة ومسؤولة، وقراءة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتاريخية ذات الخصوصية، ليس عبر مسطرة الآيديولوجيا، بل انطلاقاً من الواقع بكل تشابكاته وتعقيداته، والسعي لتغييره وتطويره بما يستجيب لسمة العصر، خصوصاً وقد فشلت جميع التجارب الاشتراكية بقضّها وقضيضها، وقادت إلى أنظمة تسلطية وبيروقراطية حزبية أوصلت البلاد إلى طريق مسدود، ناهيك عن انسداد آفاق التنمية، وشهدت التجربة الاشتراكية المطبّقة في عدد من البلدان التي حكمتها شحّ الحرّيات وتجاهل التنوّع وعدم الإقرار بالتعدّدية، إضافة إلى اختناقات اقتصادية ، والأهم من ذلك معارضة واسعة من السكان وبشكل خاص من العمال في الكثير من الأحيان، والتي زعمت تلك التجارب أنها تمثلهم باعتبار الحزب هو “الطليعة” أو يعبّر عنهم.
وكان فشل “تجارب الأصل” قاد إلى إخفاق “تجارب الفرع” التي حاولت تقليد التجربة الاشتراكية، باقتباس النموذج ذاته: حزب واحد تدور حوله جبهة وطنية شكلية وأجهزة مخابرات تكاد تكون مطلقة الصلاحية وإعلام ديماغوجي وبيروقراطية حزبية متعالية يقف على رأسها اللجنة المركزية فالمكتب السياسي فالأمين العام الذي تنسب إليه جميع الفضائل : البطل، المفكّر، الفيلسوف، الأديب، القائد، الزعيم.
ومع ذلك فإن هذه القراءة لم تكن واحدة، فبعض أجنحة اليسار انكفأت على نفسها، والأخرى تخلّت عن منطلقاتها بزعم التغيير، وهناك توجه ثالث حاول الاجتهاد من خلال النقد مع التمسك بقيم العدالة الاجتماعية التي انطلق منها، ولكن مع الأخذ بنظر الاعتبار الواقع الجديد والتغييرات الكبيرة في ميزان القوى على المستوى الدولي.
ويمكن القول إن اليسار العربي تتجاذبه ثلاث اتجاهات:
الاتجاه الأول – “المتجمّد” الانعزالي والذي اتّسم بالجمود العقائدي ورفض قراءة التحوّلات الجارية على النطاق العالمي، بما فيها من تأثيرات للعولمة واعتبر كل ذلك مجرد انحرافات وتشويهات، ولذلك ظلّ متمسّكاً بالماضي ويعيش على الذكرى، فانكمش وتقلّص إلى حدّ التجمّد والتكلّس، وظلّ يردّد بعض المقولات التي عفا عليها الزمن ولم يقدّم أي مساهمة جدّية لفهم التغييرات الجديدة والسبيل لمواجهة التحديّات.
الاتجاه الثاني – “السائل” المعولم، الذي وجد في انهيار جدار برلين في نوفمبر (تشرين الثاني) 1989 وسقوط الأنظمة الاشتراكية وتحلل الاتحاد السوفييتي، فرصة لاستبدال ولائه من موسكو إلى واشنطن، خصوصاً وبعضه كان الأكثر “تبعية” للسوفييت لدرجة أنه لم يتورّع من إخضاع مصائر حزبه وشعبه لمصلحة “الأممية” كما كان يبرّر، وإذا به ينقلب رأساً على عقب، فتحت عنوان ” المتغيرات الدولية” و” العامل الدولي” يستدير نحو ” معسكر العدو” ويصطف مع الولايات المتحدة، بل ويبرر مشاريعها العدوانية وخططها الحربية.
وشارك بعض “المتمركسين” في المشروع الأمريكي الذي أطلق عليه “مشروع تحرير العراق” بزعم وجود أسلحة دمار شامل وعلاقة نظامه الدكتاتوري بالإرهاب الدولي، والسعي لاستبداله بنظام ديمقراطي، واتّضح عقم تلك المزاعم وخطلها وتحمّل الشعب العراقي تبعات الحصار الدولي، ونتائج ” الفوضى الخلاقة” فيما بعد، فضلاً عن تفشي ظواهر العنف والإرهاب في المجتمع العراقي على نحو لم يسبق له مثيل.
الاتجاه الثالث- “النقدي”، الاجتهادي ، وإن كان محدوداً، وهو الذي قرأ الماركسية بعقل منهجي- نقدي، خارج دائرة الماركسية “المسلكية – الذرائعية” و”الطقوسية – المدرسية”، بعيداً عن الجمود والانزياح في آن.
ويمكن القول إن هناك صلة خفيّة بين الجامدين أو الانعزاليين وبين المتحلّلين أو الانزياحيين، وهي ابتعادهم عن جوهر المادية الديالكتيكية، وتحويل الماركسية إلى مجرد عنوان شكلي دون محتوى أو مضمون. وقد كان ماركس يؤمن بالحركة والتطوّر، وهو بالتالي يؤمن بأن الفكر نتاج الحركة، وأن فهم العالم يعني فهم التغيير، والتفسير هو تغيير ما نفهم أو ما نقع عليه… ولا يوجد فهم نهائي إلاّ على المستوى الإجرائي. إننا نثبت المعارف قليلاً في حافظة علمية لكي نقوم بتجاوزها وبالتالي فإن ” الوعي” هو غير الفهم، فالوعي علاقة مباشرة بالمعرفة، بينما الفهم هو علاقة مباشرة بالوعي لأن الفهم هو تقليب الوعي، بينما هذا الأخير هو صلة لا بد منها لكل معرفة ، والتجربة هي مظهر من مظاهر التلاقي بين الوعي والفهم، لأن غالباً ما نعي أموراً كثيرة دون أن يتوفر لنا أوان فهمها.
لا يمكن اختزال الماركسية بماركس مع أنه كان الحلقة الذهبية الأولى فيها بما ابتدعه من منهج ودليل عمل ، لكن أحكامه وتعليماته تصلح لعصره، فضلاً عن أن الكثير منها تجاوزها الزمن أو لم يثبت صحتها ، وعلينا إن كنّا أوفياء للمنهج المادي الديالكتيكي أن نستنبط الأحكام والتعاليم منه عند دراسة واقعنا وظروفنا التي نحن أكثر معرفة بها ، وبهذا المعنى دائماً ما كنت أردّد ” إنني أنتسب إلى المنهج وليس إلى الشخص مع إعجابي الشديد بشخص ماركس ودوره التاريخي كفيلسوف اجتماعي ومفكر اقتصادي ومؤسس للحركة الشيوعية”.
إن هذا يفسر غياب أو انحسار الفلسفة في العالم المعاصر، وذلك لأن المعلوماتية المتطوّرة قد تقود إلى ” أمّية ” بالفهم، وهي مقولة تكرّرت لدى بعض الباحثين، لكنهم بما حملوه من ملامح فكره نافذة وومضة نافذة وذكية بقدر ما تكون المعرفة متاحة، فإن الفهم يصبح نادراً وغير مسموح به كثيراً.
إن الوضعية النقدية هي طموح نظري نحو تحقيق الفهم الماركسي لوعي العالم ووعي المعرفة، لا من خلال ما هو سائد، بل من خلال ما هو نقيض له، أو مخالف له، أو معارض داخله. وتُعنى الماركسية بفهم العالم دون الإسراف بتصديق الوعي أو الإنحباس داخله، لأن الوعي يمكن أن يكون “زائفاً ” أو “مغشوشاً”، وهو غالباً ما يحمل مخلّفات الآيديولوجية السائدة، وهذه الأخيرة تقابل مفهوم النسق أو البُنيات اللّاشعورية عند ميشيل فوكو!
لقد أطلق ألتوسير رسالته ” ضد استغلال الإنسان للإنسان” ودعا إلى تحقيق المساواة وإطلاق الحرّيات بما فيها حرّية الإبداع والجمال عبر القراءة الماركسية الحرّة والمتحرّرة لماركس من “ماركسيته”، وهذا الأمر قريب مما أفكر به شخصياً عندما استخدم الماركسية كمزيج للنقد والنقد الضدي، حيث تتمّ عملية كشف للواقع بكل عيوبه ومثالبه، بهدف تقويمه وإعادة بنائه وفق منظومة فكرية لحمتها وسداها تحقيق المساواة وقيم الجمال والحق، وهي ضرورية للحقوق المدنية والسياسية، وهي جزء من المنظومة الكونية والتي ما زالت ملتقى للبشرية باتجاه خير الإنسان وسعادته.
وأعتقدُ أن هذا جوهر كل فلسفة، سواءً كانت مادية أم مثالية، وجوهر كل دين وجوهر كل نظرية هو السعي “لإسعاد البشر” وظلّ هذا هاجس البشرية منذ بدء الخليقة حتى الآن، وهو يتطور بتطور حاجات الإنسان المادية والروحية.
3- كانت الحركة الديمقراطية والحقوقية العربية ، التي أنت أحد روّادها المعروفين، تحلم بتغيير ديمقراطي كبير يعيد الوطن العربي إلى سكة التاريخ، فكيف ترى هذا الحلم بعد سنوات من الربيع العربي؟

