الرئيسية / دراسات / قوى اليسار العربي والحِراكات الشعبية: الدور المطلوب.. ومصيدة الإنتهازية والتحريفية!

قوى اليسار العربي والحِراكات الشعبية: الدور المطلوب.. ومصيدة الإنتهازية والتحريفية!

كالقهوة يقرأ على مهل

بقلم: نصار إبراهيم – كاتب وباحث فلسطيني/

“ثورات” ما سمي بالربيع العربي، ولاحقا الحراكات الشعبية التي انفجرت في السودان وبعدها في لبنان والعراق، وضعت العديد من قوى “اليسار العربي”، وأيضا الكثيرمن القوى والتنظيمات السياسية الوطنية والقومية والكثير من المثقفين أمام أسئلة وجودية كبرى، بذات القدر الذي كشفت فيه هشاشة وتبعية الأنظمة القائمة وقوى الشد العكسي الداخلية الرجعية، وأيضا دور وتأثير وفاعلية قوى الهيمنة الإمبريالية العميق.
فبدت مقاربات وردود فعل أغلب تلك القوى، وكأنها خارج التاريخ، أو كأنها قد أُخِذتْ على حين غرّة من قبل الهبّات والحِراكات الشعبية، بغض النظر عن دوافعها وأهدافها. لقد بدت الكثير من تلك القوى مرتبكة، مترددة، وكأنها نسيت كل ما تعلمته عن الثورات والانتفاضات الشعبية وشروط جدل (دياليكتيك) التغيير الموضوعية والذاتية، ودورالعوامل الداخلية والخارجية، وفي السياق دور القوى اليسارية والتقدمية نفسها.
لقد ذهبت في الخطاب والممارسة إلى ما يشبه التُّقية، أو الهروب نحو خطاب عام عن الجماهير والحركات الشعبية والحقوق والمطالب، فيما لم تقدم عمليا رؤية ثورية علمية واقعية لتلك الحراكات، كما لم تبادر للفعل في الميدان وفق برامج واضحة ومحددة.
واقع حال بعض قوى اليسار هذا، هو بالضبط كما يحلل غرامشي “أحيانا يكون اختلاف الكثيرين من أعضاء القوى السياسية هو اختلاف في “الطباع” أكثر منه اختلاف في الطبيعة السياسية العضوية… أحيانا تصبح كلمة يساري تعني السياسي النشيط، المصمم، المتعصب، الذي يؤمن بالمزايا السحرية لأفكاره أيا كانت، وهذا يؤكد على العناصر الناشئة عن كراهية المنافسين والأعداء، أكثر مما يؤكد على ما هو بناء ناشئ عن تبني مصالح الجماهير الشعبية، ويؤكد على العنصر الانعزالي المتمثل في الشلة والجماعة الصغيرة والفردية المتطرفة أكثر مما يؤكد على العنصر السياسي القومي(…) أحيانا تكون سياسات اليسار استمرارا لسياسات اليمين ولكن بكوادر ولغة يسارية”. ((أنطونيو غرامشي – كراسات السجن، – دارالمستقبل العربي – القاهرة – 1994-ص 84 – 86).
يؤشِّر هذا الخلل إلى أحد أهم أسباب ضعف وهشاشة دور قوى اليسار والمثقفين، والتباس مواقفهم ومقارباتهم تجاه التغيير الاجتماعي والحركات الشعبية المحقة في جوهرها ومضمونها ووجعها وألمها ومطالبها. الأمر الذي يتجلي في ضعفها وعجزها عن القيام بدورها المطلوب، في مثل هذه اللحظات، أي النزول للميدان والفعل والتفاعل مع الحِراكات الشعبية، وتسليحها برؤية نظرية سياسية واجتماعية تحدد وتحلل طبيعة وجوهر التناقضات التي تواجهها، بما هي:
تناقضات طبقية بين الأغلبية الساحقة من الطبقات الشعبية من جانب والطغمة أو الطبقة المسيطرة من الرجعية الطائفية والعشائرية والسماسرة والوكلاء وأصحاب المصارف من جهة مقابلة. وأيضا التناقض القومي أو الوطني مع قوى الاحتلال والامبريالية المتوحشة بكل أدواتها من جهة ثالثة.
هذه المسألة تحمل أهمية قصوى في أي عملية تغيير ثوري أو اجتماعي، أو حتى متدرج، خاصة في “الدول النامية أو دول العالم الثالث” أو “المتروبول” وفق تعبير سمير أمين، كما هو حال غالبية بلداننا العربية.
ذلك لأن الهيمنة والاستغلال والنهب الطبقي في هذه البلدان، تتحكم به وتديره بالأصل الرأسمالية الإمبريالية العالمية المتوحشة، وما طبقات الداخل سوى وكلاء وأدوات وسماسرة يعملون لصالح الرأسمالية لتسهيل نهبها للثروات الوطنية والقومية، مقابل بعض الفتات الذي تقدمه لتلك “الطبقات المحلية” البائسة وغير المنتجة، لكي تقوم بوظيفتها الخدمية والزبائنيةهذه، بهذا المعنى بالضبط تتجاوز مسألة التغيير الديمقراطي في المجتمعات العربية البعد الانتخابي أي الديمقراطية الكولونيالية الشكلية، لتأخذ مضمونا اجتماعيا وقوميا تحرريا شاملا.
