حصاد تسع سنوات من الثورة التونسية: الأزمات الداخلية

في نتائج الانتخابات التونسية
Spread the love

بقلم: توفيق المديني/

احتفل التونسيون بالذكرى التاسعة لثورتهم يوم الثلاثاء 14كانون الثاني /يناير الجاري، بوصفهاحدثًا استثنائيًا في بداياته وفي منطلقه من فعل الجماهير المهمشة و الغاضبة و الطامحة، إذ دخلت تونس في مدارات تاريخية جديدة وفتحت باب الفعل أمام شرائح اجتماعية متنوعة المشارب والتطلعات كانت تعاني من الاضطهاد والإقصاء و التهميش، وكانت محرومةً من الحق في التعبيروالحق في الاحتجاج و الحق في الفعل.
حركة الاحتجاجات في تونس قادت إلى عصيان مدني ، وسريعًا ما فتحت الباب أمام التمرد وبسرعة قصوى تحول التمرد إلى انتفاضة الشعبية عامة أسقطت النظام،أورأسه على الأقل ، من خلال هروب الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي يوم 14 يناير/جانفي 2011.والسؤال الذي يطرحه المحللون ،هل تمتلك هذه الديناميكية الاحتجاجية القدرة على الارتقاء إلى مستوى ثورة شاملة؟
الثورة ،أوالتغيير الثوري،ليست حالة مشهدية،جموعية،يحتشد في نطاقها الناس(“الجماهير”)ليمارسوا-بالعنف السياسي المدني أو بالعنف المسلح- عملية تغيير للنخبة السياسية الحاكمة.إسقاط سلطة حاكمة ليس، بالضرورة ثورةً أو يفتح طريقًا إلى الثورة، بل قد تُنجزُ طبقةٌ حاكمةٌ ثورةً ،هي نفسُها،أو تشترك مع غيرها من الطبقات و الفئات في إنجاز الثورة سلميًا من دون قطيعة دموية مع عهد سابق(ماذا حصل في بريطانيا غير ذلك؟)….فالثورة ليست ، هي –في مفهومها النظري- تغيير شامل للبنى و العلاقات الاجتماعية-الاقتصادية، وهو ما يترافق مع تغيير علاقات السلطة وتركيبها الطبقي المناسب لنوع العلاقات الاجتماعية- الاقتصادية السائدة.
ما يؤكد كون ماحدث في تونس كان بالأساس عصيانًا مدنيًا يعود لطبيعة الحركة الاحتجاجية التي انطلقت من الولايات الفقيرة و المهمشة، واحتكرت الشارع و الفضاء العام ، وتجاوزت النخب وكل الأحزاب المعارضة على اختلاف مرجعياتها الأيديولوجية ،التي قبرت مقولة الثورة في مقبرة التاريخ، منذ نهاية الحرب الباردة، وانهيار المنظومة الاشتراكية السوفياتية.
لهذه الأسباب لم يكن للحركة الاحتجاجية برنامج عمل واضح المعالم،ولم تكن لها أيضًا قيادة ثورية ،ووعي سياسي ناضج،وإذا حكمنا على “الثورة التونسية”،أوهذه الحركة الاجتماعية الكبيرة التي تحولت إلى انتفاضة شعبية عارمة،انطلاقًا من الأهداف التي صيغت في قالب شعارات، من قبيل” الديمقراطية ،والعدالة الاجتماعية،والكرامة الإنسانية”،فلن يكون الحكم عليها في صالحها قطعًا، فليس كلَّ مايُريدُ المرْءُ يُدْركه لوجود، الفجوة الموضوعية بين الرغبات والشعارات المطروحة ووسائط القوة لتحقيقها، بين الينبغيات واليقينيات،أواختصارًا-لامتناع ميزان القوى المناسب.هذه واحدة ، الثانية أن أهدافًا كبرى مثل الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية، لا تكفي الإرادة- و الرغبة فيها- كي تتحقق، حتى و إن أسعفت موارد القوة( وميزان القوى بذلك)، فهي –مثل سواها من الأهداف الثورية الكبرى التي عرفها التاريخ البشري في القرنين الثامن عشر و التاسع عشر، و في ثورات القرن العشرين ، تتوقف على وجود الشروط التحتية ، وليس في جوف البنى الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية التونسية، ما يفصح عن علائمها، حتى و إن كانت تونس تتميز بوجود طبقة متوسطة قادرة أن تلعب دور الحامل الاجتماعي لأي ثورة ديمقراطية مستقبلية.