الأحلام تتوالد ولا تنتهي، لأن مجرد جفاف الحلم أو ذبوله، في ذهن الإنسان يعني شعوره بالقنوط والإحباط، وربما اليأس. كنت ولا أزال منذ نحو 4 عقود من الزمان أشعر بالتشاؤم، لأن كل ما حولنا مدعاة له، والتشاؤم هو غير اليأس، فالأخير يعني الاستسلام والخنوع، والسعادة في النضال من أجل أحلامنا المتجدّدة، أما التشاؤم فهو إدراك الواقع والعمل على مقاومته من أجل تغييره.
كنت وصديقي الروائي العراقي والإعلامي الساخر شمران الياسري ” أبو كاطع” نتبارى في تشاؤمنا، وأحياناً أبدو ” متشائلاً”، بنحت من الروائي الفلسطيني أميل حبيبي وروايته الشهيرة ” سعيد أبي النحس المتشائل”، لكنه سرعان ما أعود إلى تشاؤمي، وأعترف إنه كان أكثر تشاؤماً منّي، بل أكثر ثباتاً في تشاؤمه. لكن ثمة آمال كانت تراودني أحياناً، وهي تأتي خفيفة سريعة منعشة مثل الريح التي تسبق المطر.
وعلى الرغم من أن الأجواء السياسية كانت محتدمة في العديد من البلدان العربية عشية الألفية الثالثة وبُعيدها، فكانت “تكفي شرارة واحدة ليندلع اللهب ويشتعل السهل كلّه” حسب ماوتسي تونغ فحتى وإن بدا كل شيء هادئاً واعتيادياً، لكن النار كانت تضطرم تحت الرماد، فما إن حرّكتها ريح شديدة حتى اشتعلت ملتهمة كل ما وحولها من أوهام القوة وجبروت الاستبداد، وقد أخذ الشباب العربي زمام المبادرة من أيدي الجميع، لأنه شعر بأن لا حلّ لمشاكله ومشاكل البلاد ككل، فضلاً عن خلاصها وانعتاقها، مثلما هو خلاصه وانعتاقه، إلاّ إذا قام بنفسه بإنجاز عملية التغيير، لهذا ظلّت جميع الأنشطة والفاعليات القائمة تلهث وراءه، لاسيّما بعد أن وصل به التشاؤم واليأس في تحسين الأوضاع العامة حدّاً لا يطاق في سلطات هرمة ومترهّلة وبيروقراطيات مستحكمة وتفرّد واستبداد وفساد وهدر لحقوق الإنسان.
ومع انفتاح العالم بعضه على بعض وارتفاع استخدام التقنيات الحديثة في العالم العربي بدأ ينشأ شكل جديد من المعارضة والاحتجاج، لاسيّما عبر الوسائل الالكترونية، وأصبح انتقال المعلومة وبالتالي إعادة صياغة المعرفة تراكمياً، وهو ما التقطه الشباب على نحو حيوي، بل وتم توظيفه لإحداث واقع جديد بعد رفض الواقع القديم.
هكذا كانت الثورة تتّسع بسرعة خارقة جغرافياً لتصل إلى فئات واسعة في الأحياء والمناطق والبلدات القصيّة والنائية، مثلما هي في مراكز المدن والحواضر، حيث ينفتح الشباب ويتعايش، في ظل خيال جديد غير مألوف من قبل، ولعلّ مثل هذا الخيال بفضل العولمة أصبح كونياً، وبمستطاع الفرد الاطلاع على ما يجري في العالم، فلا حدود ولا قيود لذلك، الأمر الذي زاد في اشتعال حركة الاحتجاج لتذهب متجاوزة حدود الجغرافيا، لاسيّما في ظل وعي جماهيري شبابي ورغبة في التغيير والتخلّص من واقع بائس، الأمر الذي يوحي بميلاد ملامح مستقبل جديد، خصوصاً إذا ما أُحسن قراءة ما حدث في ضوء تعزيز مشروع نهضوي عربي جديد كاستحقاق كوني تأخر نحو ربع قرن عن المسار العالمي.
لقد انكسر حاجز “الصمت” وتبدّد عامل “الخوف” وبدت الأنظمة المنيعة والقويّة، هشّة ومنخورة من الداخل، فمن كان منّا يتصور أن يبتدئ نهاره في تونس أو مصر أو ليبيا دون أن تقع عيناه على صورة بن علي أو حسني مبارك أو معمّر القذافي، سواءً عبر التلفاز أم في صحيفة أم إعلان أم ملصق في الشارع أم غير ذلك. وإذا بهم يرحلون في غضون أيام معدودات، ليس كما يغادر البشر العاديون، مواقعهم الوظيفية أو أماكن عملهم ورزقهم، بل غادر “القادة” مكرهين، مع إشارات بالأصابع والأيادي والصوت والصورة إلى الفناء، أحدهما إلى المنفى دون عودة، والآخر نُقل محمولاً إلى قفص الاتهام في حال يُرثى لها والثالث قُتل بطريقة بشعة.
كلمة واحدة هي التي أطاحت بهم “إرحل”، والأمر شمل لاحقاً استقالة ثم مقتل الرئيس اليمني علي عبد الله صالح في ظل اندلاع صراع مفتوح ما يزال مستمراً داخلياً وإقليمياً ودولياً، واليوم فإن ما يحصل في الجزائر من انتفاضة شعبية هدفها الأول كان إجبار الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على عدم الترشّح كخطوة أولى لتحقيق أهدافها على الرغم من تشبث العسكريين بمواقعهم ، وفي السودان كان هدف الهبّة الشعبية الأول إرغام الرئيس عمر حسن البشير على الرحيل بعد أن حكم البلاد 30 عاماً، وما يزال الصراع مفتوحاً بين بقايا العسكر وبين المدنيين على مستقبل الجزائر ومستقبل السودان.
هكذا انهارت الكيانات القائمة على نحو مريع وكأنها بنيان من ورق وأن كل ما بناه الرؤساء من أجهزة أمنية وأتباع وأشياع وأطيان وأقيان، ضاع مرّة واحدة وإلى الأبد، وبدا كل من حولهم يتبرأ منهم ويفكّ ارتباطه بهم ويتخلّى عنهم، كمن يريد النجاة بنفسه من سفينة تفشّى فيها داء الطاعون، فالكل يريد أن يغادر السفينة، إلّا ربانها بقي متمسكاً حتى اللحظة الأخيرة، فهلك هو ومن بقي معه.
صادف أنني كنت في براغ حين اندلعت حركة الاحتجاج وعشت وكتبت عن بعض تفاصيلها، وكيف تحوّل مسرح ليتارينا ماجيكا ( الفانوس السحري) بين لحظة وأخرى إلى “صانع قرار”، حيث كان يجتمع فيه قادة المعارضة وأعضاء المجتمع المدني، كما تحوّلت بعض المقاهي ودور النشر ومقرّات بعض مؤسسات المجتمع المدني قرب “ميدان التحرير” في القاهرة إلى مركز قرار أيضاً، وكذلك المقاهي المؤدية إلى “شارع الحبيب بورقيبة” في تونس، وقد قمت بزيارة هذه الأماكن وحاورت العديد من النشطاء الذين ساهموا في قيادة حركة التغيير في سيدي بوزيد وصفاقس والقصرين والمهدية وتونس العاصمة، إضافة إلى القاهرة في ميدان التحرير وواقعة الجمل والاسكندرية وغيرها، وهو ما أدرجته في كتابي ” الشعب يريد… تأملات فكرية في الربيع العربي”،الذي صدر عن دار أطلس ، بيروت العام 2012، خصوصاً وقد أرفقته بمقابلات متميزة مع الصديق الكاتب والباحث الدكتور خالد شوكات، الذي شارك في العملية السياسية نائباً ثم وزيراً وقيادياً بارزاً في حركة نداء تونس.
لم يكن أحد يتجرأ في الثمانينات على معارضة الرئيس محمد حسني مبارك أو المطالبة بتنحيته، لكن حراكاً تدريجياً راكم الكثير من المطالب بجرأة وشجاعة قادته العديد من مؤسسات المجتمع المدني ومعها حركات سياسية ظلّت متردّدة، ثم انخرطت لتحصد النتائج لصالحها بحكم تنظيمها ، وخصوصاً ” الأخوان المسلمون”.
وأتذكّر كيف شاع خبر مفاجأة الشاب أحمد عبدالله رزّه، لأسامة الباز مستشار الرئيس في العام 1996 ومطالبته برفض توريث الرئيس، فقد كانت تلك خطوة جريئة وشجاعة وفي وقت مبكر. وحين تأسست حركة كفاية في 21 شباط (فبراير) العام 2005 رفعت أولى شعاراتها بمناسبة ذكرى إضراب الطلاب ” لا للتوريث”، وتجرأ المفكر محمد السيد سعيد بطرح رأيه بنظام الحكم وإنسداد الآفاق وقضية التوريث علناً وأمام رئيس الجمهورية في لقاء روتيني كان يجريه حسني مبارك سنوياً مع المثقفين.
وفي العام 2008 ساهم إضراب عمال المحلّة الكبرى في 6 نيسان (أبريل) من كسر جدارية ضخمة تمثل رمزياً الرئيس مبارك، وارتفعت أصوات المعارضة والمجتمع المدني ضد التوريث، بل أن تحالفاً كان قد أنشأ لرفض التوريث.
لم يكن للانتفاضتين التونسية والمصرية رمز قائد أو زعيم مخلّد أو ملهم مخلّص، يصبح لاحقاً “معبوداً” و”مقدساً”، و”فوق حدود النقد”. ولم يكن لهما أيضاً نصوص مقدسة أو مقولات خالدة؛ فقد كانتا تواجهان الواقع المعقّد بشعارات واضحة ورمزية وواقعية في آن واحد. ومثلما كانتا ضد الصنمية، فإنهما كانتا ضد النصوصية، أي أنهما ضد المسلّمات واليقينيات والقدسيات والسلفيات المشوّهة والوعود الزائفة، وكانتا عابرتين للطوائف والطبقات الاجتماعية والمجموعات القبلية والعشائرية، واضحتين في مطالبهما، وحاسمتين برفضهما للمساومة وأنصاف الحلول، ومؤكدتين إخلاصهما ونزاهتهما والتزامهما بمطالب شعبيهما.
وقد انطلق الجيل الثوري الجديد من فضاء مجتمعي، بعيداً عن الآيديولوجيا وتفريعاتها الشمولية والدينية، مثلما كانت سمته وطنية عامة دون فئوية أو تعصب أو تطرف أو غلو.

