الرئيس الجزائري الجديد أمام التحدّيات الداخلية و الخارجية

Spread the love

بقلم: توفيق المديني/

رغم استمرار الحراك الجزائري منذ عشرة أشهر الذي نجح في تنحية عبدالعزيز بوتفليقة، ودفع نحو فتح ملفّات الفساد ومحاسبة المفسدين، واستقراب الجيش من الحراك الشعبي، ،أُجْرِيَتْ الانتخابات الرئاسية الجزائرية يوم الخميس 12ديسمبرالجاري،واعتبرها المعارضون للنظام بأنَّها جرت رغم أنف الشعب “لاستنساخ النظام نقسه”.
وأعلنت السلطة المستقلة للانتخابات الجزائرية يوم الجمعة 13ديسمبر 2019، عن فوز المرشح عبد المجيد تبون الذي حصل على 4 ملايين و945 ألف و116 صوت بنسبة 58.15 بالمئة”، وحلّ عبد القادر بن قرينة ثانيًا بنسبة 17.38 بالمئة، و علي بن فليس ثالثا بنسبة 10.55 بالمئة، وعز الدين ميهوبي رابعا بنسبة 7.26 بالمئة، وعبد العزيز بلعيد خامسا بنسبة 6.66 بالمئة.
وقُدِرَتْ نسبة الاقتراع الرئاسي على المستوى الوطني بنحو41.14 بالمئة، بينما سجلت نسبة التصويت لدى الجالية الجزائرية بالخارج بنحو 8.72 بالمئة، لتستقر النسبة الأولية الإجمالية للتصويت في الداخل والخارج عند 39.93 بالمئة”،وهي نسبة معقولة.
وفي ظل تباين الشارع الجزائري إزاء هذه الانتخابات،نستعرض هوية تعريفية عن الرئيس الجديد.فقد ولد عبد المجيد تبون، بتاريخ 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 1945 بالمشرية بولاية النعامة، حيث تخرج من المدرسة الوطنية للإدارة، اختصاص اقتصاد ومالية، بحسب صحيفة “المساء” الجزائرية.
وشغل تبون عدة وظائف في الإدارة،ليتقلد بعدها مناصب وزارية،حيث تولى منصب وزير منتدب بالجماعات المحلية((1991-1992ثم وزيرًاللاتصال والثقافة سنة 1999،ثم وزيرًا للسكن والعمران في (2001-2002)، وعاد لتولى مجددًا نفس المنصب للوزارة في نفس 2012، التي توسعت في سنة 2013 لتشمل المدينة.
كما تقلد مهام وزير التجارة بالنيابة إثر مرض الوزير الراحل بختي بلعايب، ليعين بين شهري مايو/ أيار وآب/ أغسطس 2017 وزيرا أولا (رئيس وزراء).وقبل أن يتولى هذه المناصب، شغل تبون منصب أمين عام بولايات: الجلفة، أدرار، باتنة والمسيلة. كما شغل واليا لولايات أدرار، تيارت وتيزي وزو.وعقب الإعلان عن قبول ملف ترشحه، اعتبر تبون أن الانتخابات “هي وحدها الكفيلة بمواجهة التهديدات التي تترصد بالبلاد، وهي تهديدات حقيقية وليست وهمية”، على حد قوله.
واعتبر الرئيس الجزائري الجديد أنَّ شرعيته لن تتأثر بنسبة التصويت المتدنية، التي لم تتجاوز 40 في المائة، ووعد عبد المجيد تبّون في خطابه الرئاسي الافتتاحي باعتماد سياسة “اليد الممدودة” في التعامل مع الحراك الاحتجاجي، ووصفه بالحراك “المبارك”، قائلا إنّه “أعاد الجزائر إلى سكّة الشرعية”، وأكّد الرّجل أنّه “مرشّح المجتمع المدني” وليس مرشح السلطة الحاكمة، وصرّح يأن “لا سبيل لاستمرارية التصرّفات السّابقة”.
وقال تبّون :”الانتخابات انتهت، من صوّت ومن لم يصوّت كلهم جزائريون، والجزائر تسع الجميع دون إقصاء”.ووجّه تبون رسالة إلى سكان منطقة القبائل(البربر) في محافظتي تيزي وزو وبجاية ، التي شهدت مقاطعة تاريخية للانتخابات “بالنسبة لمنطقة القبائل أتحدث عنها بشعور خاص، أنا منهم، وأقسم بالله متشوق لزيارة تيزي وزو وبجاية إن سمحت الظروف وتسهل الأمور ونزورها”.وتعهد تبون بتكريس أقصى حد ممكن بالنسبة إلى حرية الصحافة، وقال “أنا مع الحرية لأقصى حد، وأحارب كل الأمراض التي تدخل في حرية التعبير”.