و إذا كان التعريف العلمي لمعنى الثورة، هو عبارة عن انقلاب على النظام السياسى القائم باستخدام العنف، والقضاء على النخبة السياسية الحاكمة والمتحكمة، واستبدالها بنخب “ثورية” جديدة، فيمكن لنا أن الانتفاضة الشعبية فى تونس لم تلجأ إلى العنف، وإنما استطاعت إسقاط النظم السياسية من خلال الضغط الشعبي .
غير أننا لو تأملنا الموضوع مَلِّيًا لأدركنا أن التعريف السابق للثورة قاصر قصوراً شديداً، لأنه ركز فقط على البعد السياسى المتعلق بالقضاء على النظام القديم ولم يتطرق إلى جوهر أى ثورة حقيقية ،وهو أن يكون لها مشروع فكري وثقافي و سياسي و مجتمعي جذري يقطع قطعاً واضحاً مع النظام القديم، ويشكل بداية جديدة لتأسيس دولة وطنية ديمقراطية تقوم على المؤسسات، و تاليًا بناء مجتمع جديد يسود فيه القانون و العدل..
المحللون غير المنحازين عاطفيًا إلى الثورة ،ويتعاملون مع مقولة الثورة من منطلق فكري وثقافي وسياسي ،وينتقدون بعض القوى السياسية من حركات الإسلام السياسي التي نتاج فشلها في الانتخابات الرئاسية الأخيرة ، عادت إلى الاستثمار من جديد في مقولة الثورة ، وكأن “السكن في الثورة” يمنحها شرعية جديدة للبقاء في الحكم، هؤلاء المحللون يطرحون السؤال التالي:هل نجحت الثورة التونسية فى تحقيق عملية الانتقال من الثورة إلى عملية التحول الديمقراطي ، والشروع فى إعادة بناء الدولة الوطنية الديمقراطية التعددية ،والتأسيس لنظام اقتصادي واجتماعي جديد يقطع مع نهج التبعية للغرب ، ويحقق الانتظارات الحقيقية للشعب التونسي ، المتمثلة في حل المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية التي تتخبط فيها البلاد منذ تسع سنوات ،وبناء تنمية مستقلة ومستدامة، وتحقيق العدالة الاجتماعية.
سقوط حكومة الجملي:هزيمة لحركة النهضة
بعد انتهاء الشهر الثاني من تكليف السيد الحبيب الجملي الّذي اختارته حركة النهضة مرشحًا لها لتشكيل الحكومة الجديدة ،فشل رئيس الحكومة التونسية المكلف، الحبيب الجملي، في تمرير تشكيلته الوزارية أمام مجلس نواب الشعب يوم 10كانون الثاني/يناير2020، إذ وصل عدد النواب الذين رفضوا منحه ثقتهم 134 نائبًا، مقابل أصوات “النهضويين” و”ائتلاف الكرامة” القريب منهم (72نائبًا)، بينما يتطلب منح الثقة البرلمانية للحكومة الحصول على 109 أصوات نيابية من أصل 217.