4- أنت من كبار دعاة اللّاعنف والتسامح في المجال العربي، لكن هذا المجال فيما يبدو عصيّ على الخطاب اللّاعنفي، فهو اليوم من أكثر مناطق العالم عنفاً.. ما تفسيرك لهذه الحالة؟

ثمة أسباب لتفشي ظاهرة العنف وعدم التسامح في مجتمعاتنا، قسم منها يعود لأوضاعنا الداخلية، لاسيّما ضعف الدولة وغياب حكم القانون وشحّ الحريات وانعدام مبادئ المساواة والعدالة والشراكة في إطار المواطنة المتكافئة الأساس في الدولة القانونية المدنية العصرية، إضافة إلى ظواهر الأمية والتخلف والتفاوت في توزيع الثروة، والهوّة السحيقة بين المحرومين والمتخومين، كلّ ذلك يولّد أسباباً للعنف، إضافة إلى ما تغذّيه من عوامل أخرى مثل التمييز الديني أو الإثني أو اللغوي أو السلالي والمناطقي أو الجهوي وغير ذلك.
ويعود القسم الآخر لانتشار ظاهرة العنف إلى تداخلات الخارج، خصوصاً محاولات فرض الهيمنة والاستتباع من جانب القوى المتنفذة في العلاقات الدولية لنهب ثروات الشعوب والأمم والبلدان الصغيرة والضعيفة، الأمر الذي ينتج عنفاً في الداخل وأحياناً موجهاً للخارج، ومن دون معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والإثنية والدينية والتربوية والنفسية للعنف، وإعادة النظر بنظام العلاقات الدولية، ليكون أكثر عدالة ومساواة، لا يمكن لجم العنف أو الإرهاب، علماً بأن الأول يستهدف الضحية بذاتها ولذاتها، لأنه يعرفها، في حين يضرب الإرهاب عشوائياً بهدف خلق حالة رعب في المجتمع وإضعاف ثقة الدولة بنفسها وثقة المواطن بالدولة.
ستكون مخاطر العنف كبيرة وتزداد بالتراكم مع مرور الأيام لتصبح هناك بؤراً عنفية مستديمة، حيث يفقس بيض العنف وينتشر فايروس الإرهاب ولا يمكن القضاء على العنف بالعنف، مثلما لا يمكن مواجهة الإرهاب بالإرهاب، وإنما يحتاج الأمر إلى معالجات طويلة الأمد وخطط استراتيجية بعيدة المدى ومتدرّجة في الآن، علماً بأن الجانب الأمني والعسكري لا يمكنه وحده إنهاء ظواهر العنف والإرهاب، والأمن ينبغي أن يكون مترافقاً مع الكرامة، ولا أمن دون كرامة المواطن، وكرامة المواطن وتحقيق المواطنة السليمة مرتبطة كذلك بالأمن، خصوصاً الأمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري والثقافي والديني وغير ذلك من مفردات الأمن الإنساني بمختلف جوانبه وفروعه وحيث جاء في القرآن الكريم “سورة قريش ” الآية 4 ” الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف” .
المسألة تحتاج إلى كفاح فكري طويل الأمد بحيث يتم حشد جميع الجهود للقضاء على ظواهر العنف والإرهاب، أولاً وقبل كل شيء تحتاج المجابهة إلى إرادة سياسية موحّدة، وثانياً إلى مساهمة جادة من المجتمع المدني وثالثاً إلى خطة إعلامية وتربوية في المجالات المختلفة للتصدّي لظاهرتي العنف والإرهاب، في إطار منهج حديث وعصري. ورابعاً احترام الحقوق والحريات، إذْ أن التجاوز عليها بحجّة الأمن يؤدي إلى تدهور حال حقوق الإنسان، التي ستكون تربة صالحة لأعمال العنف والإرهاب.
ولكي يتم تطويق ظاهرتي التعصب والتطرف والقضاء عليهما، لكي لا يتحولا بالسلوك إلى عنف وهذا الأخير قد يصبح إرهاباً، فلا بدّ من خطاب جديد، وقبل ذلك لا بدّ من فكر جديد، لكي يتم تجديد الخطاب على أساسه، والأمر يحتاج إلى وضع معالجات طويلة الأمد تقوم على عدد من الدوائر والجبهات:
الأولى – الجبهة الفكرية والحقوقية، باعتماد مبادىء المواطنة والمساواة.
والثانية – الجبهة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتلك التي تستوجب توفير ظروف مناسبة للعيش الكريم، وفرص عمل متكافئة، ودون تمييز لأي سبب كان وتهيئة فرص تعليم وضمان صحي واجتماعي، الأمر الذي سيقطع الطريق على الفكر التعصّبي المتطرّف والإرهابي.
الثالثة – الجبهة التربوية والدينية، والأمر يتطلّب تنقية المناهج الدراسية والتربوية عن كل ما من شأنه ازدراء الآخر أو تحقيره، لأن ذلك سيؤدي إلى إشاعة مناخ من الكراهية والأحقاد والكيدية، فالجميع بشر ومتساوون في الكرامة الإنسانية، وحسب قول الفاروق عمر: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا” أو قول الإمام علي لعامله في مصر مالك بن الأشتر النخعي: “لا تكن عليهم (أي على الناس) سبعاً ضارياً لتأكلهم، فالناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق”.
ويحتاج الأمر إلى عمل طويل الأمد، ودون هوادة لإصلاح المجال الديني بما ينسجم مع سمة العصر والتطوّر وإدماج المناهج والمدارس الدينية مع المناهج والمدارس التي تعتمدها الدولة بهدف توحيدها وإشاعة الثقافة المدنية فيها، وجعل الدين في خدمة المجتمع مُيسّراً، وذلك بالعيش المشترك لأتباع الأديان في إطار دولة تقوم على المساواة وتحترم الجميع وتأخذ بمبادىء الكفاءة والإخلاص للوطن، في تولّي الوظائف العامة.
الرابعة – هي الجبهة القانونية والقضائية، ولا بدّ من تأكيد مبادىء احترام القانون وعدم التجاوز عليه لأي سبب كان، وحسب مونتسكيو فـ”القانون مثل الموت الذي لا يستثني أحداً”، أي أنه ينطبق على الجميع.
الخامسة – الجبهة الإعلامية والمدنية، وهنا ينبغي أن يلعب الإعلام دوراً مهماً ومعه المجتمع المدني في نشر ثقافة التسامح واللاّعنف والسلام المجتمعي واحترام الهويّات والخصوصيات التي هي جزء من تاريخنا بكل ما فيه من مشتركات، لا سيّما بتأكيد احترام الآخر.
السادسة – الجبهة الأمنية، وهي جبهة مهمّة وأساسية، وبقدر ما هي جبهة وقائية فهي جبهة حمائية ولا بد أن تكون جبهة رعائية، وإذا كان تحقيق الأمن مسألة جوهرية وأساسية لأي تقدم وتنمية، وهو الذي اعتبره سيجموند فرويد عالم النفس النمساوي، موازياً للكرامة، بل يتفوق عليها أحياناً، خصوصاً في ظل الحروب والنزاعات الأهلية وانفلات الفوضى، إذ لا كرامة مع غياب الأمن، مثلما لا أمن حقيقي دون كرامة.
إذا كان التسامح قيمة حضارية وواقعية على المستوى الكوني، فهناك رافعات أساسية لتجسيده، لكي يستطيع العالم الخروج من غلواء التعصّب والتطرّف والإقصاء والتهميش والعنف والإرهاب. ولن يتحقق ذلك بدون توفير تربة خصبة لبذر بذوره، وتعميق الوعي الحقوقي والأخلاقي والقانوني والاجتماعي بأهميته، من خلال الإقرار بالتنوّع والتعددية وقبول حق الاختلاف والمغايرة والتعايش واحترام الآخر، سواءً كان ذلك على المستوى الفردي أو الجماعي أو على مستوى الحكومات والدول.
وبقراءة الوضع الراهن فهناك أربعة مواقف أو اتجاهات فكرية عربية من مسألة التسامح:
الاتجاه الأول-الذي نطلق عليه “الرافض” فهو يرفض كل حديث عن التسامح على النطاق الديني أو الفكري أو السياسي أو الثقافي أو الاجتماعي، الداخلي أو الخارجي (الدولي) بحجة امتلاكه للحقيقة والأفضليات، أما المختلف والآخر فإنه لا يمثّل سوى النقيض، وعلى المستوى العالمي فإنه يمثل الكفر والإستكبار.
الاتجاه الثاني- هو الإصلاحي وهو تعبير عن تيار إصلاحي (توافقي) يتقبّل بعض أفكار التسامح بانتقائية بهدف مواكبة التطور الدولي، لكنه يظل مشدوداً للفكر التقليدي السائد، وإنْ كان يسعى للتواصل مع الآخر بحذر شديد، وربما بريبة أيضاً.
الاتجاه الثالث- الذي نسمّيه الاتجاه التغريبي، فهو يؤيد فكرة التسامح ويحاول تعميمها على كل شيء، وهو يدعو إلى قطع الصلة بالتراث والتاريخ واعتبار التسامح قيمة حداثية لا علاقة لها بالإسلام، بل يضع في اعتباره كون التسامح نقيضاً للإسلام الذي يحضّ على “العنف” و”الإرهاب” حسب فهم خاطئ لبعض الاتجاهات الإسلاموية أو الإسلامية وموقفها من الحداثة، دون تمييز بين الإسلام وبين بعض الاتجاهات السياسية.
الإتجاه الرابع- الذي نعتبره قيمياً وهو تعبير عن التيار المؤيد للتسامح، والذي ينظر إليه كقيمة عليا، لاسيما بربطه بحقوق الانسان، دون التعامل معه على نحو مبتذل فيما يتعلق بالصراع العربي- الاسرائيلي والتنكر لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، فالتسامح لا يعني التهاون إزاء حقوق الانسان أو قيم العدالة أو تبريرها تحت أية حجة أو ذريعة.
5- كنتم منحازون غالباً لمشاريع دمقرطة الأنظمة في الوطن العربي، لكن بعض تجارب التحول الديمقراطي من بغداد إلى تونس لم تجلب للناس سوى الفساد والطائفية وعدم الاستقرار، حتى عاد غالبيتهم يترحم على زمن الطغاة، فهل ترون مخرجاً لهذا المأزق؟

