تاكيكارديا وحراسة المعاني النبيلة

Spread the love

بقلم: غنوة فضة * |
يقول ” جورج ماي ” في كتابه السيرة الذاتية: “ما يُميّز موقفنا عند قراءة سيرةٍ ذاتيةٍ عن موقفنا عند قراءة رواية ، ليسَ كون الأولى حقيقية و الثانية خياليّة ،و إنّما كون الأولى تظهر لنا في لبوس الحقيقة و الثانية تظهر في لبوس
الخيال ” .
ومن فضاءٍ حقيقيّ لا تخيليّ, تنطلقُ قراءتنا لرواية “تاكيكارديا ” للكاتب السودانيّ أمير تاج السرّ، الصّادرة عن دار هاشيت أنطوان 2019 ، و التي تبيّنُ كما يذكرُ الكاتب وَ الطبيب ، أنّ تاكيكارديا ، ذلك النص الذي يقارب السيرة إلى حدّ ما ،هو التعبير اللاتيني لحالة تسارع دقات القلب ، حيث كانت الأحداث تتسارع بهِ لينتقلَ بالقارئ نحو تجارب ذاتية تتصل بعالمٍ تشوبهُ الغرابة واللحظاتُ الفجائية التي غمرت سيرةَ طبيبٍ ينطق من فضاءٍ مكانيّ يؤلّفُ إحدى مدن الساحل السودانيّ و أحياءَ أخرى مختلفةٍ ،بدءاً من العيادة المتواضعة في حيّ فقير، إلى المستشفى الذي أسماهُ ( الحائط القصير ) و الذي يمكن للجميع الدخول و الخروج منه دون إثارةٍ للشبهات . لتبدأ عبرهُ شعلة الأحداث و تبلور الشخصيات التي يصفها الكاتب قائلاً :
” خاماتُ نصوصٍ أخّاذةٍ ملعونةٍ , ترسمُ جمالَ الحياة و قُبحها , في الوقت نفسهِ ترسمُ الصورةَ الأخرى للحلم ” .

الخاصيّة التّشعّبيّة :

يصف الراوي أبطاله قائلاً: “أولئكَ البسطاء الذين يتسيّدون المجالسَ , يصنعون حيواتٍ لا يمكن أن تكون كما صاغوها أبداً”.
عشّاقٌ بقصص حبّ تنشأ في أي وقتٍ ، وبين أطرافٍ لا يتوقّع حتى أن تمتلك عواطف من أيّ نوع . أبطالٌ يتنقّلُ بينهم كما لو كان مصوّراً مؤتمناً على ما يلتقط . إلى مصابينَ سكنوا ذاكرته ، يتشعّبون و يتناسلونَ بأمراضٍ وعرة ، وأصواتٍ صقيعيّة لا مبالية. من يتناولون عقاقير الهلوسة، إلى من يستحمّ بالهذيان و يتزين بالبَلَه . و عبر قسم الأمراض النفسية، يرفع السارد من حدة الضوء قليلاً على أبطال جُدد، من موظف تخديرٍ عاشقٍ يكتب الشعر و ينطق بكثيرٍ من الحكمة، يهيمُ و هو نزيلُ القسم المأزوم. إلى آخرَ يعشق ممرضة ستينية و يعمل بائعاً متجوّلاً في النهار ،ليعودَ مريضاً مصاباً بالهلوسة ليلاً. إلى نساءٍ خذلهم العرف و المجتمع و الفقر . حتى ترتفع حدة الضوء شيئاً فشيئاً، و تتشعّب الشخوص في وتيرةٍ تصاعدية، لتشتدَّ العدسةٌ أكثرَ على شخصية فريدة غريبة هي “سوسو طرب” المغنّية التي تحتلّ غرفةً داخل المشفى متّخذةً لنفسها حججاً واهية ، متذرّعةً بأمراضٍ عديدة بغية تحويل المكانِ لنقطةٍ تستقطبُ أصحاب الجاه والمال والنفوذ ممن يغدقونها لقاء قضاء الليالي الحميمة داخل غرفتها، الأمر الذي يصيب الراوي (الطبيب) بالحنق، سيما بعد اتّهامه بالتّستر على مآربها، فيتحيّن الفرص و يحتال حتى يقبض عليها متلبّسةً مع عشيقٍ جديد وينجحُ في تطهير مكان عمله من سلوكياتها المؤذية.