ويُعَدُّ سقوط حكومة الحبيب الجملي أول سقوط لحكومة أمام مجلس النواب منذ سنة 2011، بسبب الأخطاء السياسية التي ارتكبتها “حركة النهضة” منذ إعلان خوض الانتخابات الرئاسية والتشريعية،إذ توهّمت أنَّها بحصولها على نحو 54 مقعدًا في البرلمان ، محتلة المرتبة الأولى، وأنَّها أصبحت القوة السياسية الأولى في البلاد التي تتحكم في المشهد السياسي التونسي، لا سيما بعد أن خاضت الانتخابات التشريعية باستخدام مفردات و مقولات الثورة الساحة خلت لها، وأنها الحاكم بأمرها، سيمحو عنها صورة الحزب البراغماتي الذي مدّ يده إلى النظام القديم، وصالح رموز الدكتاتورية والفساد، من خلال القبول بالحكم المعولم لتونس عقب اتفاق 13آب/أغسطس في باريس 2013 بين الشيخين الباجي قائد السبسي زعيم حزب “نداء تونس”،والشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة “النهضة الإسلامية”.
ولكن ذلك لم يكن مُجدياً، إِذْ أصبحت تونس محكومة منذ ذلك الوقت و لآخر انتخابات رئاسية وتشريعية جرت في خريف سنة 2019، بالمعادلات الإقليمية و الدولية، بل إنَّها أضحت محكومةً بقرارٍ دوليٍ فاقدةٍ سيادتها الوطنية ،هو ما يمكن تسميته بالحكم المعولم،بين أهم مكونين سياسيين:التيار الديني ،متمثلاً بالإسلام السياسي المتحالف مع الولايات المتحدة الأميركية، والمستند إلى مركز إقليمي يتمثل في النظام التركي الأردوغاني ،الذي تحوّل إلى مركز قيادي لحركات الإسلام السياسي في العالم العربي، بعد حدوث الزلزال المصري وتداعياته على تجربة الإخوان المسلمين في مصر،وانتقال مركزهم من القاهرة إلى إسطنبول ، والتيار العلماني المتمثل بحزب “نداء تونس” وزعيمه التاريخي الباجي قائد السبسي.
فحركة النهضة لم تكن في يوم من الأيام جزءًا من معسكر الثورة، بل هي شريكة أساسية في النظام التونسي القديم ، قبلت به وفق شروط معينة أهمها :
1- عدم المس بالنظام الاقتصادي والعلاقات الخارجية “التاريخية” لتونس.
2- التخلي عن محاولة تغيير “النمط المجتمعي”.
3- عدم المطالبة بأي محاسبة على الجرائم الحقوقية والاقتصادية التي ارتكبت طوال عقود الديكتاتورية.
بعد سقوط حكومة حركة النهضة بقيادة المكلف الحبيب الجملي الجمعة الماضية،عادت النقاشات في الساحة التونسية هذه المرّة إلى الفقرة الثالثة من الفصل 89 من الدستور التونسي ،والتي تتيح لرئيس الجمهورية السيد قيس سعيّد التدخل لتحمل زمام المبادرة من بوابة اختيار الشخصية “الأقدر” لتشكيل الحكومة التونسية الجديدة. وتخشى حركة النهضة هذا الخيار،لأنّها تدرك أنَّ الشخصية الاقدر لرئاسة الحكومة التي سيكلفها الرئيس ستكون بشكل او بآخر مؤثرة على وجودها في المشهد البرلماني ،ولهذا فهي لا ترغب في ترك الأمر للصدف أو لأهواء الرئيس بل تريد وضع ملامح لهذه الشخصية والمساهمة في تحديدها.وما يشغل الحركة حالياً ليس التفكير في كسر الحصار الذي تخشي أن يُفْرَضَ عليها في البرلمان وأن ينتهى بسحب البساط وسحب الثقة من راشد الغنوشي كرئيس للبرلمان ، ما يشغلها بالأساس هو من سيكون مرشح رئيس الجمهورية الذي تنظر إليه على أنَّه المتحكم اليوم في مصيرها.