للأسف فشلت خطط الإصلاح والتحوّل الديمقراطي في العالم العربي باستثناءات محدودة، ويمكن القول أن التجربة التونسية على الرغم من المصاعب التي واجهتها والتحديات التي اعترضت طريقها والأوضاع الاقتصادية والمعاشية التي تمرّ بها، إلّا أنها نجحت حتى الآن في حماية الوحدة الوطنية وتطويق ظواهر العنف والإرهاب، وتمكنت من وضع دستور بتوجهات ديمقراطية يعتبر الأفضل من بين الدساتير العربية التي تم تقنينها في السنوات الأخيرة. وكانت مجلة الإيكونوميست البريطانية قد نشرت تقريراً نهاية العام 2018 عن مؤشرات الديمقراطية قسّمت فيه البلدان إلى أربع مجموعات:
المجموعة الأولى- الأنظمة الديمقراطية الكاملة وتشمل 19 دولة تتربّع على رأسها الدول الاسكندينافية، وفي مقدمتها النرويج والسويد، إضافة إلى استراليا والأرغواي وتبلغ نسبة هذه الدول إلى دول العالم 11.4%.
أما المجموعة الثانية – فأطلق عليها التقرير “الديمقراطية المنقوصة” أو “المتصدّعة”، وضمّت 57 دولة، وبلغت نسبتها إلى مجموع دول العالم 34.1، وقد صُنّفت الولايات المتحدة من المجموعة الثانية، وكذلك فرنسا وإيطاليا والهند و”إسرائيل”، وكانت تونس من الدولة العربية الوحيدة، ضمن هذا التصنيف.
المجموعة الثالثة- “الأنظمة الهجينة” وشملت 39 دولة ونسبتها إلى دول العالم 23.4%، وهي دول لا يمكن إطلاق وصف الديمقراطية أو الاستبدادية عليها، وإنما هي احتوت على عناصر من هذه وأخرى من تلك، تبعاً لمؤشرات الديمقراطية التي حدّدها التقرير.
والمجموعة الرابعة- “الأنظمة التسلطية أو الاستبدادية” وعددها 52 دولة ونسبتها إلى مجموع بلدان العالم 31.1%، وجاء ترتيب البلدان العربية بين المجموعتين الثالثة والرابعة.
إن تصنيف تونس ضمن المجموعة الثانية، إلى صف بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، وهي بلدان ديمقراطية عريقة يعني أنها تسير بالاتجاه الصحيح في طريق التحوّل الديمقراطي الذي يحتاج إلى المزيد من حكم القانون واستقلال القضاء وفصل السلطات وحماية الحقوق والحريات العامة والخاصة وتأمين مستلزمات عيش كريم وضمان اجتماعي وسلم مجتمعي وتوافق بين القوى والتيارات السياسية الأساسية على قواعد اللعبة الديمقراطية وتجنيب البلاد أي منزلقات من شأنها أن تؤدي إلى تصدعها ، وقد أدركت الحركة السياسية برمتها بما فيها القوى الإسلامية وأقصد بذلك حزب النهضة وزعيمه الشيخ راشد الغنوشي أن ليس بإمكان قوة لوحدها أن تتحكم بمصائر البلاد أو أن تحصد نتائج الثورة ، الأمر الذي يستوجب التفاهم والتعاون والتنسيق بينها بالاستفادة من تجربة “الأخوان المسلمون” في مصر، وقد أبدت الفاعليات والأنشطة السياسية، ولاسيّما المجتمع المدني نضجاً كبيراً ووعياً متقدماً حين تشبثت بالحوار ونزعت فتيل الأزمة التي اندلعت حينها وكادت أن تؤدي بالتجربة إلى المجهول، ولهذا استحق المجتمع المدني جائزة نوبل العام 2015 وهي تمنح لأول مرة لجهات مدنية وليس لأشخاص وقد كانت المنظمات الأربعة التي ساهمت في تهيئة مناخ الحوار هي الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين بتونس .
إن استعادة الوعي العربي في ظل العوامل المؤثرة الداخلية والخارجية في المشهد العربي الراهن تحتاج إلى التوقف عند الإصلاح الذي لم يعد مجرد فكرة تثير اختلافات حول المعنى المضمون أو حول الآليات والوسائل حسب ، بل أصبح قبل ذلك كلّه حاجة ماسّة وضرورة ملّحة داخلية قبل أن تكون خارجية ، لذلك اقتضى الأمر التسريع به وتوفير المستلزمات لنجاحه، خصوصاً وأن أوضاعنا العربية في الكثير من البلدان وصلت إلى حالة من انسداد الأفق ، ولهذا أخذ بعضهم يفكّر “بعمليات قيصرية ” قد لا تكون نتائجها مضمونة أو محمودة العواقب.
وعشية ما سمّي بالربيع العربي شاعت بعض المصطلحات من قبيل ” الإصلاح القسري والإصلاح الطوعي ” أو “الإصلاح بالقوة والإصلاح باللين “، و”الإصلاح المذموم والإصلاح المحمود” و”الإصلاح المنضبط والإصلاح المنفلت” لدرجة أن الإصلاح أصبح هاجساً ضاغطاً على السلطات والمعارضات، والأمر استمر حتى في البلدان التي شهدت تغييرات في قمة السلطة، فبدلاً من التنافر والاحتراب والصدام بين (السلطة و المعارضة والفعاليات الاجتماعية والمدنية)، أصبح من العقلانية والموضوعية والحكمة، حشد الطاقات لإحداث نوع من التراكم والتطوّر التدرّجي الطويل الأمد لتحقيق الإصلاح والتحوّل الديمقراطي ، بدلاً من الصراع ووصول الفرقاء إلى طريق اللّاعودة المفضي إلى المزيد من التوترات والاحتقانات الداخلية .
يمكن القول واستنتاجاً مما حصل في أفغانستان والعراق وتعرضهما للاحتلال، إنْ لم يأتِ التغيير تدرّجياً ” تراكمياً ” وضمن مسار وإنفتاح، فإنه قد يأتي عاصفاً ومدّوياً ويترك انعكاساته السلبية الخطيرة على أوضاع الحاضر وكذلك على أوضاع المستقبل، ناهيكم عن كونه يعطّل ويُبعد الاصلاح الحقيقي المنشود.
ولا بدّ هنا من الإشارة إلى أننا عندما نتحدث عن الإصلاح الديمقراطي ، فلا نقصد بذلك الحكومات وحدها، لأنها مهما حاولت وسعت، على الرغم من أنها المسؤولة الأساسية، إلاّ أنها لا يمكن أن تتصدىّ لهذه المهمة الطويلة والمعقدة بمفردها فقط. الحكومات بحاجة إلى شراكات حقيقية من مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب والمنظمات السياسية والنقابية والمهنية، للاضطلاع بدورها في عملية الإصلاح الديمقراطي، وهي مسؤولة أيضاً عن نجاح أو إخفاق عملية الإصلاح وإنْ كانت بدرجات أدنى .
ولأن الإصلاح شاملاً، فإنه تعبير في اللحظة التاريخية عن مسار كوني وسياق عالمي وتاريخي، لا يمكن عزل هذا البلد أو تلك الدولة عنه ، أنه ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، وخصوصاً في ظل العولمة وثورة الإتصالات والمواصلات وتكنولوجيا المعلومات والإعلام وتحوّل العالم إلى ” قرية كونية ” والتفاعل والتداخل والتشابك بين أجزائه المختلفة، فلم يعد بإمكان بلد ما أن يعيش في عزلة أو خلف “ستار حديدي” أو يمنع مواطنيه من التأثر بما يجري في العالم، فالتلفزيون والكومبيوتر والانترنت وتكنولوجيا المعلومات، أصبحت وسائل تدخل البيوت دون أي استئذان أو ترخيص وتؤثر في العقول والاتجاهات والأنظمة والمجتمعات على نحو عاصف .
ولهذا السبب أيضاً لا يمكن اليوم التعكًز على بعض القضايا الوطنية وبحجة السيادة أو عدم التدخل بالشؤون الداخلية، للتضحية بقضية الإصلاح أو مقايضة الديمقراطية والتنمية، لأن ذلك سيؤدي إلى تدابير وتسويغ وجود واستمرار النُظم المستبدّة والمعادية للديمقراطية والإصلاح، مثلما لا ينبغي بحجة الإصلاح إرتهان الإرادة الوطنية وإخضاع المصالح الوطنية والقومية للقوى الخارجية وللمشاريع الأجنبية، أي قبول منطق الإستتباع والهيمنة والتعويل عليه لإنجاز مشروع الإصلاح الديمقراطي.
إن المعادلة الصحيحة، التي على الحكام العرب أن يدركوا مخاطرها وأن يتعلّموا دروسها جيداً، مثلما على القوى المعارضة أن تعي انعكاساتها الخطيرة على قضية الإصلاح، لكي لا تتورّط بالغرق فيها و”ساعة لا ينفع الندم”، أقول إن المعادلة التي ينبغي على السلطات الحاكمة والمعارضات السياسية وقوى المجتمع المدني أن تعمل بها هي: أن الشروع بالإصلاح واعتماد التحوّل الديمقراطي والتوّجه نحو التنمية يضعف فرص التدخل الخارجي، ويحول دون إعطاء مبرّرات للقوى الأجنبية لمدّ نفوذها وتغلغلها، والعكس صحيح أيضاً.
فكلّما تنكّرت القوى الحاكمة لاستحقاق الإصلاح والديمقراطية أو سعت المعارضات السياسية للاحتماء بالخارج والتعويل عليه بحجة العجز أو الجزع من مواصلة النضال لتحقيق الإصلاح الديمقراطي وانسداد فرص تطوير الأوضاع السياسية من الداخل ، كلّما كان التداخل الجراحي الخارجي خطيراً، وتذهب بل تتبدّد معه خطط الإصلاح والآمال ، خصوصاً ما يجلب التدخّل الخارجي من سوءات وإشكالات، سواءً كان حصارات دولية أم ضغوط تقترب من الحرب أم شن حروب واحتلالات.
ولعل النموذجين الأفغاني والعراقي يشيران على نحو شديد إلى حقيقة صارخة هي الأخرى، تكمن في أن رفض الإصلاح والديمقراطية داخلياً، قاد إلى احتلالات وفرض إرادات خارجية، وإنْ كان ذلك تحت حجج وذرائع متناقضة، ولكن وفي كلي الحالين كانت الديمقراطية والإصلاح والتقدم الاجتماعي والتنمية ومصائر الشعوب ومستقبلها هي الضحية.
صحيح أن للقوى الخارجية مصالحها وخططها ، لكن “بعضهم” كان يعطيها مبررات ومسوّغات إضافية للتدخل وإملاء الإرادة.
إن الإصلاح الديمقراطي في العالم العربي، يتطلب الإقرار بالمساواة بين المواطنين وبمبادئ المواطنة الكاملة، الأساسان في الدولة العصرية ، وهذان الأمران يتطلبان إقرار واعتماد التعدّدية الفكرية والتنوع السياسي والقومي والديني في مجتمعاتنا، وضمان الحرّيات للأفراد والجماعات وبخاصة حرية التعبير وحرية التنظيم السياسي والنقابي والمهني وحرية الاعتقاد وتوسيع دائرة المشاركة السياسية باعتبارها حقاً أساسياً ، يضمن حق توّلي المناصب العليا والوظائف العامة دون تمييز بسبب الدين أو العرق أو اللغة أو الإتجاه السياسي أو الانحدار الاجتماعي أو الجنس أو المعتقد أو لأي سبب آخر ، وبهذا المعنى فإن الإصلاح الديمقراطي يقتضي تأمين حقوق النساء ومساواتهن مع الرجال طبقاً للمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان والشرعة الدولية وكذلك الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمرأة .
ولا يمكن هنا التذرّع بالخصوصية للتملّص من الاستحقاقات الدولية والآليات العالمية للإصلاح مثلما لا ينبغي التجاوز على الخصوصيات وعدم احترامها بحجة ” العولمة” والكونية ، وإنما يمكن الاستفادة منها في رفد التيار العالمي من خلال خصوصياتنا ، وليس التحلل من إلتزاماتنا بالمعايير الدولية .
وتتطلب حيثيات الإصلاح نبذ العنف من الحياة السياسية والركون إلى الوسائل السلمية واعتماد لغة وفقه الحوار والتعايش والاعتراف بالآخر، كما يتطلب الإصلاح الديمقراطي إجراء انتخابات دورية لاختيار الشعب لممثليه .
أربع مخاوف أساسية تسلّلت إلى الواجهة في النظر إلى مسألة الإصلاح
الأولى – القلق من حضور القوى الدينية والسلفية
الثانية- الخوف من الفوضى
الثالثة- محاولات الاستغلال الخارجي
الرابعة- الخشية من انتعاش الجماعات الإرهابية وانفلات الإرهاب.
وهذه المخاوف الثلاث برزت خلال ما أطلق عليه ” الربيع العربي” حيث ارتفع قلق وهاجس بعض الجهات والجماعات من حضور القوى الدينية أو الجماعات السلفية، إما لاعتبارات آيديولوجية أو دينية بصبغة طائفية أو لأسباب سياسية أو اجتماعية.
لكن هذا القلق لم يكن الهاجس الوحيد لدى هذه القوى التي بقيت متخوّفة أو متردّدة أو حتى مرتابة من التغيير لهذا السبب، بل كان الخوف من الفوضى موازياً للخوف من القوى الإسلامية، لاسيّما بعد تجربة “الفوضى الخلاقة” التي ضربت أفغانستان ومن ثم العراق ، بعد احتلالهما العام 2001 و2003، على التوالي.
يضاف إلى ذلك، الخوف الكبير والقلق العميق من محاولات الاستغلال الخارجي، لحركة التغيير، سواءً من خلال توجيهها أم التأثير عليها، بل إن أصحاب نظرية المؤامرة كانوا يقدّمون هذا الهاجس على الهواجس الأخرى التي تعتبر مكمّلة أساساً، لهذا البرزخ الذي يمكن أن يكبر، مستندين إلى الكثير من الأمثلة والأدلّة، ولعل أكثرها إثارة بالنسبة للعالم العربي ما حصل في العراق نتيجة الاحتلال، واليوم فإن الحالة الليبية مثال صارخ على الاستهداف الخارجي، خصوصاً وان التدخل العسكري لحلف الناتو زاد المشهد الليبي تعقيداً وعنفاً .
وتبرّر بعض الحكومات القوى السياسية خشيتها من عملية التغيير ووقوفها ضد ما سمّي ” الربيع العربي” بزعم أن مثل هذا التغيير غير المنضبط سيقود إلى تسلل القوى الإرهابية، ويضرب مثلاً بتنظيم القاعدة وداعش وجبهة النصرة ” جبهة أحرار الشام” وأخواتهم حيث أعقبت محاولات التغيير نشاطاً غير مسبوق للقوى الإرهابية في العراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها.
التغيير أصبح حقيقة لا يمكن نكرانها أو تجاهلها، على الرغم مما أصابه من نكوص وعُسر وانحراف، ناهيك عن محاولة توظيفه لأهداف أنانية ضيقة، على مستوى الداخل والخارج، لكن التغيير في الوقت نفسه مسار طويل ومعقد وفيه الكثير من التعرجات والانحناءات لأنه واقع لا يمكن إغفاله حتى ولو بعد حين وسيتم عبر التراكم والتواصل وتلك سنّة من سنن التطور.