الرئيس الجزائري يؤدي اليمين الدستورية
أدّى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يوم الخميس الماضي ، اليمين الدستورية أمام رئيس المحكمة العليا والمجلس الدستوري، حيث مُنح وسام استحقاق وطني، وهو تقليد معمول به مع كل الرؤساء في الجزائرخلال تسلّمهم للسلطة.
ويُعدّ تبون سادس رئيس منتخب في تاريخ الجزائر، بعد كل من الرؤساء الراحلين، أحمد بن بلة، وهواري بومدين، والشاذلي بن جديد، وليامين زروال، وعبد العزيز بوتفليقة.
وتعهّد تبون، في أول خطاب يلقيه للشعب الجزائري، بإجراء تعديل دستوري في وقت وجيز من بداية عهدته الرئاسية التي بدأت يوم الخميس 19ديسمبر2019، وذلك لبناء “الجمهورية الجديدة”، و”جزائر لا يظلم فيها أحد”، وأمر المسؤولين والمؤسسات الإعلامية بسحب لقب “الفخامة” من اسم الرئيس واستبدال لقب السيد به.
وقال إِنَّ “الدستور الذي هو الحجر الأساس للجمهورية الأولى، ومثلما تعهدت خلال الحملة الانتخابية، فإِنَّنِي سأقوم بتعديله خلال الأشهر الثلاثة الأولى، وربما خلال الأسابيع الأولى”، من عهدته الرئاسية.
وأكَّدَ تبون إِنَّ الدستور الجديد سيحقق مطالب الشعب، ويتضمن إقرار “عهدة رئاسية تجدد مرّة واحدة (بمجموع عهدتين فقط)، ويقلّص من صلاحيات رئيس الجمهورية، ويحصّن الجزائر من السقوط في الحكم الفردي، ويخلق التوازن بين المؤسسات ويضمن الفصل بين السلطات”.
وأكَّد الرئيس تبون،أنَّه سيقرّ أيضاً تعديل قانون الانتخابات، حيث سيتضمن شروطاً جديدة للترشح للمجالس المنتخبة (المحلية والبرلمان)، تخصّ الحصول على مستوى وشهادة علمية، ما يضمن أخلقة الحياة السياسية، وإعادة الاعتبار للمجالس المنتخبة، وتشجيع الشباب على الترشح، ومساعدتهم في تمويل الحملة الانتخابية، قائلاً إن الدولة ستتكفل بتمويل المرشحين الجامعيين لمنع وقوعهم في يد المال الفاسد، متعهداً “بتجريم تدخل المال الفاسد في العمل السياسي”.
وجدَّد الرئيس الجديد دعوته للحراك الشعبي والمكونات السياسية والمدنية إلى الحوار، قائلاً: “أجدد التزامي مدّ يدي للجميع للحوار في إطار التوافق الوطني وقوانين الجمهورية”، مؤكداً التزامه “الاستجابة للتطلعات العميقة لشعبنا بالتغيير العميق لنظام الحكم ولدولة الديمقراطية، دولة القانون وحقوق الانسان، وخلق الظروف لإعادة بعث النمو الاقتصادي، وإرجاع الجزائر لمكانتها بين الأمم”، موضحاً أنه “يتعين علينا أن نطوي صفحة الخلافات والتنازع”.
ووضع تبون مسألة مكافحة الفساد ضمن أولوياته السياسية، قائلاً: “لن أسمح بالعبث بالمال العام، وستعمل الدولة على مراقبة ذلك”، موجهاً دعوة إلى من وصفهم “برجال المال والأعمال الصادقين للاستثمار في كلّ مناطق البلد”، مؤكداً أنَّ الدولة ستكون في دعمهم، في إشارة إلى رفضه استمرار الممارسات السابقة في دعم عشوائي وغير منتظم لرجال أعمال لم يكن هدفهم بالأساس الاستثمار.