فالتغيير وإرساء قيم الحرية والديمقراطية وتلبية حقوق ومصالح الناس على كافة المستويات، هي عملية تفرضها نضالات القوى الاجتماعية وتعبيراتها السياسية والثقافية ارتباطا بتحديات الواقع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تعيشها المجتمعات وفقا لخصوصيات كل منها .
هذه العملية العميقة هي بالأصل خيار وفعل اجتماعي – سياسي داخلي بامتياز، خيار وفعل يشتق من ذات المجتمع ويستند إلى تاريخه وثقافته وإمكاناته المادية والبشرية، وهي عملية نضالية تحتاج إلى التنظيم وتحديد برامج التغيير وجذب أوسع القطاعات الشعبية لتحقيقها، لكن ما نلاحظه في حالة المجتمعات العربية هو شراسة وثقل التدخلات الخارجية بهدف فرض النموذج الغربي للديمقراطية وحماية المصالح الجيوستراتيجية للدول والقوى الخارجية التي تتناقض مع جوهر ومكونات الديمقراطية والحرية كما تراها الشعوب العربية لذاتها.
لهذا فإن التغيير لتحقيق الحرية والديمقراطية والعدالة والحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية في مجمل واقعنا العربي يرتبط عضويا بمفهوم الدولة الوطنية/ القومية المستقلة ذات السيادة، الدولة القادرة على حماية ذاتها وقرارها المستقل، وحماية المصالح والثروات القومية والاستراتيجية العليا واستخدامها لصالح عموم شعبها بما في ذلك حقوق الأجيال القادمة، وأيضا حماية وحدة الشعب والأرض.
هذا الدور الواضح والمستقل للدولة القومية هو شرط ابتدائي لتأسيس الإطار الذي تجري في سياقاته عملية التغيير الديمقراطي، فعملية التنمية الشاملة للمجتمع تحتاج لقوة الدولة ومركزيتها عند التخطيط وتحديد الأولويات وتنظيم استخدام الموارد المادية والبشرية، وأيضا لضمان سيادة القانون، بمعنى إن التغيير الديمقراطي وتلبية حقوق الناس والعدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية تستدعي ترسيخ مفهوم المواطنة ونشوء المجتمع المدني الذي ينتظم على أساس معادلة الحقوق والواجبات وسيادة القانون في الدولة القومية المستقلة ذات السيادة الكاملة.
يشكل هذا المبدأ المشار إليه حجر زاوية بالنسبة لجدية أي عملية تغيير ديمقراطي في المجتمعات العربية، فالمطلوب ليس الديمقراطية كعملية إجرائية وشكلية، بل الديمقراطية التي تعيد صياغة العلاقات في المجتمع بناء على خصوصية الواقع بما يضمن تلبية حقوق المواطنين من جانب، ومنع توحش الدولة أو مصادرة دورها لصالح الحاكم أو النظام أو العائلة من جانب آخر، والتصدي لسياسات التبعية والهيمنة والتدخلات الخارجية من جانب ثالث، لأن تلك التدخلات، كما تؤكد التجربة التاريخية، شكلت أحد العوامل الأساسية التي تقف وراء استمرار التخلف وإعادة إنتاجه، كما تقف وراء نهب ثروات الشعوب العربية وتعطيل ديناميات التحول والتطور الديمقراطي فيها، وأيضا لما مثلته القوى الخارجية عبر التاريخ من قوة حماية ودعم للدكتاتورات في العالم العربي لعقود وسنوات طويلة، كما لا تزال وحتى هذه اللحظة تدعم أكثر الأنظمة العربية تخلفا ودكتاتورية. ( نصار إبراهيم – التحدي السوري ومأزق الديمقراطية الكولونيالية في دول “الربيع العربي” – الحوار المتمدن – 6 تشرين أول 2012)
لهذا فإن “أي نظام سياسي لا يحقق المصالح الاقتصادية، والاجتماعية لأغلبية أبناء الشعب لا قيمة له، حتى لو أتى بصندوق الاقتراع، فالديمقراطية ليست صناديق للانتخاب والاحتفال، بل هي قيادة وطنية تمثل سيادة البلاد، وكرامتها الوطنية، وبرامج اقتصادية واجتماعية تحقق المصلحة العامة، ولذلك فإن الفاسدين والخونة هم في النهاية أدوات قابلة للاستخدام من قبل أعداء البلاد بأي وقت وفي أي زمن” (د. بسام أبو عبد الله – صحيفة الوطن السورية – 14 ترين ثاني 2019).
انطلاقا من ذلك وبناء عليه، فإن أي حركة أو حِراك أو انتفاضة أو ثورة تنهض من أجل تحقيق مطالب الناس/ الشعب/ الجماهير في أي دولة عربية، وتخوض النضال ضد الاستغلال والفساد والبطالة والفقر والجهل على المستوى الداخلي، وتطالب بالعدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية، يجب وبالضرورة أن تكون موجهة أيضا وبكل وضوح ضد قوى الهيمنة والنهب الإمبريالية المتوحشة، التي تشكل الحاضنة والداعم للقوى الرجعية الداخلية.