أما حقائق التغيير فهي
الحقيقة الأولى – هو أن التغيير قد بدأ ولا يمكن وقف قطاره حتى وأن تعثّر أو تأخّر، فلم يعد ممكناً العودة إلى الوراء، مهما كانت المبررات، فالإصلاح والدمقرطة والحريات ومكافحة الفساد وتلبية الحقوق الإنسانية، أصبحت استحقاقاً ليس بوسع أي مجتمع التنصل عنه.
الحقيقة الثانية – توفّر البيئة المناسبة داخلياً وخارجياً، موضوعياً وذاتياً، فالتغيير هو فعل داخلي بامتياز وإن كانت البيئة الدولية مشجّعة، وسواءً كانت بصدقية أو بتوظيف سياسي، لكن السياسة حسب ابن خلدون هي صناعة الخير العام.. وهي أمانة وتفويض ولا مجرى لها الاّ بين تضاريس المحاسبة والتوضيح، فليس لأحد الحق في امتلاك أركانها، باسم استخلاف إلهي أو ما شابه، وإلاّ فستبقى دواوين التاريخ مفتوحة على أخبار قوى التسلط والتحكّم المناقضة لشرائع النقل والعقل، وهو ما تستهدفه التغييرات التي تطمح إليها الشعوب وحركتها الاحتجاجية.
الحقيقة الثالثة إمكانية التغيير بالسلم وباللّاعنف، وحتى إن لم تستجب بعض الحكومات للإرادات الشعبية، فإن الشباب سيعيد الكرّة بعد الأخرى حتى يحصل التغيير، سواءً حصل من جانبها مرغمة أو مضطرة أو بتخطيّها وانزياحها.
لقد أدركت بعض النخب الحيّة أن طريق العنف لن يقود إلى تحقيق الأهداف المرجوّة، وسعت على الرغم من عوامل الكبح والمعوّقات إلى المبادرة الجسورة، بالدعوة إلى نشر ثقافة اللاعنف، والإستعاضة عن “القوة الخشنة” في حل الخلاف بـ “القوة الناعمة” استناداً إلى المقاومة اللاعنفية، التي تعني المقاومة السلمية المدنية، سبيلاً لا غنى عنه للوصول إلى طريق التنمية المنشود.
الحقيقة الرابعة- إنكسار حاجز الخوف الذي هو سمة للمحكومين، وسيفاً مسلطاً على رقابهم، لاسيّما في ظل الأنظمة الاستبدادية، فإن مجرد كسر الحلقة الأولى منه يمكن كسر الحلقات الأخرى تباعاً وعلى جناح السرعة، بل إنه يمكن أن ينتقل إلى الحكام أنفسهم.
الحقيقة الخامسة- قيادة الشباب لحركة التغيير، وإذا كان الشباب في السابق هو الذي يفجّر الانتفاضات وهو وقودها على الدوام، فالأمر قد تغيّر في موجة التغيير الحالية، فقد أصبح هو من يخطط ويقود وينفّذ، بطريقة حضارية ومدنية راقية، متقدماً على الكيانات القائمة بما فيها المعارضات التقليدية وغير التقليدية.
الحقيقة السادسة – تتعلق بالاقتراب من الوحدة الوطنية، التي طالما تخوّفت وأخافت الأنظمة السياسية القائمة من تبديدها وتعرّض البلاد إلى التمزّق والتشتت والتشظي وإذا كان التمسك بالهويات الفرعية مفهوماً بسبب محاولات إحتوائها أو تغييبها في ظل أنظمة شمولية وتسلطية ومركزية صارمة، الاّ أن بروزها لم يكن عامل انقسام بقدر تعبير عن واقع حال في إطار الوحدة الوطنية والهوية الجامعة ولم يبرز من خلال جميع التحركات الشعبية شعارات تقسيمية، بقدر ما أظهرت التمسك بالوحدة الوطنية، فقد تجاوزت حركة التغيير الانقسامات المجتمعية والاختلافات والآيديولوجيات الدينية والطائفية، وأنجزت ما لم تنجزه الحكومات والمعارضات بسرعة مذهلة نجحت في تحقيق أهدافها أم لم تنجح.
الحقيقة السابعة- مشاركة المرأة على نحو لم يسبق له مثيل، ومثل هذه المشاركة أعطت بعداً اجتماعياً جديداً لعملية التغيير، ولعل مطالبة المرأة بحقوقها سيكون من صلب التوجّهات الجديدة للبلدان التي شهدت انتفاضات شعبية، وهذا دون شك سيحفّز القوى التقليدية باسم الدين أو الموروث والعادات والتقاليد التي تحاول منعها من التقدم وتضع العصي في عجلة مساواتها الكاملة ومشاركتها المتساوية.
الحقيقة الثامنة- خلقت الانتفاضات تغييراً في مزاج الجماهير، لاسيما شعور الناس بالثقة والطمأنينة، على الرغم من ارتفاع موجة المجابهة العنفية والمسلحة في بعض البلدان، ولعل هذا المزاج الجديد يمكنه أن يؤثر على نفسيتها إيجابياً، ناهيكم عن قدرتها في التمتع بحريتها وفي التعبير عن مطامحها المكبوتة لعقود من السنين.
الحقيقة التاسعة – كشفت قدرات المجتمع المدني على الرغم من محدوديتها، إلّا أنها ساهمت في إحداث نوع من التراكم في بعض البلدان، حيث لعب المشاركون فيها دوراً غير قليل في الانتفاضات الشعبية، ولا يمنع ذلك أن يكون الحراك عفوياً، لكن الكثيرين من منتسبي المجتمع المدني ساهموا فيه.
الحقيقة العاشرة – الميل إلى التحديث على الرغم من الكوابح التي وقفت أمام مجتمعاتنا لدخول عالم الحداثة، ولكن هناك بعض الترابط بين الحداثة والمدنية والعقلانية والعلمانية، وتلك مواصفات الدولة العصرية التي كان الشباب يسعون للوصول إليها متغالبة للعقبات التقليدية، العشائرية والطائفية والدينية.

