كلّ مؤونة واللبنانيون بخير

Spread the love

لا جديد في تدهور الوضع المعيشي والاقتصادي في لبنان. تجاوز الناس هذه المرحلة وبدأوا يستعدون لما هو أسوأ، وبدأ كثيرون تموين المواد الغذائية

ثمّة حاجة إلى إفراغ بعض خزائن المطبخ أو الأدراج هنا وهناك، وربّما العليّة. في هذه المرحلة لا داعي لإفراغها تماماً، المهم تخصيص بعض الأمكنة للمؤونة. ولا نتحدث عن مؤونة الشتاء. هذا موضوع آخر. هذه مؤونة حرب. لا. هذا مُجرّد مُزاح. لكنها صلة وصل تعود بالذكريات تلقائياً إلى حقبة الحرب الأهلية. لا حرب الآن. المشترك هو المؤونة والخوف، وإن تتفاوت الدرجة كثيراً.

أن تسأل الناس إن كانوا قد بدأوا فعلاً يموّنون بعض الحاجيات الأساسية، يدفعهم تلقائياً إلى الابتسام. وعلى الفور، تدور في خاطرهم مجموعة من الأسئلة: هل حقاً يستدعي الوضع الحالي التموين؟ وماذا عن المفاجآت اليومية المتعلقة بزيادة الأسعار، واحتمال انقطاع الخبز، والوقود، وانخفاض قيمة الليرة اللبنانية؟ مجموعة من الكوابيس تعبر الذهن خلال ثوانٍ فقط.

وتكون الإجابة الخجولة لدى البعض: “نعم، نموّن”. تقول فاطمة إنها موّنت العدس والأرز والسكر والحليب والزيت. والسبب الرئيسي هو ارتفاع الأسعار. “لم أجد الأرز المصري في بعض الأماكن التي اعتدت الذهاب إليها”. الخوف من الاستمرار في ارتفاع الأسعار هو أكثر ما يدفعها إلى تأمين الحاجيات الأساسية، أقله للأشهر القليلة المقبلة. “ثم من قال إن كل شيء متوفّر؟ الأنواع التي اعتدت شراءها لا تتوفر دائماً في السوق، ما يعني أن جولة البحث تستغرق وقتاً أطول”، أو تنتظر إلى اليوم التالي لتفقّد المحال مجدداً.

الرفوف في عدد من المتاجر ليست ممتلئة كما في العادة. ثمّة فراغات لم يعتدها المواطنون إلا في بعض الحالات، خصوصاً رفوف الطحين والزيت والحبوب والأرز والسكر، وهي العناصر الأساسية التي يحتاجها الإنسان، في حال لم تعد بعض المواد متوفرة.

مُنى لا تخشى انقطاع المواد بقدر غلائها. تقول إن المال الذي تملكه هو بالليرة اللبنانية، التي تنخفض قيمتها يوماً بعد يوم. ولأنّها فضّلت الاستفادة من المرحلة الانتقالية قبل أن يزداد الوضع سوءاً، موّنت لشهرين ليس أكثر، لأنّها لا تملك مالاً إضافياً. لم تبدُ خائفة لكنّ كلام الناس كثير، و”كلام” وسائل التواصل الاجتماعي أكثر. تقول: “الجميع يُموّن”. هذا ما تقوله الجارات. حتى أن شقيق زوجها أكّد عليها ضرورة شراء الحبوب كالفول والطحين، في وقت حرص على شراء الحفاضات والحليب لأطفاله. ويبدو أن المعلّبات ليست أولوية في هذه المرحلة، طالما أن الكهرباء والغاز واللحوم وغيرها ما زالت متوفرة.

“الزيت ليس متوفراً”، تقول أم هاني التي تقصد المحال الشعبية. “كنت أرى الكثير من القناني وقد صفّها أصحاب المتاجر على الأرض. أما اليوم، فالزيت للمحظوظين”. أما هي، فموّنت السجائر. هذا أكثر ما يهمها، خصوصاً أنها تسكن مع ابنتها فقط. “كثيرون يشترون كميات إضافية من الصابون ومساحيق الغسيل. المحال الشعبية مليئة بالناس، لكن كلّ يمون بحسب قدرته. فليس جميع الناس قادرون على التموين لأشهر عدة”.

وتقول عاملة على الصندوق في أحد المتاجر إنّ بعض العائلات “تُبالغ” في التموين، خصوصاً خلال عطلة نهاية الأسبوع. إضافة إلى الحبوب، لا ينسى كثيرون أدوات التنظيف، وهذا تفصيل أساسي في حياة اللبنانيين. وكلّما سُئِل مواطن إن كان يُموّن، يعمد مباشرة إلى الإجابة بالنيابة عن الجميع. من هم الجميع؟ هم الجيران والأقارب والزملاء.

ولا يُفضّل كثيرون المقارنة بين الواقع وزمن الحرب، وإن كان التموين سمة مشتركة… إلى حدّ ما، وإن لم يصل في الوقت الحالي إلى مرحلة “الخبرة”. الأمس مختلف بالنسبة إليهم، ولا يشبه الأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد في الوقت الحالي. ويبقى أن تأمين الطعام مقدور عليه، لكن الحرب “لعنة”.

لينا موّنت بعض الأدوية الأساسية والحليب للأطفال. إلا أن التموين ذكّرها بطفولتها، حين كانت عائلتها تعمد إلى التموين نتيجة تراكم الثلوج خارج البيت. “طلبت مؤونة الثلج من أهلي في بعلبك، منها الكشك (مزيج من اللبن المجفف والبرغل) للطبخ، والكشك الأخضر بالزيت، واللبنة المكعزلة (اللبنة البلدية بالزيت)، والقورما (اللحم المقدد بدهنه)، والمكدوس (الباذنجان المخلل بالزيت) وغيرها”.

لكن ذلك لا يعني أن جميع اللبنانيين يلجؤون إلى التموين، إمّا لثقتهم بأن المواد الغذائية لن تنقطع من الأسواق، أو لأنهم لا يملكون المال. إحدى السيدات التي كانت تنتقي الخضروات لطبخة اليوم، تقول إنها لن تلجأ إلى التموين، ثم تشير بيديها إلى المواد الغذائية على الرفوف. تضيف: “لبنان بلد الخيرات، ثم إن القديسين سيحمونه من أي سوء”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.