في ذات السياق يأتي التناقض مع المشروع الاستعماري الصهيوني، الأمر الذي يستدعي من الحِراكات أو الانتفاضات الشعبية اتخاذ موقف واضح وحاسم من احتلال فلسطين والأراضي العربية الأخرى، ذلك لأن هذا المشروع الاستعماري تأسس منذ بدايات القرن الماضي بدعم واحتضان شامل من القوى الاستعمارية الغربية، باعتباره مكونا عضويا من مشاريع الهيمنة والنهب ولا يزال وفق وظيفة محددة تتمثل في استهداف البلدان والشعوب العربية بالاحتلال والتدمير والتمزيق ونهب ثرواتها الطبيعية، وحَجْر أي محاولة لتحررها وتطورها، لهذا فإن أي مهادنة أو مساومة أو تطبيع مع هذا الاحتلال، ومهما كانت الذريعة، هو على النقيض تماما من طموحات وحقوق ومصالح وكرامة الشعوب العربية الوطنية والقومية بلا استثناء.
إدراك ووعي هذه الحقيقة، وما تستدعيه من مواقف وممارسة، ليس موضوعا للمساومة أو تصفية حسابات شخصية، أو لثرثرات وملاسنات بين القوى السياسية، كما ليس مرهونا بخيارات بعض القوى الفلسطينية أو الأنظمة والحكومات العربية، فقضية فلسطين أكبر وأخطر وأعمق من الملاسنات، فهي في قلب المواجهة والاشتباك الاستراتيجي الدائر في المنطقة، بغض النظر عن المقاربات الشخصية والتكتيكية لهذا الفرد أو ذاك، لهذا التنظيم أو ذاك، لهذا النظام أو ذاك. ذلك لأن احتلال فلسطين ما هو إلا رأس جسر للإنزال الإستعماري الذي يستهدف كل بلداننا العربية، وهو التجلي الأكثر وحشية وشراسة لمشاريع الاحتلال والهيمنة والسيطرة الاستعمارية على العالم العربي وثرواته وشعوبه….
كل هذا يعني في النظرية والممارسة ضرورة وعي الحراكات الشعبية لنقاط ارتكازها الاستراتيجية وهي تواجه هذه التحديات، بحيث لا تنسى في غمرة نضالاتها الاجتماعية والمطلبية تناقضها مع المشروع الصهيوني وقوى الهيمنة والنهب العالمية، وفي ذات الوقت أن لا يشكل التناقض مع القوى الاستعمارية والنضال ضدها مبررا لتجاوزا حاجات الناس ومطالبهم الاجتماعية العادلة وتغطية على منظومات الفساد وتبديد الثروات الوطنية.
عدم وعي هذه التناقضات والتحديات ومعادلاتها بعمق، يعبر عن ضحالة وسذاجة وهشاشة، مما يفقد الحِراكات الشعبية العربية أحد أهم عناصر نجاحها وانتصارها، ويبقي أي تغيير محكوما بذات المنظومات والبنى والديناميات التي تعيد إنتاج الاستغلال والنهب والسيطرة والهيمنة والاحتلال من قبل ذات الطبقات الداخلية والخارجية، التي تعمل دائما على إعادة إنتاج نفسها من جديد.
هنا تتجلى المسؤولية الأساسية لقوى اليسار ودورها الرئيسي؛ أي أن تقدم أولا وقبل أي شئ قراءة علمية للتناقضات وتجلياتها وقواها المحركة، سواء التناقضات الطبقية الاجتماعية، التي هي جوهر البؤس والاستغلال والفقر والبطالة والتخلف، أو التناقضات القومية بما هي الوجه الآخر لهذا التناقض في تجلياته الأكثر وحشية مع القوى الإمبريالية، التي لعبت وتلعب دورا أساسيا في إعادة إنتاج التخلف والتبعية والتمزق في المجتمعات العربية. وبناء على ذلك يتحدد ثانيا دور القوى اليسارية والتقدمية كقوى فاعلة ومؤثرة وموجِّهة للحالة الشعبية في نضالاتها، عبر تفاعل نظري وعملي ديناميكي. بهذا فقط تحفظ دورها كقوى تقدمية ويسارية بالمعنى الاجتماعي والثقافي والوطني القومي التقدمي.
غير أن ما أظهرته تجربة الحركات الشعبية العربية وصيروراتها وما انتهى إليه بعضها، كشف ضعفا والتباسا شديدا في مواقف وأداء وحضور القوى اليسارية والتقدمية، التي اكتفت بالغزل بالحراكات الشعبية وتقديسها.. فيما تلك الحِراكات هي أحوج ما يكون لمن يعمِّق وعيها ويغني ممارستها ويحميها من الفوضى والعبث، ويسلحها ببرامج ورؤية ثقافية- سياسية – اجتماعية تحصِّنها في مواجهة محاولات حرفها بعيدا عن أهدافها ومطالبها.
هذا الخلل البنيوي والنظري، سهّل ومهّد لحرف الحِراكات أو الانتفاضات الشعبية عن أهدافها ومطالبها الحقيقية والجوهرية، لتصبح بيئة مفتوحة للقوى الرجعية الفاسدة والمُفسِدة، والقوى الظلامية والتدخلات الخارجية، و”الذباب الإلكتروني”، والكثير من المنظمات غير الحكومية المرتبطة (بوعي أم لا) بأجندات التمويل المبرمج والموجه، والأخطر الأيدي الخفية التي تستخدم وبِحِرَفيَّةٍ عالية وسائل التواصل الاجتماعي بصورة منهجية ومنظمة، لكي تحرف وتسيطر على الحراكات الشعبية، بهدف تفريغها من مضمونها وإشغالها بعيدا عن القوى والبنى التي هي السبب الأساسي في بؤسها.