6- يبدو أن العرب قياساً إلى غيرهم من جيرانهم الطبيعيين كالأتراك والإيرانيين، يفتقدون إلى مشروع حضاري جامع، يتطلعون من خلاله للمستقبل، فلماذا برأيكم عجز الأمة العربية عن الإجابة عن سؤال التقدم ؟

هناك أسباب داخلية وأخرى خارجية منعت الأمة العربية من مواكبة النهوض العالمي أسوة بأمم المنطقة الأخرى، ولاسيّما الأمة التركية والأمة الفارسية، وإن كانتا هما الأخريتان تواجهان مشاكل غير قليلة، لكن نخبهما تمتاز عن نخبنا باللقاء عند قاعدة عريضة أساسها المشروع الوطني أو القومي (الدولة – الأمة)، في حين أن المشروع النهضوي العربي ما يزال غائباً ، ويعود الأمر بالدرجة الأولى إلى عامل التجزئة، الذي عانت منه الأمة العربية التي حكمها العثمانيون ما يزيد عن أربعة قرون من الزمان، ثم وقعت غالبية بلدانها تحت السيطرة الاستعمارية البريطانية والفرنسية .
وبدلاً من تحرّر العرب وحصولهم على استقلالهم وحقهم في تقرير مصيرهم بما فيه إقامة كيانيتهم الموحدة التي يمكن أن ترتقي إلى دولة كبرى في المنطقة، فقد نكث الحلفاء بوعودهم ، بل قاموا في السر بإبرام اتفاقية سايكس – بيكو العام (1916) بين بريطانيا وفرنسا، والتي قطّعت أوصال البلاد العربية واستهدفت المشروع الوحدوي العربي في بداياته الجنينية الأولى لبناء دولة عربية موحّدة، خصوصاً بربط ذلك بوعد بلفور الذي صدر في 2 نوفمبر 1917 عن آرثر بلفور وزير خارجية بريطانيا آنذاك تصريحاً ودعا فيه إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
وهذه الأسباب كانت وراء كسر الحلم العربي في إحدى حلقاته المركزية في القرن الماضي، ويُراد من صفقة القرن الجديدة، الاستمرار في المخطط الاستعماري الجديد، لتصفية القضية الفلسطينية والإمعان في المزيد من إضعاف الدول الوطنية وتفتيتها.
وكان لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الدور الأساسي في تنفيذ هذا المخطط خطوة خطوة، حيث ابتدأت بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لدولة “إسرائيل” ثم شرعت بتقديم “الجولان السورية” هبة إلى “إسرائيل” دون أي اعتبار لقواعد القانون الدولي، التي لا تعطي المحتل الحق في منح أو إلحاق الأراضي والحصول على مكاسب سياسية.
وتسعى واشنطن وتل أبيب لضم المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية إلى إسرائيل وهكذا يتم بالتدرج إمحاء أثر فلسطين، بما تمثّله من ثقل حضاري وتاريخي ورمزية دينية عربية: مسيحية وإسلامية ويهودية.
وإذا كان القرن الماضي قد شهد زرع كيان غريب في قلبه ليشكّل حاجزاً بين قسمه الآسيوي وقسمه الأفريقي وبين مشرقه ومغربه، للحفاظ على مصالح الامبريالية العالمية واستمرار وجودها في المنطقة، فإن القرن الحالي يُراد منه المضي في المشروع الكولونيالي التوسعي الإجلائي ، لاسيّما بإشغال شعوب المنطقة بحروب ونزاعات طائفية وإثنية من شأنها إبعادها عن مهماتها الأساسية في التحرّر والإستقلال والوحدة والتنمية والتقدم والحياة المدنية الحرّة. وقد أصاب ادوارد سعيد، كبد الحقيقة حين قال: إن أكثر الأيام إيلاماً وإظلاماً في تاريخنا الفلسطيني والعربي هو يوم وعد بلفور، لأنه كان يدرك تداعياته وأبعاده على مستقبل المنطقة وارتباطه العضوي بالمشروع الصهيوني الذي تأسس وفقاً له.
بتقديري إن استعادة الوعي بأهمية مشروع عربي نهضوي جديد يحتاج من تفاهمات واتفاقات بين النخب الفكرية والسياسية ، ولاسيّما من الطبقة الوسطى، وذلك يتطلب تجسير الفجوة بين صاحب القرار والمثقف، بحيث يكون الأخير شريكاً فاعلاً في اتخاذ القرار وتنفيذه، وأن يكون الصراع سلمياً والحوار مدنياً وحضارياً وأن يتم نبذ استخدام السلاح وتحريم اللجوء إلى العنف وسيلة لحل النزاعات ، وقد سبق أن نوقش مشروع نهضوي عربي على مدى عقدين ونيف من الزمان في إطار مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي لمركز دراسات الوحدة العربية ، إذْ لا مناص للقوى الحيّة الحاملة لعملية التغيير، ولاسيّما من الطبقة الوسطى من النهوض لمواجهة التحدّيات المشتركة للعالم العربي ككل ، خصوصاً في مجالات التنمية الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والأمن القومي .
ولعلّ الوحدة العربية بمنظورها الجديد يمكن أن تكون ديمقراطية الاسلوب بالضرورة، أي ألاّ تفرض فرضاً وإنما ينبغي أن تقترن برضا شعبي ومن خلال الاختيار الحر الديمقراطي وعبر صندوق الاقتراع أو الاستفتاء، بحيث تكون وحدة شعبية وليست فوقية أو انقلابية أو احتلالية أقرب إلى الضم والإلحاق.
أما صيغة الوحدة العربية فقد تكون أقرب إلى الدولة الفيدرالية (الاتحادية) وقد فشلت حتى الآن جميع التجارب الاندماجية التي حسبما يبدو أن شروطها غير ناضجة، ويمكن أن يكون مدخل الوحدة تدريجياً واقتصادياً طويل الأمد يعتمد على وسائل وأساليب تعددية ومتنوعة وهو لا يشترط انضمام جميع الأقطار العربية اليه مرّة واحدة، بل يمكن لمن لديه جهوزية لذلك وتوفرت الشروط المناسبة لانضمامه.
أما مضمون الوحدة فهي مطلب للمجتمعات وليس حكراً على طبقة واحدة، لكنه دون أدنى شك ينبغي أن يصب في مبادئ العدالة الاجتماعية باعتباره أحد أركان المشروع النهضوي العربي الجديد، ولعل نقيض التخلف والنمو القاصر في ظل العولمة هو التنمية المستدامة المستقلة باعتبارها ركناً من أركان المشروع النهضوي.
وإذا كانت التنمية قد فشلت في تحقيق التقدم في مرحلة ما بعد الاستقلال، وظل الاقتصاد العربي بجميع أقطاره يعاني من التخلف والتبعية في بلدان اليُسر وفي بلدان العُسر. وازداد الاعتماد على النفط ومشتقاته، الأمر الذي عمّق الطبيعة الريعية للاقتصاد العربي، الذي يقوم على المضاربات العقارية والمالية وتراجعت القطاعات المنتجة الزراعية والصناعية، وقد إزدادت المجتمعات العربية فقراً على الرغم من زيادة مردوداتها.
والتنمية المستقلة حسب المشروع النهضوي العربي لا تقوم على فرضيته الأولى “الاكتفاء الذاتي”، و”الانقطاع عن العالم” ، أو فرضية الثانية أي “الاندماج في السوق العالمي”، بل تعني الاعتماد على القوى الذاتية للمجتمع في المقام الأول، وفي مقدمة ذلك القدرات البشرية والمدخّرات الطبيعية، والتعامل الصحيح مع العولمة. وأهم مبادئ التنمية المستقلة هي تحرير القرار التنموي من السيطرة الأجنبية وإعتماد مفهوم واسع للرفاه الإنساني كهدف للتنمية، يتجاوز المكوّنات المادية إلى المكوّنات المعنوية للتنعّم الإنساني مثل الحرية والمعرفة والجمال، والاعتماد على المعرفة وإنشاء نسق مؤسسي للتكامل العربي والانفتاح الايجابي على العالم المعاصر.
أما نقيض الاستغلال الطبقي والاجتماعي فهو العدالة الاجتماعية وهي بحد ذاتها قيمة إنسانية كبرى في عالمنا المعاصر وهدف من أهداف النهضة العربية المعاصرة فليس لمجتمع أن ينهض من دون أن تكون العدالة أساساً للنظام الاجتماعي فيه.
والعدالة الاجتماعية تعني تكافؤ الفرص وإلغاء استغلال الإنسان للإنسان والتوزيع العادل للثروة وبنية ملائمة لملكية وسائل الانتاج بإعادة الاعتبار للدولة في الميدان الاقتصادي وخلق قطاع عام قوي وقادر على قيادة عملية التقدم والتحديث مع مشاركة القطاع الخاص الوطني في النشاط الاقتصادي وآليات تجسد فكرة العدالة في الواقع العربي تتعلق بالانتاج والأجور والأسعار بما يحدّ من الاستقطاب الطبقي فيه، إضافة إلى السياسات الضريبية والتأمينات الاجتماعية ضد البطالة وغيرها.
ولعلّ الانبعاث والتجدد الحضاري هو مرتكز أساس للانعتاق من التأخر الحضاري والتخلف التاريخي الذي عاشه العالم العربي.
ولكي يصار إلى آليات المشروع النهضوي العربي فلا بدّ من أخذه ككل كامل ولا يمكن تأجيل أو استبعاد أو انتقاء بعض عناصره لكن ذلك لا يعني إمكانية تحققه دفعة واحدة، بل يمكن أن يتخذ سلسلة مسارات مختلفة ومتفاوتة .
كما لا بدّ أن يستند إلى قاعدة عريضة من قوى لها مصلحة في التغيير، خصوصاً بتوفير كتلة تاريخية تشارك فيها القوى التغييرية والمنظمات المدنية، لاسيّما ذات الأجندات الوطنية، ومثل هذا البناء يحتاج إلى تراكم طويل الأمد ويتسم بالانفتاح والنقد والنقد الذاتي للتجارب التاريخية ولاستشراف أفاق المستقبل.
ولعل هذه العناصر الستة: الوحدة العربية والديمقراطية والتنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني والقومي والتجدد الحضاري، التي بلورها بواقعية واستشراف مسقبلي المشروع النهضوي العربي، إنما هي قراءة استخلاصية للكفاح العربي منذ عصر النهضة العربية في القرنين الماضيين وإلى الآن. وهي قراءة ضدّية، بمعنى أن نقضيها يستولد من داخلها، فنقيض الاحتلال هو التحرر وهذا يستوجب التحرر من الهيمنة الأجنبية الدولية والإقليمية، وذلك بتحقيق الاستقلال الوطني والقومي، الذي هو الرد التاريخي على الاستعمار والاحتلال والهيممنة الأجنبية.
ونقيض نظم الاستبداد وعدم المشاركة هو الديمقراطية التي يمكن أن تشكل الخيط الناظم لمفردات وعناصر المشروع النهضوي العربي، بل أنها السبيل الذي لا غنى عنه لمشاركة الناس في صنع مستقبلهم وتقرير مصيرهم، والديمقراطية لم تعد ترفاً فكرياً أو خياراً يمكن تأجيله أو الاستعاضة عنه، بل هي ضرورة لإطلاق طاقات المجتمع وقاعدة تبنى عليها الدولة الحديثة ويستقر عليها المجتمع الحديث. وقد كان أحد أسباب إخفاق المشاريع النهضوية العربية السابقة هو عدم إيلائه الديمقراطية ما تستحقه باعتبارها شرطاً لا غنى عنها لتحقيق النهضة ورافعة أساسية من روافعها، وهذه تتطلب تحقيق الحريات ولاسيما حرية الرأي والتعبير وحق التنظيم الحزبي والنقابي والاجتماعي وحق الاعتقاد وحق المشاركة، ناهيكم عن تأكيد مبادئ حكم القانون والمساواة لاسيما بين الرجال والنساء والمواطنة في إطار نظام تعددي وتمثيلي وتداول سلمي للسلطة في إطار دستور يعتمد على فصل السلطات ويعتبر الشعب مصدرها جميعاً، مع كفالة الشفافية والرقابة والمساءلة.
ونقيض التشظي والتشتت والتجزئة هو الوحدة العربية التي أصبح المجزأ فيها قابلاً للتجزئة في كيانات كانتونية أو دوقيات ما هو دون الدولة، وإذا كان المشروع الوحدوي العربي قد فشل تاريخياً، فلا يعني ذلك أن الوحدة لم تعد ضرورة وجودية، خصوصاً وأن ما يجمع العرب على الرغم من اختلاف أقطارهم وكياناتهم وطبقاتهم، هو كثير من اللغة إلى القيم الحضارية والدينية والموروث التاريخي فضلاً عن المصالح المشتركة. أما نقيض التجمّد التراثي في الداخل والتشويه في الخارج، فهو في التجدد الحضاري، ولن يكون ذلك ممكناً دون ضمان عدالة اجتماعية نقيضاً للاستغلال والظلم بكل صوره ومستوياته.