الرئيس قيس سعيّد ملتزم بنص الدستور، فهو يطبق الفقرة الثانية من الفصل 89 من الدستور الذي يمنح رئيس الجمهورية عشرة أيام للمشاورات مع الأحزاب السياسية التي تقدم له الأسماء المرشحة لرئاسة الحكومة،وأن يختار بالتشاور معهم لاحقا مرشحًا لرئاسة الحكومة يكون الأقدر،أو أن يتشاور معهم التزامًا بما يَنُّصُهُ الدستور ولكنَّ له صلاحية اختيار مطلقة لمن يكون مرشحه.
و إذا كان نصف الحقيقة في ملعب رئيس الجمهورية قيس سعيّد، فإنّ النصف الآخرتمتلكها الأحزاب السياسية، فإذا اختار الرئيس الشخصية الأقدر المكلفة بتشكيل الحكومة، فإنَّ الأحزاب مطالبة بالتصويت عليها في البرلمان، ومنحها الثقة ،أو حلّ البرلمان والعودة للشعب مجددًا لاختيار نوابه في انتخابات برلمانية سابقة لأوانها.
و الحال هذه، فإِنَّ حكومة الفصل 89 من الدستور أمامها عدة سيناريوهات ، نستعرضها تباعًا:
السيناريو الأول:أن تتشكل الكتل البرلمانية في جبهة برلمانية واحدة لها الأغلبية النيابية ،تضم مبدئيًاكل من كتل “تحياتونس” 14 نائبًا،وكتلة “الإصلاح الوطني” 15 نائبًا، وكتلة”المستقبل”9نواب،ونواب”الكتلة الديمقراطية”41نائبًا،وكتلة “قلب تونس” 38نائبًا، وكتلة”الحزب الدستوري الحر”17نائبًا، ليكون المجموع 134نائبًا.
ويظل هذا السياريو ممكنًا حسابيًا،لكنَّه مرهون بإيجاد تسويات حقيقية بين حزب قلب تونس الذي يترأسه السيد نبيل القروي ،وحزب تحيا تونس الذي يترأسه رئيس حكومة تصريف الأعمال السيد يوسف الشاهد، وكذلك التسوية بين حزب قلب تونس و حزب التيار الديمقراطي برئاسة السيد محمد عبو.
السيناريو الثاني:أن تتشكل الحكومة من الأحزاب المنشقة من حزب النداء التاريخي، وحركة النهضة، لتشكيل حكومة “توافق جديدة” بين الدساترة العلمانيين والإسلاميين ، وسيمكن هذا التحالف من ضم 130نائبًا، وذلك إذا ما جمعنا عدد نواب حركة النهضة 54 نائبًا،و14نائبًا لحزب تحيا تونس، والإصلاح 15، و المستقبل 9، وقلب تونس 38 نائبًا.
ويظل هذا التوافق أقرب للواقع منطقيا، فعلاقة النهضة بحزب قلب تونس حدّدها توقيت التصويت على انتخابات رئيس مجلس النواب ونائبته الأولى،إِذْ دعمّ حزب قلب تونس في وقت سابق راشد الغنوشي حتى يستطيع الوصل إلى سدّد رئاسة البرلمان ، كما أن العلاقة بين النهضة وحزب تحيا تونس هي علاقة متجددة.
السيناريو الثالث: هو تشكيل حكومة الوحدة الوطنية.