وفي ملف السياسة الخارجية، اعتبر تبون أنَّ الجزائر ستحافظ على ثوابتها “حيث تنأى بنفسها عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وترفض بقوة محاولات التدخل في شؤونها، وتواصل التعاون في محاربة الإرهاب والجريمة، بهدف الإسهام في تحقيق السلم العالمي”.وبالنسبة إلى الأزمة الليبية، قال إِنَّ “الجزائر أولى وأكبر المعنيين باستقرار ليبيا، أحب من أحب وكره من كره، ولن تقبل بإبعادها عن الحلول المقترحة في ليبيا”.وأردف: “سنعمل على تحقيق استقرار ليبيا ووحدتها، والجزائر تدعو الإخوة الليبيين إلى جمع صفوفهم ونبذ التدخلات الخارجية”.
وشدد تبّون على أن “المغرب العربي الذي حلم به أجدادنا سيظل في اهتماماتنا، وندعم حسن الجوار والتعاون مع دول المغرب العربي”.وتابع: “أُعْلِنُ بِوُضُوحٍ إِنَّ مسألة الصحراء الغربية هي مسألة تصفية استعمار، وهي قضية بيد الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، ويجب أن تبقى بعيدة عن تعكير صفو العلاقات مع الأشقاء في المنطقة المغاربية”.كما أعلن أن بلاده مستعدة “لدعم الدول العربية الأخرى التي تعاني من أزمات مثل اليمن والعراق بصدق (..) إلى جانب التمسك بمطلب إصلاح الجامعة العربية بصفتها المظلة الجامعة للعرب”.
وبعد أن استقر الرئيس الجزائري الجديد عبد المجيد تبّون في قصر المرادية بالجزائر العاصمة،تبرزأمامه مجموعة من التحديات،عليه أن يواجهها بحكمة وتروي،وعن طريق بلورة مشروع وطني جديد لإعادة بناء الدولة الوطنية ،واتخاذ تدابير إصلاحية فورية، تثبت صدْقية الوعد بالتغيير، وتبعث رسائل طمأنة وتهدئة للحراك الشعبي،لكي يتجاوز عملية التشكيك في شرعية الرئيس المنتخب ،حيث لا يزال قسم من المعارضة يُعَدُّالانتخابات الرئاسية شكلية ومزورة سلفا ،باعتبارها محاولة من النظام لاستنساخ نفسه وفرض الأمر الواقع على الشعب الجزائري.
1-التحدي الأول :وهو الشرعية الانتخابية
في العقل الجمعي الجزائري والعربي،لا يزال الجيش الجزائري هو الصانع الحقيقي للرؤساء في الجزائرمنذ الاستقلال،وهو الذي يحكم ويديرالبلاد ،فضلاً عن أنَّهُ هو الذي قرَّرَ كل الخيارات التي فرضت على البلاد، وجاءالحراك الأخيرليضع نقطة توقف لهذه الطريقة في الحكم. ومنذ بداية ما يسمى ب”الربيع العربي” في سنة 2011،أصبح العزوف الانتخابي،هو السمة السائدة في مختلف الانتخابات الجزائرية،الشيء الذي عزَّزمخاوف السلطة الجزائرية من تراجع نسبة المشاركة في هذا الاستحقاق الرئاسي.
ففي قراءة موضوعية لنسبة المشاركة في الانتخابات ، يلمس المراقب الموضوعي أزمة الشرعية في الانتخابات من جرَّاءِ تنامِي نسبة العزوف لدى عامة الشعب،ولا سيما الشباب منه. فقد بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية في 10 مايو/أيار 2012 نسبة 42.9 في المائة،أما الانتخابات البلدية أو المجالس البلدية التي أجريت في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2012،فبلغت نسبة المشاركة 45 في المائة.وبالمقارنة مع الانتخابات السابقة، سجلت وزارة الداخلية التي كانت تشرف على العملية الانتخابية، نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية في الرابع من مايو/أيار 2017، بالأضعف،إِذْوصلت إلى 38 في المائة، بينما ارتفعت نسبة المشاركة في الانتخابات المحلية في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017 قليلاً مقارنة مع سابقتها، إِذْ بلغت نحو 47 في المائة.
أما بالنسبة للانتخابات الرئاسية، في 17 إبريل/نيسان 2014 والتي فاز فيها الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة بولاية رئاسية رابعة، بأغلبية ساحقة من أصوات الناخبين بنسبة أكثر من 81 في المائة، فبلغت نسبة المشاركة في هذه الانتخابات نحو 52 في المائة، وهي نسبة أقل بكثير مقارنة مع نسبة المشاركة المسجلة في انتخابات الرئاسة في العام 2009، والتي تجاوزت آنذاك الـ74 في المائة.