7- تؤمنون كما نعرف بدور المجتمع المدني في تغيير الواقع العربي، وترون في “الدولة المدنية” مخرجاً للصراع السياسي والأيديولوجي، فهل من إضاءة؟

أعتقد أن الدولة الحديثة لا يمكنها أن تنهض دون معادلة تربط ما بين الحكومة من جهة والمجتمع المدني من جهة ثانية والقطاع الخاص من جهة ثالثة، والأمر يتطلب توازناً وتناسقاً بين هذه القطاعات الثلاث، وبقدر ما تكون الحكومة مسؤولة عن تنفيذ السياسات العامة والخطط التنموية فإن المجتمع المدني يمكن أن يكون رديفاً للدولة ومكمّلا ومتمّماً للإستراتيجية المقررة بصفته قوة رصد ورقابة من جهة ، ومن جهة أخرى “قوة اقتراح” لا يمكن للدولة أن تحقّق برامجها دونها ودون مشاركة القطاع الخاص أيضاً.
وإذا ما أريد حقاً أن تنهض الدولة فعليها إشراك مؤسسات المجتمع المدني في اتخاذ القرار من جهة وفي تنفيذه من جهة أخرى.ولكي يلعب المجتمع المدني مثل هذا الدور فعليه هو الآخر أن يقدّم نقداً ذاتياً لبعض توجهاته ويتمتع بالاستقلالية بما فيها المالية، بحيث لا يكون جزءًا من أجندات خارجية ، وأن لا ينخرط بالصراع الأيديولوجي والسياسي وأن يضع مسافة واحدة بينه وبين السلطات والمعارضات، فهو ليس ضد حكومة بعينها أو مع معارضة بذاتها ، وإنما يقف مهنياً باستمرار مؤيداً لكل ما هو إيجابي ومنتقداً لكل ما هو سلبي، ومشاركاً في عملية التنمية وفي تقديم المقترحات ورصد الانتهاكات، وهو إذْ ينحاز إلى الضحايا فلا علاقة له بأفكارهم أو معتقداتهم أو اتجاهاتهم الفكرية والسياسية.
ولكي تكون الدولة بأركانها الثلاثة “مدنية”، فلا بدّ من إشباع كل حقل بصلاحياته ، خصوصاً حين يتم إعلاء مرجعيتها على جميع المرجعيات الأخرى ، سواء أكانت دينية أم سياسية أم حزبية أم مذهبية أم إثنية أم لغوية أم سلالية أم مناطقية أم جهوية أم غير ذلك، لاسيّما إذا وضعت مسافة بينها وبين هذه المرجعيات الفرعية، أو بين الهويّة الوطنية العامة وبين الهويّات الفرعية ذات الصفة الخصوصية التي ينبغي تأمين احترامها وضمان حقها في التعبير عن نفسها بطريقة حرّة في إطار مبادئ المساواة والمواطنة المتكافئة.
ولعلّ مصطلح ” مدنيّة الدولة” بسبب حداثته في بلادنا، فإنه يثير إلتباساً وإشكالاً غير قليل، ولذلك احتدم الجدل واشتدّ النقاش حوله منذ ثلاثة عقود ونيّف من الزمان، واتّسع نطاقه إبان ما سمّي موجة “الربيع العربي” في مطلع العام 2011 ولحدّ الآن، وقد شهد شدّاً وجذباً وتأييداً وتنديداً، تبعاً للمرجعيات الفكرية والآيديولوجية للجماعات المختلفة، التي يرى فيه بعضها “مدنّساً”، في حين يعتبره البعض الآخر “مقدّساً”.
جدير بالذكر أن الدستور التونسي الذي أبرم في العام 2014 كان سبّاقاً بتبنّي فكرة “الدولة المدنية”، حيث نصّت ديباجته والمادة الثانية منه على أن تونس “دولة مدنية تقوم على المواطنة وإرادة الشعب وعلويّة القوانين” واعتبر الدستور مثل هذا النص ” جامداً” أي لا يمكن تعديله، وأرى أن في ذلك إبداع تونسي واجتهاد عربي، فلا هي “دولة دينية” ، ولا هي “دولة علمانية” لما لهذين المفهومين من حساسية شديدة، لاسيّما حين ينصرف الذهن إما إلى التزمت والتشدد أو إلى الإلحاد والانحلال، سواء عن حسن نيّة وسذاجة أم عن سوء قصد كجزء من الصراع الآيديولوجي.
وجاء في ديباجة الدستور التونسي ” الدولة مدنية والسيادة فيها للشعب”… أما الفصل الثاني فقد نص على” تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة، وإرادة الشعب، وعلويّة القانون ولا يجوز تعديل هذا الفصل”.
ومثلما يواجه مصطلح ” الدولة الدينّية” ردود فعل حادّة تصل أحياناً إلى درجة التعرّض للدين، من جانب جمهور واسع وقوى متعدّدة يسارية ويمينية، اشتراكية وقومية وليبرالية، فإن مصطلح ” الدولة العلمانية” الآخر يثير حساسية شديدة ورفضاً واسعاً من أوساط دينية وشعبية، يصل أحياناً إلى اتهام دعاته بالمروق أو الكفر والإلحاد، الأمر الذي يضع فكرة ” الدولة المدنيّة” بين مصطلحين متناقضين لدرجة التناحر الأول- الدولة الدينّية والثاني – الدولة العلمانية.
المصطلحان ” الدولة الدينّية” و” الدولة العلمانية” يثيران أسئلة أخرى مشتبكة مع عديد القضايا التي يواجهها الفكر العربي- الإسلامي من جهة، والممارسة العملية من جهة أخرى، خصوصاً ما يتعلّق بمدى انطباقه على واقع الحال بغض النظر عن التسميات والتوصيفات.
ومع ذلك فالمفهوم الذي يتم الترويج له تأييداً أو تنديداً لفكرة ” الدولة المدنية” لا زال لم يجد البيئة الحاضنة له على المستوى العربي والإسلامي، وهو ما يحتاج إلى عملية “تعريب” أو “تبيئة” أو “توطين”، باعتباره جزءًا من التطور الدستوري على الصعيد العالمي مع عدم نسيان الخصوصية الدينية والثقافية، التي لا يمكن تجاوزها وإلّا ستكون في مواجهة مع واقع الحال، مثلما لا يمكن إغلاق الأبواب والنوافذ أمام رياح التغيير الكوني الذي يشمل كل شيء، بما فيه أسس قيام الدولة ووظائفها، ولاسيّما تطوّر الفكر الدستوري والقانوني. ولا تعني إدارة الظهر تلك سوى التقوقع وضيق الأفق والإنعزال، بما يمنع بلداننا الاستفادة من التطور الأكاديمي والمعرفي والثقافي – الإنساني. ولذلك وجدت في الاجتهاد التونسي إضافة نظرية وعملية إلى الفقه الدستوري العالمي بشأن مدنية الدولة.
وبهذا المعنى فالدولة المدنيّة تعني اتحاد أفراد يعيشون في مجتمع يخضع لنظام من القوانين مع وجود قضاء يطبّق هذه القوانين، ويُرسي مبادئ العدل في إطار عقد اجتماعي تتوافق فيه إرادات المجتمع، وكان أرسطو وابن سينا وابن خلدون وجون لوك ومونتسكيو قد تحدّثوا منذ عهود بعيدة عن ذلك، خصوصاً حين قالوا: الإنسان مدنّي بطبعه، لذلك فإن القواعد التي تنظم حياته وعلاقته بالآخر مدنيّة، ووجود “دولة مدنيّة” يعني أيضاً وجود مجتمع مدني، ومنظمات مستقلة تدافع عن قطاعات متعددة منه وتعبّر عن مصالحه.
الدولة المدنية يمكن أن تكون صمّام أمان للجميع، لاسيّما حين تضع مسافة واحدة من جميع الفرقاء، لاسيّما إذا أخذت بنظر الاعتبار الثقافة السائدة في مجتمعنا ، وهي بالأساس ثقافة عربية – إسلامية، فضلاً عن تلاقحها مع الفقه القانوني الدستوري العالمي في تطوّره باستلهام قيم العصر وسماته الأساسية، مع مراعاة خصوصية مجتمعاتنا.