تشترك حركة النهضة مع خصومها من الأحزاب السياسية في هوية رئيس الحكومة – وهو شرط موضوعي – هي أن يكون من خارج الأحزاب، ولكنَّ النهضة تخاف من تكاتف جل خصومها من الـ134 نائبا.ولما كانت حركة النهضة تريد البقاء في الحكم بأيِّ طريقة كانت، نظرًا لشبقها هي ورئيسها السلطوي، فإنّها ستظل تغازل رئيس الجمهورية قيس سعيّد في السرّ و العلن، لتقنعه بأنَّها قادرة على توفير حزام سياسي لمرشحه للحكومة ،إن كانت هي جزءًا من الحل ، وهذا الحزام يتكون منها أساسًا ومن وفاعلين آخرين ستحددهم الخيارات التي ستنتهجها الشخصية الاقدر. وهذا ما سيجعل النهضة تتحرك على أكثر من صعيد لجس نبض بقية الكتل في المجلس لرسم ملامح القادم.
الحكومات ما بعد الثورة أنتجت الخراب الاقتصادي و ازدياد المديونية
ومنذ انفجار الثورة، وطيلة حكم الترويكا،وحكم “التوافق”،عاشت تونس خراباً حقيقيًا لاقتصادها، محا النمو المتسارع والمستقر الذي عاشته البلاد على مدى أكثر من عقد بشهادة المنظمات الدولة المانحة، والشركاء الاقتصاديين لتونس مثل الاتحاد الأوروبي، وبشهادة الشعب التونسي بمختلف طبقاته الاجتماعية وأجياله، الذي صار أكثر من ثلثه فقيرا أو تحت خط الفقر.
بعد مرور تسع سنوات على ثورة 14 يناير/ جانفي 2011، حكمت خلالها البلاد من قبل تسع حكومات متعاقبة وسبع رؤساء حكومات، وكانت لكل حكومة خصوصيتها وبرامجها وإجاباتها وسلبياتها ليكون الاقتصاد أحد أبرز العناصر المحددة لنجاح أو فشل كل حكومة بالعودة إلى المؤشرات الاقتصادية التي تتحقق في فترة حكمها.
وكانت كل هذه الحكومات سواء في عهد الترويكا أو في عهد حكومات “التوافق”،تفتقرإلى منوال جديد للتنمية،فتراجع النمو والتنمية في عهدها،بل انعدمَا أو كادَا يضمحلان رغم أرقام نمو سلبية غالباً أو مبالغ فيها لا تناسب الواقع بسبب الفقر المستشري والأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، والتي رهنت مستقبل الأجيال القادمة عقوداً لدى الدائنين، وقضت على أنموذج التنمية السابق لحكم الترويكا و”التوافق”على علاته، ونسفت نجاحاته وصارت التنمية غاية يصعب تحقيقها. فقد تفشت ظاهرة التهريب في ظل حكم الترويكا، إذ تسبب في خسائر يومية طائلة لخزينة الدولة، وخلقت مشاكل جمة للمؤسسات المنظمة، فأضحت المغذي الرئيسي للتجارة الفوضوية التي تحولت إلى اقتصاد خفي قائم الأركان. وحسب دراسة أعدها البنك الدولي، فإنَّ التهريب يكلف تونس سنويا خسائر تقدر بنحو 6600 مليار من المليمات، أي ما يعادل 3.6 مليارات
هذه الفترة عرفت فيها كل المؤشرات الاقتصادية تحولاً كبيرًا مقارنة بسنة 2010، إذ تراوحت نسبة النمو في ما بين 0.5 و 1.5 بالمائة حتى استقرت سلبيا على (1.9-) بالمائة، وأصبحت نسبة النمو في عهد حكومة الشاهد (2016-2019)حوالي 1.5%.
وبلغت نسبة البطالة 18.9 بالمائة لتنهي فترة حكم الباجي (سنة 2011) ، ثم وصلت في المرحلة الثانية من فترة الحكومات المتعاقبة ما بعد الثورة ،والتي تخص كل من حكومة حمادي الجبالي وحكومة علي العريض أوما يعرف بفترة “الترويكا” والتي امتدت من مارس 2011 إلى غاية يناير/جانفي 2014، فهذه المرحلة اتسمت بالاضطرابات الأمنية التي أثرت سلبيا على كل التوازنات المالية للبلاد وأهمها الضربات الإرهابية التي حدثت في كل من قبلاط وفي سيدي علي بن عون…واغتيال الشهيدين من المعارضة التونسية شكري بلعيد ومحمد البراهمي في سنة 2013.