هذا الحضور الهش لقوى اليسار العربي، يشبه حالة نكوص تاريخي سلبي على شكل مهزلة تُذكِّرُنا بالتناقضات والسجالات النظرية والفلسفية التي رافقت الثورات والانتفاضات الاجتماعية والحلقات الماركسية في أوروبا في القرن التاسع عشر.
حيث شهدت تلك الحقبة ثورات وانتفاضات اجتماعية في العديد من دول أوروبا، ترافقت مع نقاشات وسجالات نظرية وفلسفية عاصفة بين القوى الثورية الجذرية التي تملك رؤية نظرية عميقة والتيارات والقوى التحريفية والانتهازية والفوضوية، التي انحرفت نحو تمويه التناقضات الطبقية والاجتماعية وإدارتها تحت سقف النظام الرأسمالي المهيمن، الأمر الذي أربك وشتت الانتفاضات الاجتماعية في مواجهتها مع منظومات الاستغلال السائدة. ومع ذلك فقد عبّرت هذه النقاشات، على حِدّتها، عن الحيوية الفلسفية والنظرية والعملية لتلك الانتفاضات والقوى التي تقودها، بكل ما لها وما عليها، وهي تتصدى للتحريفية والانتهازية والفوضية التي انبثقت في أوساطها آنذاك.
لقد شكَّلت تلك النقاشات اغناءً نظرياً وعملياً عميقاً للحركات الثورية والانتفاضات الاجتماعية، وكانت لاحقا بمثابة ثروة ودروس غنية للقوى التي تدرك أهمية الاستفادة من تجارب ودروس التاريخ، من أجل وعي دورها بجدية وعمق، دون الوقوع في “المدرسية” والتقليد الميكانيكي، الذي لا يأخذ بعين الاعتبار التحولات والتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعلمية العميقة، التي شهدتها وتشهدها المجتمعات البشرية في العصر الراهن.
كان من بين أهم تجليات حالة الاشتباك النظري والفلسفي والسياسي التي عاشتها الحركات والحلقات الماركسية الناشئة في أوروبا آنذاك، وهي تخوض النضالات السياسية والاجتماعية الطبقية، هي النقاشات التي دارت في مواجهة الفوضوية الثورية، والانتهازية الأصلاحية البرنشتينية، والسنديكالية الثورية (النقابية الثورية).
البرنشتينية:
هي تيار انتهازي في الاشتراكية-الديمقراطية العالمية، معاد للماركسية؛ انبثق في أواخر القرن التاسع عشر في ألمانيا وسُمِّي باسم ادوارد برنشتين (1850-1932) زعيم الجناح الانتهازي المتطرف في الاشتراكية-الديمقراطية الألمانية وفي الأممية الثانية. وقد أنكر هذا التيار نظرية النضال الطبقي للماركسية. واعتبر برنشتين النضال من أجل الإصلاحات الهادفة إلى “تحسين” أوضاع العمال الاقتصادية في ظل الرأسمالية، هي المهمة الوحيدة التي تواجه الحركة العمالية، التي تم تقديمها بالصيغة القائلة “الحركة كل شئ، الهدف النهائي لا شئ”.
هذه المقاربة الانتهازية، التي تقدس الشعار المراوغ والخادع “الحركة كل شئ والهدف لا شئ”، والشعار المضلل “خطوة عملية خير من دزّينة برامج”، نعيشها ونشاهدها الآن في الحراكات الشعبية العربية.
قد نفهم انتشار مثل هذه المقاربات أو الشعارات في الحركات الشعبية العفوية، هذا طبيعي، ولكن الأمر الذي يثير الاستغراب هو مواقف وممارسة العديد من قوى اليسار العربي التي لم تبذل جهدا نظريا وثقافيا للتصدي لهذا التحريف، فاكتفت بالأعجاب بالحراكات الشعبية والركض خلفها… لهذا نجدها عاجزة ومترددة، فيما تغرق تلك الحراكات في فوضى الشعارات وعدم القدرة على بلورة برامج واضحة بأهداف اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية محددة على المستويين الاجتماعي والوطني القومي.. بما يتقاطع بصورة ما مع مأثورنا الشعبي “انفق ما في الجيب يأتي ما في الغيب”، أي ترك الحركة لفوضاها الخاصة دون إشغال الوعي والفكر في مآلاتها وأهدافها ونتائجها.
كانت أمي تقول “الحركة بركة” لكن بالتأكيد أنها لم تكن تقصد الحركة بدون هدف. إنها بفطرتها لا تقبل ولا تستسيغ الحركة التي لا معنى لها.
هذا الواقع أدى لنشوء حالة من العماء والتشتت، الأمر الذي أخلى الساحة وترك الحراكات الشعبية هدفا سهلا لتمتطيها وتديرها وتحرفها عن أهدافها قوى رجعية منظمة داخلية وخارجية، تمهيدا لتفريغها من مضمونها، ما دفع تلك الحركات الشعبية نحو حالة من الميوعة والضبابية دون أن تنتبه إلى أن قوى الرجعية والأمبريالية، التي تغازلها، هي سبب رئيسي مباشر في بؤسها وواقعها المرير.
في هذا السياق جاء هجوم الحراكات الشعبية على جميع القوى السياسية دون تمييز. إن بالإمكان تفهم هذا الميل الشعبوي ضد تلك القوى السياسية في ظل واقع العجز الذي تعيشه، فهو يحمل قدرا عاليا من الحقيقة، لكنه في ذات الوقت يواجه إشكاليتين:
الأولى أنه لا يميز بين تلك القوى وأدوار ومواقف كل منها اجتماعيا ووطنيا وقوميا، وبالتالي يتم وضع الجميع في سلة واحدة، والثانية: أنه يغفل غياب البدائل التي لم تتشكل بعد وكيف يمكن أن تتشكل.