ومن خلال هذه الأرقام، وفي ظرف عشر سنوات، لم يتعد إقبال الجزائريين على الانتخابات إجمالاً الـ50 في المائة من مجموع نسب المشاركة في مختلف الاستحقاقات الانتخابية سواء أكانت بلدية أو تشريعية أورئاسية،إذ ارتفع منسوب الاحتجاجات في الجزائر في شتى القطاعات الحيوية، على الرغم من الإصلاحات التي بادر إليها بوتفليقة في 2012 وفتح المجال السياسي.
والحال هذه،فإِنَّ الرئيس الجزائري الجديد،عبد المجيد تبّون، سيعاني طوال فترة ولايته من التشكيك في شرعيته، على الرغم من إِنَّ نحو 40% من الجزائريين الذين يحق لهم التصويت انتخبوه، والذين قالت السلطة إنهم شاركوا في أكثر انتخاباتٍ مثيرةٍ للجدل في تاريخ الجزائر المستقلة.
فلا يزال قسم كبير من الحراك الشعبي في الجزائر يعتبر أنَّ تنظيم اقتراع ضد إرادة الشعب هو ضمان للفشل واستمرار للأزمة السياسة،إِذْ ستفتقد النتائج لكل شرعية ومصداقية ما دام هذا الشعب غير منخرط فيها. وينبع التشكيك في مصداقية الانتخابات الرئاسية الجزائرية بأنَّها قامت في جو الاعتقالات والمحاكمات والاحتجاجات والمظاهرات الضخمة التي نظمها الحراك،والتي يرى فيها إنكارًا صريحًا للواقع من طرف الجيش،ورغبته في المرور عن طريق القوة لغاية واحدة هي الاستمرار في حكم البلاد، وهو دليل أيضا على وقوع سلطة الأمر الواقع في مأزق لم تكن مستعدة لمواجهته.
لعلّ التحدّي الذي سيواجهه الرئيس الجديد يكمن في استمرار المظاهرات المنظمة من جانب الحراك،وفي قدرة الرئيس المنتخب أن يعزز شرعيته الانتخابية عن طريق التحرّرمن قبضة الجيش، وتمتعه بهامش من حرية الحركة للقيام بإصلاحات ديمقراطية حقيقية في بنية االنظام تستجيب لمطالب الشارع، ولو بالتقسيط، وعلى فترات متوالية، كما حصل خلال الشهور الماضية.
في مواجهة عملية التشكيك في شرعيته،وفي محاولته فرض نفسه رئيسًا شرعيًا لجميع الجزائريين،وإقناع المعارضة الجزائرية بأنَّهُ رجل حوار يمتلك القدرة على اتخاذ القرارات بعيدًاعن ضغوطات المؤسسة العسكرية، دعاالرئيس الجزائري المنتخب،عبد المجيد تبّون،في خطاب ألقاه بعد إعلان فوزه بمنصب رئيس الجمهورية، الحراك الشعبي إلى حوار “جاد” من أجل البلاد ،واعداً الشباب بدولة مطهرة من الفساد، وبدء مشاورات لإعداد دستور جديد يطرح على الشعب في استفتاء شعبي.
وشدَّد تبّون على أنَّهُ لن يكون استمرارًا لنظام الرئيس المستقيل، عبد العزيز بوتفليقة، أو عهدة خامسة له، وقال “على المشاركين في الحراك أن يتيقنوا أنَّهُ لا استمرار للعهدة الخامسة”.ولمّح تبون إلى إمكانية اتخاذه إجراءات وتدابير تهدئة، على غرار الإفراج عن الناشطين المسجونين، وقال “بالنسبة لمن دخلوا السجون بسبب السياسة سأعمل بالتشاور من أجل إيجاد حلول”، في إشارة منه إلى نشطاء الحراك، لكنه رفض أي عفو عن رجال الأعمال والوزراء المسجونين، وقال “لا يمكن التعامل مع الفاسدين إلا بالقضاء، والفساد لا يقبل العفو الرئاسي”. وتابع قائلاً “من أولوياتي رفع الظلم عمن ظلموا من طرف العصابة”.ولم ينس تبون تثمين جهود وثبات قائد أركان الجيش، الفريق أحمد قايد صالح، وصبره على وصفه بـ”الشتيمة والسب”.