كما أنَّ أهم ما ميز هذه المرحلة اقتصاديًا هو تراجع أغلب المؤشرات الاقتصادية في البلاد، فقد بلغت نسبة البطالة 15.8 بالمائة بانخفاض طفيف مقارنة بنسبة 2011، وكان ذلك بفضل الانتدابات التي وصفت بغير المدروسة والعشوائية التي تمت في الوظيفة العمومية لترتفع بمفعول هذا القرار كتلة الأجور بثلاث مرات خلال تلك الفترة وبـ 16 مرة منذ الاستقلال بعد أن ارتفعت بمعدل 7680 مليون دينار تحديدا في قانون المالية لسنة 2020.
أما في ما يخص حجم التداين زمن حكومتي الجبالي والعريض فقد بلغ 41 مليار دينار حتى موفى 2013 تحديدا بما يعادل الـ 48 بالمائة من الناتج الداخلي الخام،وكان حجم عجز الميزانية العامة للدولة في تلك الفترة في حدود الـ 5.5 بالمائة، كما سجل حجم الديون تزايدًا ليصل إلى 44.7 بالمائة من الناتج الداخلي الخام. وخلافًا للحكومات التي سبقت تلك الفترة فقد عاشت السياحة التونسية صعوبات كبيرة بسبب الضربات الإرهابية التي استهدفت السياح الأجانب مما أدى إلى تراجع كل المؤشرات الخاصة بالسياحة من عدد الوافدين والليالي المقضاة بالنزل التونسية وبالتالي الإيرادات السنوية المتوقعة مساهمتها الكبيرة في اقتصاد البلاد.
وحسب البيانات الرسمية فقد تراجعت عائدات القطاع السياحي بنسبة ناهزت الـ48 بالمائة بالمقارنة مع النتائج المسجلة خلال سنة من قبل، إذ انخفض عدد السياح الذين زاروا تونس خلال تلك الفترة بنسبة تفوق الـ20 بالمائة، حيث حتى لا يتجاوز عددهن الـ 5 مليون و720 ألف سائح فقط…لكن هذا الرقم في عدد السياح الذين دخلوا إلى البلاد التونسية قفز إلى 9.5ملايين سائح في سنة 2019، بإيرادات تقارب 2.2مليار دولار.
ومباشرة بعد هذه المرحلة الاقتصادية، عرفت البلاد مرحلة جديدة مع الحكومة “الوحدة الوطنية” برئاسة يوسف الشاهد(2016-2019) ،وصل فيها عجز الميزان التجاري إلى أكثر من 15 مليار دينار سنة 2017، حتى بلغ مع موفى 2019 حدود الـ 19.4 مليار دينار، ونسبة التضخم ناهزت الـ 7.8 في المائة، وبلغت نسبة الدين العمومي إلى 76 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، فضلا عن تسجيل نقص كبير في مدخرات تونس من العملة الصعبة وصل إلى 69 يوم استيراد ،وبلغت نسبة النمو حدود الـ 1.5 بالمائة..
ووسط الأرقام والمؤشرات الاقتصادية القاتمة في كل المراحل التي حكمت فيها حكومات ما بعد الثورة، بقي الاقتصاد المتضرر الوحيد جراء مخلفات هذه المرحلة الانتقالية التي عرفتها البلاد منذ الاستقلال والتي عصفت بكل مكوناته، حتى تصل اليوم وبعد مرور تسع سنوات إلى منعرج خطير خاصة في ما يتعلق بالتركة الثقيلة من الديون الخارجية التي تجاوزت الخطوط الحمراء.