هذا الخلط هو أحد أهم تكتيكات القوى المعادية للسيطرة على الحركات الشعبية طبقيا ووطنيا، لتمرير أولا: أجندات خاصة تستهدف في العمق تصفية الحساب مع قوى المقاومة بكل أطيافها. نشاهد بعض تجليات هذا المظهر في الحراكات الشعبية في لبنان والعراق حيث تجري محاولة خلط كل شئ بكل شئ، بحيث يصبح الثوري والمقاوم والعروبي والرجعي والطائفي والمرتبط والفاسد والسمسار جميعا بذات السلة.
وثانيا: تسويق “قيادات” مصنعة ومرتهنة تسهل السيطرة عليها وتوجيهها باتجاه إعادة إنتاج النظام القائم وإن بصيغ جديدة، بما يعني إحباط عملية التغيير تماما.
عملية إعادة إنتاج النظام المهيمن طبقيا هذه، تحيلنا إلى تجربة مصر ولاحقا السودان .. حيث تم الاستيلاء على حركة الشارع، ما أدى إلى عودة هيمنة القوى الرجعية الداخلية المدعومة من الرجعية العربية والقوى الامبريالية الخارجية.
الباكونينية:
تيار نسبة إلى الروسي ميخائيل ألكسندروڤيتش باكونين (1814- 1876)، ايديولوجي ومنظر الفوضوية، كما أرسى أسس النقابية الفوضوية نظرياً وممارسة. شن الباكونينيون نضالا ضاريا على النظرية الماركسية والتكتيك الماركسي للحركة العمالية. تميزت الباكونينية بموضوعتها الأساسية التي تنكر الدولة، كل دولة. وباعتقاد الباكونينيين أنه ينبغي لجمعية ثورية سياسية مؤلفة من شخصيات “بارزة” أن تقود الحركة الشعبية.
هذا التيار الفوضوي يحيلنا بصورة كبيرة إلى ما يجري في لبنان، حيث تم حرف وإغراق الانتفاضة الشعبية المحقة في معظم مطالبها الاجتماعية والاقتصادية بشعارات ملتبسة من نوع “كلن يعني كلن” و “إسقاط العهد” والمؤسسات، وقطع الطرقات، مع سِباب وشتائم، دون توفر أي بديل واضح لذلك.
هكذا في سياق ديناميات مدروسة، وبالاستخدام الكثيف والمنظم لوسائل التواصل الاجتماعي، والقصف الإعلامي المنهجي والمركز، مع الضخ المالي الرجعي، جرى إغراق الحالة الشعبية في الشوارع والساحات بشعارات عدمية لا تميز بين الممكن وغير الممكن، بين العدو والصديق، إلى درجة أن رموز الفساد ومافيا المصارف والطائفية وأزلام السفارات أصبحوا قوة فاعلة ومؤثرة، وأحيانا مقررة في تلك الحركة.
هذا الواقع المتحرك والمفتوح على شتى الاحتمالات، يضع اليسار وغيره من القوى أمام اختبار وأسئلة لا تحتمل المراوغة والالتباس، فالدور الطبيعي لتلك القوى، ارتباطا بما تدعيه من امتلاك للوعي والرؤية والتحليل العميق للمجتمع وتناقضاته، يصبح محل اختبار مباشر في الممارسة كشرط حاسم وأساسي لترجمة الوعي والمسؤولية إلى حماية للحركات والانتفاضات الشعبية من الفوضى والاختطاف، ومنع توظيفها لتصفية الحساب مع القوى الوطنية وقوى المقاومة من جانب، أو إسقاطها في أحضان السماسرة واللصوص والقوى الخارجية من جانب آخر، بما يؤدي في النهاية لإعادة انتاج الهيمنة الطبقية للقوى الرجعية المعادية لمطالب وطموحات وأحلام غالبية الجماهير، والقوى الأمبريالية المتوحشة، ولكن برموز وواجهات جديدة.
ذات المصيدة وقعت فيها ما تسمى “الثورة” في سورية ومن ضمنها قوى يسارية، حيث انساقت وراء الشعار الفضفاض: “الشعب يريد إسقاط النظام”، دون وعي معنى هذا الشعار وما هو البديل وكيف يتأسس، ووفق اية أهداف أو برامج!؟. الأمر الذي أدى إلى انسياق أغلبية تلك المعارضة وراء أهداف غامضة: “الحرية وحقوق الأنسان والديمقراطية”، التي تبدو للوهلة الأولى براقة وجميلة، غير أن المفارقة والمهزلة هي أن تلك المعارضة التي رفعت وترفع هذه الشعارات الجميلة ارتمت في أحضان أعتى الأنظمة العربية رجعية وتخلفا والدول الاستعمارية التي ناضل الشعب السوري، لسنوات طويلة، وقدم تضحيات كبرى على طريق طردها لنيل حريته واستقلاله الوطني… بل وصل الأمر بتلك المعارضة إلى الارتماء في أحضان الاحتلال الإسرائيلي الذي أدمى الشعب السوري، كما أدمى الشعوب العربية بالمجازر والاقتلاع والتدمير على مدار عقود طويلة، كما لا يزال يحتل جزءا غاليا من الأرض السورية كما يحتل فلسطين وبعض الأراضي اللبنانية.