وبينما اعتبر التيار المتشدد في الحراك الرئيس المنتخب عبد المجيد تبّون واجهة فقط في نظام تقوده المؤسسة العسكرية ،وطالب برحيل كامل المنظومة القديمة المرتبطة بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وعجز عن تقديم مشروع وطني ديمقراطي حقيقي لتجنّب البلاد الدخول في فراغ قد يؤدي بالجزائر إلى فوضى عارمة،برز تيار آخر من المعارضة الجزائرية يُرِيدُ الحوار مع الرئيس الجديد .فقد سارع حزب جبهة القوى الاشتراكية ،وهو أعرق حزب في المعارضة الجزائرية إلى إصدار موقف حول الحوار، طارحًا مجموعة من الشروط، لتجنب ما قال إنَّهُ “الحوار المزيف الذي يكون تحت رعاية السلطة في مؤتمر غير سيادي، يكون الهدف منه المصادقة على خريطة الطريق المحددة سلفا”.وبحسب هذا الحزب، فإنَّه لا بد من توفير خمسة شروط للذهاب إلى الحوار، هي “إشاعة جو من التهدئة موات للتشاور والحوار، لا سيما إطلاق سراح معتقلي وسجناء الرأي واحترام حريات التعبير والتظاهر والاجتماع، وكذلك التبني المشترك لجدول الأعمال، واختيار المشاركين، والاحتفاظ بالطبيعة السيادية والشفافة للحوار، واعتماد برنامج مُجمع عليه للخروج من الأزمة، والتزام كل الأطراف بتنفيذه في المواعيد المحددة”.
أما حزب جبهة العدالة والتنمية غير المشارك في الانتخابات الرئاسية، فقد دعا السلطة إلى القيام بمجموعة من الخطوات، منها “تنظيم حوار سيد وشامل حول الإصلاحات اللازمة والشروط المختلفة التي تحمي إرادة الشعب، واعتماد خريطة مستعجلة ومتدرجة في الاستجابة لمطالب الشعب، وتحافظ على الوحدة الوطنية، وتحّيد وتعزل كل الفاسدين”.
وطالب الحزب كبوادر حسن نية بـ”إطلاق سراح جميع المعتقلين بسبب آرائهم ومساندتهم أو مشاركتهم في الثورة الشعبية السلمية”،وفتح “وسائل الإعلام المختلفة أمام الجميع دون تمييزولا مفاضلة”،و”عدم التضييق على الحراك الشعبي،والابتعاد عن سياسة الاعتقالات والمتابعات”.
أما من جانب أحزاب السلطة القديمة، فقد ثمّن التحالف الوطني الجمهوري ما وصفه باليد الممدودة للرئيس المنتخب إزاء الحراك الشعبي، من أجل حوار جاد واقعي وبنّاء.ووجّه هذا الحزب نقدا للحراك الشعبي، الذي قال إن عليه أن يُغير موقعه وينتقل من عقل الشارع إلى عقل النخبة، أو الانتقال من قوة رفض في الشارع إلى قوة اقتراح مشاركة في دوائر صناعة القرار، وفق بيانه.
إذا أراد الرئيس الجديد أن يدعم شرعيته الانتخابية غير المكتملة، ولكنها ضرورية لضمان استقرار الجزائر، فعليه أن يُغَيِّرَالصورة المأخوذة عنه من أنَّهُ “ابن النظام القديم” الذي يطالب الجزائريون بإسقاطه،ويُؤَسِّسَ لنفسه شرعيةً تاريخيةً جديدةً مُتَحَرِّرَةً من وصاية الجيش،ويُشْرِكَ قادة الحراك الوطنيين والديمقراطيين في عملية الإصلاح من داخل النظام،بدلاً من اللعب ببطاقة الثورة التي لا تملك لا هوية واضحة، ولامشروع وطني وديمقراطي، وربما تقود الجزائر إلى المجهول.
ومع أَنَّ هامش المناورة للرئيس الجديد ضيق للغاية،لأنَّ المشاركة في الانتخابات كانت الأضعف في تاريخ الرئاسيات في الجزائر،وهو ما يعني أن التصويت فرَضَه الجيش ،وشرعية الرئيس هشة،فهل سيتحرر الرئيس عبد المجيد تبون من وصاية الجيش الجزائري الذي يريد أن ينسحب من أجل الحفاظ على مصالحه وامتيازاته؟
من المفترض أن يكون عبد المجيد تبّون، وهو رجل تجربة، هو من يَحمل هذا الحل، أنْ يكون وسيطًا ذي مصداقية، ويُقدِّم صورة عن وضعية توازن، ما بين الحراك والجيش، لا سيما أنَّ الميزان، في هذه اللحظة، لا يزال يَميل لصالح الجيش في ضوء صعوبة تنازل العقل السياسي القديم عن الامتيازات التقليدية الممنوحة بموجب الدستور لرئيس الجمهورية والحزب الحاكم،ويبلور دستورًاجديدًا ديمقراطيًا،وتقدّميًا ،وتوافقيًا، في ظلّ التباينات الحزبوية، والجهوية والعصبيّة التي تشقّ الاجتماع السياسي الجزائري الرّاهن.