8- طرح بعض كبار المفكرين العرب المعاصرين، كالمرحوم محمد عابد الجابري حل “الكتلة التاريخية”، فهل ثمّة عوامل مساعدة فعلاً وعلامات في الأفق العربي تشير إلى إمكانية نهضة هذه الكتلة؟

سبق لي أن ناقشت المفكر محمد عابد الجابري بشأن أطروحاته الرئيسية ، لاسيّما في كتابيه، الأول، “بنية العقل العربي” والثاني، ” نقد العقل العربي” ، وجئت على ذلك مرة أخرى في حوار أجراه معي خضير ميري ونشر في كتابي ” تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف”، وحين نعود إلى مشروعه اليوم بشأن العقل العربي فإننا نرى أنه يقوم على ثلاث محددات أساسية هي: القبيلة والغنيمة والعقيدة .
القبيلة تقوم على “العصبية” حسب ابن خلدون. أما الغنيمة فهي أقرب إلى مفهوم “الخراج” أو “الريع” وليس على أساس العلاقات الإنتاجية، والمقصود بالخراج هو “الجباية” ودائماً ما يفرضه الغالب على المغلوب على شكل أتاوات أو ضرائب دائمة أو مؤقتة من القبيلة أو الإمارة أو الدولة ، أما ” الريع” فهو الدخل النقدي أو العيني الذي يحصل عليه الشخص من ممتلكات أو هبات من صاحب السلطة بصفة منتظمة تمكنه القدرة من العيش دون الحاجة إلى عمل إنتاجي . وكانت الغنيمة سابقاً تعني العطاء الذي يعيش منه أهل الدولة ومن تعلّق بهم وما ينتج عن هذا من ثقافة ريعية وعقلية ريعية وفكر ريعي.
أما العقيدة فالمقصود بها الاعتقاد والتمذهب، بحيث تكون قادرة على تحريك الجماعات والأفراد على نحو متعصّب وهي ترتبط ارتباطاً عضوياً بالفعل السياسي والاجتماعي للفرق والطوائف والجماعات المختلفة.
فما علاقة ذلك بـ “الكتلة التاريخية” الذي يذكر الجابري أنها أقرب إلى ما دعا إليه أو استخدمه المفكر الشيوعي الإيطالي أنطونيو غرامشي، لاسيّما في فترة هيمنة الفاشية الإيطالية المتحالفة مع النازية الألمانية على الحكم وانسداد آفاق بديل ثوري طبقي عمالي، وقد رأينا أن بعض المفكرين والسياسيين اليساريين يستخدمون هذا المفهوم في مجتمع يخلو من الطبقات أو مجتمع ما زالت الطبقات فيه جنينية أو هشّة.
وإن كان البعض يقصد منه “التحالفات السياسية” التي تضم “تيارات” مختلفة، وهو المفهوم القريب من استخدامات الجابري، فذلك لا علاقة له بمفهوم الكتلة التاريخية الذي قصده غرامشي ، وكنت قد جئت على ذلك فيما كتبته عن خير الدين حسيب في المقالة المنشورة في مجلة المستقبل العربي والموسومة : خير الدّين حسيب- الرياضة النّفسية والمثقف الكوني و”الكتلة التاريخية” ، مجلة المستقبل العربي، العدد 454، كانون الأول (ديسمبر) 2016 ، علماً بأن التقارب بين التيارات المذكورة فيه من الصعوبات والعقبات والتعقيدات الشيء الكثير لدرجة يكاد يكون تحقيق مثل هذه الكتلة السياسية تاريخياً عسير المنال ، لأن ثمة فوارق وتباعدات وضعف وعي بين التيارات، إذْ أن تحقيق مثل تلك الكتلة ليس تمنياً أو رغبة أو مجرد اجتماعات يحضرها ممثلون عن التيارات المختلفة أو أجزاء منها لنطلق عليه “الكتلة التاريخية”.
كان محمد عابد الجابري قد كتب دراسة عن ” الكتلة التاريخية … بأي معنى؟” دعا فيها إلى ” الكتلة التاريخية” وقصد من ذلك “كتلة تجمع فئات عريضة من المجتمع حول أهداف واضحة تتعلّق أولاً بالتحرر من هيمنة الاستعمار والإمبريالية وثانياً بعلاقات اجتماعية متوازنة يحكمها التوزيع العادل للثروة” وبالطبع فهذا المفهوم لا علاقة له بمفهوم غرامشي، الذي طرح مفهوم الكتلة التاريخية في إطار ثقافي فكري أخلاقي محدّد وهو إطار “بناء الهيمنة المضادة” للهيمنة البرجوازية في فترة صعود الفاشية.
ولعلّها مناسبة أن أشير إلى أهمية مشروع الجابري، الذي سلّط الضوء على التراث ومشكلاته وقدم قراءة جديدة ومفتوحة له، فقد حرّك الكثير من المياه الراكدة، وأعتقد أن فحص بنيان العقل العربي في ضوء المناهج البنيوية، إنما يقع في حقل الأبستمولوجيا النظرية وهو حقل دراسي مفتوح، ولا يمكن عدّه مشروعاً واقعياً أو معالجة جذرية. انه منهج قراءة ليس إلّا.
وليس للمناهج التي من هذا النوع نصيب كبير من الصواب والخطأ، وبالتالي فان هناك مساحات فكرية في الخطاب العربي المعاصر تمارس نوعاً من القراءات على خطاب غربي أو مناهج أو أطروحات تفيد عمل نظريات المعرفة، أو مجالات علوم إنسانية تتوالد فيها المفاهيم وتتناسل، وهو ما أشرت إليه في كتابي تحطيم المرايا : في الماركسية والاختلاف.

نشر هذا الحوار في مجلة المصير (التونسية) ، صيف 2019.

حول

تفقد أيضاً

ترامب باقٍ والعزل يسقط بالتصويت ضده في مجلس الشيوخ

       الراصد للمشادات والاصطفافات السياسية في واشنطن ، في الآوانة الأخيرة، يذهب لنتيجة مفادها تشبث …

حزب الله يريد حكومة لبنانية تضم الجميع ويصر على مشاركة التيار الوطني الحر

(رويترز) – قال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله يوم الجمعة إن الحكومة اللبنانية …

محكمة سودانية تقضي بإيداع البشير مؤسسة الإصلاح الاجتماعي لمدة عامين بتهمة الفساد

(رويترز) – أدانت محكمة سودانية يوم السبت الرئيس السابق عمر البشير بالفساد وحيازة مبالغ بالعملة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.