ليتطور الأمر، هكذا وبقدرة قادر، إلى ديناميات تدمير مؤسسات الدولة الوطنية السورية السياسية والاقتصادية والبنى التحتية ونهب الثروات الطبيعية وسرقة النفط والمصانع وتدمير ونهب الآثار الحضارية والتاريخية، وحرق حقول القمح، والتهديد بتفجير السدود المائية، وصولا إلى استهداف الجيش الوطني العربي السوري في محاولة لتمزيقه وتدمير مقدراته الاستراتيجية… كمقدمة لتمزيق سورية اجتماعيا وجغرافيا.
فأية ثورة وأية معارضة وأي تغيير ذلك الذي يدمر مقدرات شعب بكامله باسم الحرية والثورة!!!؟.
السنديكالية الثورية أو “النقابية الثورية”:
تيار برجوازي صغير نصف فوضوي، ظهر في الحركة العمالية في عدد من بلدان أوربا الغربية في أواخر القرن التاسع عشر.
لقد أنكر السنديكاليون ضرورة نضال الطبقة العاملة السياسي، والدور القيادي للحزب. واعتبروا أن النقابات (السنديكات) تستطيع، عن طريق تنظيم اضراب العمال العام، وبدون ثورة، أن تدك الرأسمالية وتأخذ في يدها مقاليد إدارة الإنتاج. وقد أوضح لينين أن السنديكالية الثورية كانت في كثير من البلدان نتيجة مباشرة ومحتمة للانتهازية والإصلاحية والبلاهة البرلمانية ( لينين – المؤلفات الكاملة، المجلد 16، ص 188-189).
مقاربة هذا التيار الانتهازي تجلت وتتجلى في الحراكات الشعبية العربية على شكل رفض الأحزاب السياسية، والمطالبة بما يسمى حكومات تكنوقراط. ولكي تأخذ الكلمة سطوتها يتم تدعيمها بجملة من المصطلحات مثل: “الحوكمة، الحكم الرشيد، المحاسبة، الشفافية، النزاهة، الرقابة”.. وغير ذلك.. وكأن تلك الكلمات بذاتها هي الحل السحري، وكأن توفر هذه المعايير في الدولة ينهي تلقائيا الاستغلال والنهب والفقر والبؤس والبطالة، وكأن الدول الرأسمالية المتطورة أو ما يسمى بالدول “الديمقراطية” ليس فيها فساد واستغلال وقهر. ما يجب وعيه هنا أن هذه المفاهيم هي مجرد آليات وضوابط سيكون لها دورها وتأثيرها الفاعل إذا تم تطبيقها في دولة ومجتمع ينجح أولا في تغيير البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تقوم على استغلال الإنسان للإنسان، وثانيا التحرر من هيمنة الدول الاستعمارية وسيطرتها الاقتصادية والسياسية…!
عدم التصدي لهذه المهام يكشف عن سذاجة وعجز، فكيف يمكن لدولة أو مجتمع أو حكومة أن تتصدى لبرامج سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وتواجه تهديدات وتدخلات خارجية وبعض أرضها محتل بدون حكومة تملك رؤية سياسية واضحة ودقيقة، وكيف يتحقق ذلك بدون أحزاب سياسية! فهل هناك نظام أو دولة أو مجتمع في العالم يعمل بدون أحزاب سياسية!؟، كيف سيتم تحديد السياسات الخارجية ووفق أية نواظم ومحددات، وكيف سيتم تحديد سياسة التحالفات ووفق أية ثوابت ومعايير!؟ وكيف ستتم مواجهة قوى الهيمنة والاستعمار وأدواتها الرجعية واللصوص والسماسرة الداخليين!؟.. وكيف يا ترى وعلى أية أسس سيتم تطبيق الشفافية والمحاسبة والحكم الرشيد في نظم سياسية واجتماعية واقتصادية تقوم على الاستغلال والنهب والهيمنة الخارجية!؟.
أخطر ما تتعرض له الجماهير هو إغراقها في مقولات ومصطلحات تبدو جميلة كالخرز الملون، بينما هي في الحقيقة لا تقول ولا تعني شيئا، ما دامت لم ترتبط بتصفية الاستغلال والهيمنة الاستعمارية. والأمثلة على هذه المعضلة كثيرة: فقط ليتذكر الجميع ما آلت إليه ما يسمى ب”الثورات الملونة” في أوكرانيا والعديد من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة، ليتذكر الجميع كيف تحولت تلك الدول إلى توابع وأسواق لقوى الراسمالية المتوحشة الأكثر تطورا…
جوهر الفكرة أنه لا يكفي تغيير الأشخاص، ولا تكفي إزاحة ومحاكمة الفاسدين واللصوص، على أهمية ذلك، فما دامت منظومات النهب والهيمنة والاستغلال قائمة فسيستمر الاستغلال حتى لو لم يكن هناك فساد، ذلك لأن النظام في هذه الحالة هو الفساد بذاته، إذ يمكن مثلا عقد صفقة مع شركات أجنبية لاستغلال ثروة البلد من النفط والغاز، ويمكن أن تتم هذه الصفقة بكل شفافية وبدون فساد وبصورة مُحكمة قانونيا، غير أن السؤال هنا يذهب أبعد من ذلك: فهل تملك الدولة القدرة على فرض شروط الاستثمار العادلة للثروة الوطنية أم لا؟ وهل يمكن أن يتحقق هذا الاسستثمار في ظل نظام أو حكومة تابعة وخاضعة ومرتهنة للقوى الخارجية…
عندما تم إعدام شقيق لينين الأكبر الفوضوي الثوري أليكساندر عام 1887 بتهمة التخطيط لاغتيال القيصر علق لينين على ذلك قائلا: لا يمكن حل مشكلة روسيا بالاغتيالات، فحين يتم اغتيال لص سيأتي مكانه لص آخر… لن تتحرر روسيا ولن تتخلص من الاستغلال والتخلف والقمع إلا بتغيير السلطة التي تنتج القهر والاستغلال.