فقد انحاز قسم لا بأس به من الجزائريين إلى مشروعٍ أكثر أمنًا،وأقل تكلفة من مسارالتغيير الجذري،تجسد في الرئيس المنتخب ،الذي يمتلك في خزانته مشروعٌ لمحاربة الفساد، وكان شعاره فصل المال عن السياسة،الذي بدأه في فترة تولّيه رئاسة الحكومة عام 2017، وهو المشروع الذي سريعًا ما أودى به يومها، بعد أن تآمرت عليه عناصر ما توصف اليوم بالعصابة، بإزاحته من كرسي رئاسة الحكومة، بعد ثلاثة أشهر فقط من قيادتها، في أقصر مدة وزارية في عمر الجزائر المستقلة.فمن المؤكد أنَّ بلدًا من 40 مليون نسمة،لا ينتج سوى الغاز والنفط،والأموال المنهوبة فيه فاقت ال60مليار دولار من جرَّاءِ الفسادِ المستشري في مفاصل الدولة ،لا يكون قابلاً للحياة في القرن الواحد والعشرين.
2-التحدّي الثاني:هو المغاربي و الإقليمي
لا شك أنَّ الرئيس الجديد عبد المجيد تبّون مطالبٌ أكثر من أي وقت سبق بإعادة بناء الجمهورية الثانية في الجزائر،لكي تلعب الدولة الوطنية الجزائرية دورًا إقليميًا فاعلاً على الساحتين المغاربية والعربية.فقد بعث العاهل المغربي، محمد السادس،برقية تهنئة لعبد المجيد تبّون قال فيها: “أجدد دعوتي السابقة لفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين الجارين، على أساس الثقة المتبادلة والحوار البناء،أرجو أن تتفضلوا، صاحب الفخامة بقبول أصدق عبارات تقديري”.والحدود بين المغرب والجزائر مغلقة منذ 1994،وسط خلافات سياسية بين البلدين،أبرزها ملف إقليم الصحراء.
وبدأ النزاع بين المغرب وجبهة “البوليساريو” حول إقليم الصحراء عام 1975، بعد إنهاء الاحتلال الإسباني وجوده في المنطقة، ليتحول إلى مواجهة مسلحة بين الجانبين، توقفت عام 1991، بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار، برعاية الأمم المتحدة.
وعلى الرغم إِنَّ الجزائروالمغرب ينتميان إلى فضاء عربي-إسلامي واحد،هو العالم العربي ،والأمةالعربية،ولاينفكان يتغنيان بالروابط المشتركة بينهما:اللغة العربية،والدين الإسلامي(المذهب المالكي)،والتاريخ المشترك منذ الفتح العربي-الإسلامي، والجغرافيا الواحدة، والعادات و التقاليد و الخصائص النفسية المشتركة،و هي كلها عوامل لا تشجع على التطبيع وحسن الجوار بين البلدين فقط ، بل إنَّها تشكل أساسًا صلبًا لأي وحدة اندماجية خالصة، فإنَّه ومنذ إستقلال الجزائر عام 1962 اتسمت العلاقات بين “البلدين الشقيقين”- بالعدائية في معظم مراحلها ،وكانت دائمًا على حافة القطيعة باستثناء المرحلة الواقعة بين 1969 و1974. وقد ترجمت حالة العداء المستمرة هذه بالمواجهة العسكرية في تندوف عام 1963، وهي تضع البلدين منذ عام 1975 على حافة المجابهة حول مسألة الصحراء الغربية. و يعود أساس هذا التناقض بين فعل الإيمان بالوحدة و العدائية في واقع العلاقات إلى النمط السلطوي في شرعنة الحكم السائد في كلا البلدين.