صلَفُ الموتِ وَ عنجهيّته:
يتكرر عبر الرواية ذكر ” شريفة مختار ” السيّدة البيضاء الجميلة التي سكنت صورتها ذاكرة الراوي ، و التي تصل المستشفى بحالٍ جيدة لتضع مولودها الثالث فتموت في مشهدٍ يسبب صدمةً للجميع ، الأمر الذي يُشكل المنبت الأساس لظهور شخصيّةٍ بارزةٍ في النصّ وهي شخصية ” مجهول ” الذي يباغت الطبيب الساردَ حيثما تواجد ، في العيادة ، في المستشفى ، في الملعب ، مكرراً سؤاله الخانق
“كيف ماتت شريفة أيها الطبيب ؟ “في إشارةٍ منه لإهماله و اتّهامه بالتخفّي والتستر على أسباب موتها.

“مجهول “طالبُ كلية الطبّ، لم يكمل دراسته . يكشف عن شخصيةٍ غرائبيةٍ جديدةٍ، ويُقلقُ راحة الطبيب الذي يقرر من جانبهِ مهاجمته في مكان سكنهِ، لتقع المصادفة ويتعرف على أبي مجهول “عثمان تسلية” العجوز مبتور الساق، و المسرحيّ القديم المنسيّ على ناصيةِ طريقٍ بات يُشكّل عالمهُ الأرحب، حيث يقتعد عتبة داره ليصير كمثل ذاكرةٍ حية لسكانِ حيِّ بأكمله، حالماً برؤية ابنه المشرّد للحظاتٍ قليلة قبل أن يموت.

عبر المراسلات الصامتة على لوحٍ خشبيّ ،تتآكل قصة موت شريفة مختار . وما بين بوحٍ و عتابٍ ، تطول الأيام ، و يقبض الموت المعنويّ قبل الجسديّ على روح ” عثمان تسلية ” ذلك الموت الذي يكاد يلامسُ موت العاطفة الذي ينفيه خارج الحياة ، ليختفي مجهول من جهتهِ و يكتشف الطبيب موتهُ المفاجئ قبلَ أن يحقق رغبة أبيه برؤيتهِ ،و بعد أن يُجهَد الراوي النبيل في إنقاذ صورةٍ واحدةٍ من صور البؤس الذي يحيط بهِ ، لا يجد أمامه سوى الهجرة و الرحيل إلى بلادٍ لا أثرَ فيها لغياب الحياة و أمكنةٍ تحييها أقدامٌ لا تشبه أقدام المشيّعين و المعزّين .

يقولُ أحمد أمين في كتابهِ حياتي :
“لماذا لا أؤرّخ حياتي, لعلّها تصوّر جانباً من جوانب حياتنا, وتصفُ نمطاً من أنماطها . لعلّها تُفيدُ اليومَ قارئاً وتُعينُ غداً مؤرّخاً ” وعبر سيرة “تاكيكارديا ” نقرأ نزراً عميقاً مجتزءاً من سيرةٍ ذاتيةٍ محبوكةٍ بمهارةٍ خارجةٍ عن النبرة الكلاسيكية المعهودة ، وبكثيرٍ من الفكاهة و التهكم المرّ المغمور بالسوداوية الكوميديّة، نصل لحكايةِ طبيب رسّخ قيماَ إنسانيةً رفيعة من خلال رسم الصور القاتمة لحياةٍ حاربها بالحرف والكلمات.

*روائية سورية.

المصدر: مجلة الإمارات الثقافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.