في هذا السياق من الضروري أيضا التوقف، ولو سريعا، أمام مفهوم “السلطة”، حيث رفعت بعض الحراكات في الساحات شعارا مضمونه “السلطة للشعب أو للشارع”، هذا الشعار بالتأكيد يدغدغ عواطف الناس، ولكن بمعنى الضغط لبناء سلطة تلتزم بمصالح الشعب والناس وحقوقهم واحتياجاتهم.. فالمقصود بمفهوم “السلطة للشعب” هو أن يكون الشعب هو مصدر السلطات وفق دستور ومؤسسات ومنظومات حكم تنبثق من الإرادة الشعبية، هنا يأتي دور الضغط الشعبي والشارع في الدفع باتجاه التغيير التقدمي، غير أن عملية التغيير بذاتها لا تتم وفق المزاج والمشاعر العفوية، وإنما عبر قوى منظمة يمكنها استلام السلطة وإدارتها وفق برامج وأهداف واضحة تلبي مطالب وحاجات وحقوق الناس، بهذا يتم توجيه الحركة وقيادتها بوعي، بما يؤسس لبنى بديلة ومنظومات سلطة بديلة عن تلك التي انتفض الشعب ضدها.
في ذات الإطار يمكن التوقف أمام مفهوم “الطبقة السياسية”، هذا المفهوم الغامض وغير المحدد الذي يردده بعض المحتجين وأيضا بعض الساسة والاعلاميين، هو مفهوم مراوغ ومضلل، يستهدف التمويه وحرف الأنظار عن اللصوص الفعليين. ذلك لأنه لا يوجد “طبقة سياسية” عامة هكذا وكيفما اتفق، في الحقيقة والواقع يوجد طبقة ناهبة واستغلالية لها تعبيرات سياسية تتجسد في سلطة وبنى ومنظومات سيطرة اقتصادية وإعلامية وثقافية، تلك الطبقة التي تتشكل من تحالف أصحاب المصارف والمضاربين والسماسرة ووكلاء الشركات الأجنبية العابرة للحدود، ومعهم أدواتهم من إعلاميين و”مثقفين”، هؤلاء هم الطبقة الفعلية المهيمنة والسائدة، وهي طبقة عابرة للطوائف والأديان والبنى الاجتماعية والجغرافية، هؤلاء من يتحكمون ويديرون الاقتصاد والسوق ويقررون الأجور والضرائب، واستغلال الثروات الوطنية الطبيعية.
هذه بعض الإشكاليات والتناقضات والاختلالات التي كشفتها تجارب الحراكات الشعبية العربية، على صعيد ممارسة ودور قوى اليسار العربي وبعض القوى التقدمية.
بالمقابل نجد مثالا حيا ورائعا على كيف تصرفت وتعاملت قوى اليسار في أمريكا اللاتينية (فنزويلا/ الأرجنتين، كوبا، نيكاراغوا… وبوليفيا) مع الحراكات الشعبية التي شهدتها في الأعوام الأخيرة، حيث جرى هناك أيضا إشعال فتيل الانتفاضات والنزول للشارع تحت ضغط الواقع الاقتصادي والفقر والبطالة، كما قامت أيضا القوى الإمبريالية، وخاصة الأمريكية، بالعمل الدؤوب والمنظم، سياسيا واستخباريا واقتصاديا وأمنيا وإعلاميا، للتدخل المنهجي واستخدام الرجعية الداخلية لتصفية الحساب مع القوى التقدمية اليسارية في تلك البلدان، باسم “الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وإسقاط الديكتاتورية”، بهدف انتزاع السلطة منها، وإبقاء دول أمريكا اللاتينية مجرد مزارع للموز وساحة خلفية للولايات المتحدة الأمريكية وفق مبدأ مونرو..
الفارق النوعي الحاسم عند قوى اليسار في تلك الدول، هو أنها امتلكت الإرادة والوعي والوضوح والتنظيم والبرنامج، فنزلت بكامل وضوحها وقوتها وحواملها الاجتماعية وإرادتها للشارع لمواجهة الرجعية الداخلية ومشاريع الهيمنة الخارجية، وخاضت نضالا ميدانيا ونظريا وثقافيا وسياسيا ضاريا، كي لا يتم حرف حركة الجماهير وسرقة نضالاتها وإنجازاتها، وفي سياق هذا النضال قامت بتطوير برامجها ونقد بعض خياراتها بما يستجيب للمصالح الشعبية والوطنية. فأين من تلك القوى الثورية “يسارنا العربي”!؟.
“ثمة حكمة شائعة تقول: لو أن البديهيات الهندسية كانت تصدم مصالح الناس، لسعوا بكل تأكيد، إلى دحضها” (فلاديمير لينين – الماركسية والنزعة التحريفية- مارس 1908).