بالنسبة للنظام المغربي يشكل استمرار الملكية محورًا استراتيجيًا تعطى له الأولوية. وبالنسبة للجزائر،وأقله حتى غياب هواري بومدين عام 1978، فالثورة مهددة بالفشل إذا كانت ستتوقف عند الحدود المغربية.و ما كثبان الرمل ومساحات الأرض في تندوف عام 1963 أوفي الصحراء الغربية منذ 1975 سوى ذرائع للمنافسة بين النظامين اللذين يرى كل منهما في الآخرتهديدًا له.وكان دفاع الملكية عن نفسها إزاء معارضة الأحزاب اليسارية لها في الستينيات تماهيها مع المغرب الأبدي ومصيره.أمَّا الجزائر فقد ادعى نظامها شرعية ثورية أعاق مشروعها التحرري التحالفات التي عقدها المغرب الجار مع الدول الغربية.
ومنذ رحيل الاستعمار الفرنسي عن أرض الجزائر،لم يشهد تاريخ العلاقات بين الدول المغاربية سوى تراكم العقبات التي تعترض سبيل بناء وحدة المغرب العربي،إلى درجة أنه يمكن القول أن سد هذه العقبات أصبح يحجب أطول الأعناق عن التمتع بالنظر إلى حلم الوحدة المغاربية، أهمها قضية الصحراء وهي محل خلاف بين المغرب والجزائر.
كما أن العلاقات بين الأخوين اللدودين في المغرب العربي، الجزائروالمغرب،لم تعرف حالة من التطبيع الكامل ،بل إنَّ العلاقات بين البلدين عرفت مراحل من المدِّ و الجَزْرِ لا ينتهيان.علمًا أن التطبيع الكامل بين المغرب والجزائر يمثل شرطًاأساسيًا من شروط النهوض باتحاد المغرب العربي، ومطلبًا دوليًا يجتمع عليه الموفدون عبر المتوسط وعبر الأطلسي.
يمثل تشابك المسألة الصحراوية وتعقيداتها الصخرة التي تتحطم عليها كل محاولات تطبيع العلاقات بين الجزائر و المغرب .ففي المغرب و الجزائرمعًا تحول استغلال الشعور الوطني إلى سلاح سياسي في الصراع على السلطة .وهنا تكمن صعوبة إيجاد حل في نزاع الصحراء الغربية خارج نطاق المشروع القومي الديمقراطي الوحدوي. فبالنسبة للدولة المغربية تعتبر أي تنازل في قضية الصحراء يقود إلى خسارتها ،سيعني سقوط العرش.وبالنسبة للنظام الجزائري ، فإنَّ المزايدة الوطنية “حول تقرير المصير في الصحراء الغربية”، تشكل عنصرًا من عناصر بقاء الدولة التسلطية. وقد حول كل من المغرب والجزائرقضية الصحراء الغربية بفعل هذه المزايدة الوطنية إلى قضية أكبر من فلسطين. علمًا أنَّ الدولتين لا تبديان أية معارضة ولو شكلية إزاءالمخطط الأمريكي الصهيوني لتصفية قضية فلسطين.
ولم يغب موضوعا الصحراء والحدود عن مفكرة عبد المجيد تبّون خلال حملته الانتخابية. ففي الوقت الذي تعهّد فيه بعض المرشحين، مثل عبد العزيز بلعيد، بفتح الحدود المغلقة مع المغرب في حال انتخابهم، أبدى تبون تشدّدًا واضحًا في موضوع إصلاح العلاقات مع المغرب، مشترطًا تقديم الرباط اعتذارًا رسميًا قبل فتح الحدود المغلقة منذ عام 1994. وأشار إلى أن هذا الشرط طرحته الدولة الجزائرية منذ تلك الفترة، مؤكدًا في المقابل أنَّ قضية النزاع في الصحراء لم تكن سببًا في إغلاق الحدود بين البلدين.
وفي أول تصريحاته بعد إعلانه فائزًا في الانتخابات الجزائرية يوم الخميس الماضي، لم يغفل تبّون الملفات الأكثر حساسية مع الجار المغربي، وإن بدا حديثه أكثر دبلوماسية وأقل تشدّدًا مما بدا عليه خلال الحملة الانتخابية. وأشار إلى أنَّ هناك ظروفًا أدَّتْ إلى إغلاق الحدود مع المغرب، وأنَّ “زوال العلة لا يكون إلا بزوال أسبابها”، في إشارة منه إلى مطالبته السابقة باعتذار الرباط، وإن كان قد توقف هذه المرة عند الروابط الطيبة التي قال إنها تجمع بين الشعبين الجزائري والمغربي.
وعلى الرغم من الجهود التي بذلها السيد جيمس بيكر الذي عُيِّنَ في مهمته كمبعوث شخصي للأمين العام للأمم المتحدة مكلف بقضية الصحراء منذ عام 1997، بهدف التوصل إلى حَلٍّ لقضية الصحراء الغربية لإيجاد تسوية سياسية لهذه القضية التي تعود إلى مخلفات الحرب الباردة، فإنَّ استقالته اعتبرها المحللون واحدة من حالتين ،إما أنها تعكس قناعة لدى بيكر بالإخفاق في وساطته أما م انسداد أبواب التسوية،أو أنها مقدمة لتطورات لاحقة تعمل الولايات المتحدة الأمريكية على بلورتها على غرار ما قامت به لفرض حل في نزاعات إقليمية ودولية أخرى مثل النزاع في جنوب السودان. ورأى المراقبون أنَّ انسحاب جيمس بيكر من ملف أالصحراء يعد انتصاراً للمغرب ومكسباً دبلوماسياً له، لأن الرباط كانت ترى في الوسيط الأممي عقبة مستعصية لتحقيق التقدم المنشود في مخطط التسوية السياسية، لأنه برأيها تجاوز صلاحياته وانتقل من موقع الوسيط إلى موقع المفاوض، كما أنَّ بيكر لم يتوان في حشد وتعبئة عدد من الجهات واللوبيات قصد انجاح مشروعه.
ما حدث أن قضية الصحراء نمت في اتجاه آخر، وعندما تسلم الوسيط الدولي السابق جيمس بيكر الملف عام 1997 أقر بالصعوبات التي تكتنف التعاطي معه، مؤكدًا ضرورة البحث عن حلٍ بديلٍ لاستفتاء تقرير المصير. وقادته جولات استكشافية مع الأطراف المعنية إلى وضع صيغة “الاتفاق – الإطار” ضمن ما يعرف بـ”الحل السياسي” بعدما كان جرَّبَ محاولات سابقة لتفعيل خطة الاستفتاء في سياق اتفاقات “هيوستن” التي جاءت عقب محادثات عقدت في برلين وبرشلونة.
لكن رفض الجزائر وجبهة “بوليساريو” صيغة الاتفاق – الإطار الذي يمنح إقليم الصحراء حُكْمًا ذاتيًا مُوَسَعًا في اطار السيادة المغربية، جعله يطرح أربعة خيارات جديدة هي: العودة إلى الاستفتاء أو تكريس الحكم الذاتي أو تقسيم الإقليم أو انسحاب الأمم المتحدة من إدارة الملف. لكن اللافت أن فكرة التقسيم التي جاءت باقتراح من الرئيس الجزائري بوتفليقة عرّضت من جديد علاقات المغرب والجزائر إلى المزيد من التأزم. فقد اتهم المغرب الجزائر أن لها أطماعاً في الصحراء تغلفها بمبدأ تقرير المصير وتؤكد أنها من خلال طرح فكرة التقسيم تحاول أن تنوب عن سكان الصحراء في تقرير مصيرهم.
ومن المعروف أنَّ اقتراحات المبعوث الدولي جيمس بيكر تنص على إجراء استفتاء لتقرير المصير بعد فترة انتقالية تدوم بين أربع أو خمس سنوات، في نطاق تجربة الحكم الذاتي الذي يقوم على أساس منح سكان الاقليم صلاحيات واسعة في إدارة الحكم المحلي بعد انتخابات ترعاها الأمم المتحدة ليختار الشعب بين الاستقلال عن المملكة المغربية أو الاندماج مع الاحتفاظ بحكم شبه ذاتي.وهوبديل مستحب،حسب الأمم المتحدة بين الاندماج في المغرب والاستقلال للشعب الصحراوي..وكان بيكر قد عهد إلى فرنسا برعاية الحل السياسي،إلى جانب الولايات المتحدة وفق هذا “الاتفاق ـ الاطار”.
الأطراف الدولية ،خصوصا ً فرنسا و الولايات المتحدة تساند الطروحات المغربية في شأن قضية الصحراء الغربية ، وهناك مجموعات أمريكية تشجع مشروعًا اقتصاديًا لتنمية المغرب العربي بالتحالف مع المملكة العربية السعودية لمنافسة مشروع الشراكة الأورو-متوسطية الذي أطلقه الاتحاد الأوروبي في برشلونة عام 1995 ،ولكن إحراز أي تقدم لأي مشروع رهن بحل النزاع في الصحراء الغربية و إيجاد حل سياسي للنزاع الأهلي في ليبيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.