جوهر هذا القول، أن الحركات والانتفاضات الشعبية، عدا عن كونها تعبير طبيعي عن التناقضات الاجتماعية الناتجة عن التناقض في علاقات الانتاج، فهي أيضا في بعض المراحل تأخذ شكل رد فعل على واقع لم تعد معه الجماهير قادرة على التحمل، لهذا فإنها تتحرك وتنزل للشارع بهدف تغيير الواقع، بما يستجيب لمصالحها وحاجاتها وطموحاتها.
غير أن تلك الحركات والانتفاضات والثورات الشعبية، تفعل ضمن شروط موضوعية وذاتية وموازين قوى غاية في التشابك والتعقيد، الأمر الذي يستوجب تحليله وتفكيكه بهدف إدراك أبعاده وتأثيراته.
فالثورة تحدث حين لا تعود الجماهير قادرة على تحمل ظروف القهر والاستغلال والقمع، و حين لا تعود الطبقة الحاكمة أو السلطة قادرة على الاستمرار في الحكم بالطريقة السابقة.
ومع ذلك، وحتى ولو توفر الشرطان أعلاه، فإن نجاح الثورة أو الحركة الشعبية من غير الممكن أن يتحقق بدون تنظيم أو حزب أو أحزاب ثورية تقود وتوجه تلك الحركة، هنا بالضبط تتبدى الأهمية القصوى للنظرية التي يتم على أساسها تحديد أهداف وبرامج واستراتيجيات الحركة وما يتطلبه ذلك من تكتيكات وأدوات وبنى، وهو ما كثفه لينين في مقولته الشهيرة “لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية”، وغير ذلك ستفقد الحركة الشعبية الرؤية الناظمة، ما يدفعها نحو الفوضى والتلاشي، لتصبح هدفا سهلا للالتفاف عليها وتطويعها من قبل قوى الهيمنة والاستغلال الطبقية الداخلية والخارجية، والاستيلاء عليها ثقافيا وسياسيا بما يتناقض وبعمق مع أهدافها الأصلية… وأكبر مثال على ذلك ما شهدته الحركات الشعبية العربية من تشويه واختطاف.. على يد “فيلسوف الربيع العربي” هنري ليفي ومشايخ الظلام والطائفية والمثقفين الانتهازيين أبواق القوى الرجعية العربية ودول النهب والهيمنة الأمبريالية.
لهذا نلاحظ، أن أول ما تستهدفه القوى الرجعية والإستعمارية بصورة مباشرة هو ركائز وعي الشعب والحركات الشعبية.. لكي تضلل تلك الحركات والانتفاضات والثورات الاجتماعية وتسيطر على مسارها، من أجل حماية هيمنتها وسيطرتها ومصالحها وحماية أدواتها الداخلية حتى لو اضطرها الأمر لاستبدالها أو إعادة تدويرها…
هنا تتجلى القيمة والدور الحاسم للتنظيم اليساري الثوري والنخب الثقافية… الذين من المفروض أن يكونوا الأقدر والأسرع على المبادرة لتحصين الحركة الشعبية، وتمكينها برؤية ثقافية وبرامج واستراتيجيات عمل تقوم على قراءة عميقة للتناقضات والقوى المحركة، بما يتناغم مع ما تقوله تلك القوى عن ذاتها ودورها كحامل وطليعة للتغيير الاجتماعي بمضامينه الطبقية والثقافية والوطنية التقدمية، ذلك لأن “تاريخ أي مجتمع حتى الآن ليس سوى تاريخ صراعات طبقية. حرٌّ وعبد، نبيلٌ وعامي، بارونٌ وقن، معلمٌ وصانع، وبكلمة ظالمون ومظلومون في تعارض دائم، خاضوا حربا متواصلة، تارةً معلنة وطوراً مستترة، حرباً كانت تنتهي في كل مرة إما بتحول ثوري للمجتمع كله، أو إما بهلاك كلتا الطبقتين المتصارعتين” )كارل ماركس(.
وغير ذلك ستفقد قوى اليسار والمثقفين اليساريين والتقدميين دورهم ووظيفتهم، ويصبحوا مجرد متسكعين في ذيل الحركات الشعبية… ليبقى الشعار الانتهازي “الحركة كل شئ والهدف لا شئ”، هو سيد الموقف، بما يعيد إنتاج منظومات الاستغلال والقهر والهيمنة والبؤس.
في النهاية، المطلوب يسار مقاوم بكل معنى الكلمة اجتماعيا وطبقيا، سياسيا وثقافيا، وطنيا وقوميا، يسار حيوي فاعل صلب ومبدع… مستعد لخوض النضال بكل شجاعة وجرأة وبأس، بعيدا عن الميوعة والتردد والجبن والالتباس والانتهازية.
*مدير ‏مركز نينوى للثقافة والفنون.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

روسيا: الجيش السوري يتكبد خسائر ويتراجع بعد هجوم في إدلب

(رويترز) – ذكرت وسائل إعلام رسمية سورية أن مسلحين شنوا هجوما كبيرا على القوات الحكومية …

نتنياهو ومنافسه جانتس يلتقيان ترامب الأسبوع المقبل

(رويترز) – قال مايك بنس نائب الرئيس الأمريكي يوم الخميس إن الرئيس دونالد ترامب وجه …

بيان: العراق يوافق على عقود جولة خامسة للتنقيب عن الغاز بالشرق

(رويترز) – قالت الحكومة العراقية في بيان يوم الخميس إن العراق وافق على العقود في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.