فشل الحكومات المتعاقبة في محاربة الفساد
لا شك في أن مسألة محاربة الفساد المستشرية و المؤثرة في مسيرة الدولة الديمقراطية الناشئة، و التنمية الاقتصادية و الاجتماعية، و الثقة بمؤسساتها، حيث لا يزال عودهذه الديمقراطية طرّيًافي تونس، تتطلب من الأحزاب السياسية الحاكمة أن تمتلك إرادة التغيير، أي الإرادة السياسية الجامعة و القادرة و الراغبة في إعادة بناء الدولة الوطنية الديمقراطية،فمثل هذه الإرادة السياسية غير متوافرة لدى حكومة الترويكا بزعامة حركة النهضة ، و لا في ظل حكومة “التوافق”التي جمعت بين حزب “نداء تونس ” و حزب”النهضة “الإسلامي ، و لا عند بقية الأحزاب الليبرالية الأخرى المشاركة في الحكم منذ بداية سنة 2015 و لغاية الآن .
فهذه الأحزاب التي تشكلت منها الحكومات المتعاقبة ، لم تطرح في برنامجها مسألة محاربة الفساد، لأن المال السياسي الفاسد هو الذي أوصلها إلى السلطة، و لهذا لا تشعر بأي انتماء للدولة الوطنية الديمقراطية، بل هي تتعاطي مع منطق الدولة وفق رؤتها الخاصة القائمة على الدولة الغنائمية ، ما دامت تعتبرالمناصب الوزارية العامة طريقًا إلى الثروة و النفوذ، ومادام الشأن العام ، والمصلحة العامة، و الخدمة العامة، مُغَيَّبًا أو مُنْتَقِصًا،لحساب مصالح سياسية فئوية حزبية وجهوية وطائفية ، وطبقية رأسمالية طفيلية، مادامت هذه المعظلات تشكل شبكة أمان و حماية تحصن الفساد ، و تحمي الفاسدين ، وتجعلهم بمنأى من المساءلة و المحاسبة و تسليط العقوبات عليهم ، وهو الأمر الذي يعزز في المواطن التونسي روح الفساد و الجرأة على ممارسته، حيث يصبح عادة متأصلة و قيمة اجتماعية و نهجًا في العمل، ما دمنا نعيش في ظل دولة غنائمية ، لا دولة وطنية ديمقراطية حريصة على القيام بالإصلاحات المرتبطة بمفاهيم وقيم المجتمع الأساسية ، ومنها: معنى الدولة الديمقراطية، و مفهوم الخدمة العامة و المواطنة، و الشأن العام، و أخلاقيات الوظيفة، و الثقافة الديمقراطية، و مفهوم دولة القانون و الحقوق و الواجبات و الحكم الرشيد، و بالتالي استقلال القضاء.
إنَّ دولة تُعّدُ فيها الثروة و سيلة لبلوغ السلطة، والسلطة أداة لبلوغ الثروة، والحال هذه ينطبق على الدولة الغنائمية التونسية القائمة منذ عام 1956 و لغاية الآن ، التي لاتقيم وزنًا لاحترام القانون وقيم الحق و المساواة و العدالة ، هي دولة تشكل بيئة حاضنة للفساد ، بألوانه وأشكاله كلها، فضلاً عمّا يسببه هذا من مشكلات ومخاطر على استقرار النظام الديمقراطي الهش،وأمن تونس،إضافة إلى أن الفساد يعوق بشكل حقيقي التنمية المستدامة، ويعرض سيادة القانون للخطر،ويحول دون تحقيق مبدأ استقلال القضاء و استقلال القضاة.
إنَّ من دواعي الإصلاح الديمقراطي،محاربة الفساد،ومحاربة الفقر،والتركيز على التنمية،أي مراعاة البعد الاقتصادي و الاجتماعي والإنمائي للديمقراطية ،الذي يقوم على فكرة التضامن الاجتماعي التي تعد من ركائز بناء الدولة ووحدتها،وتشكل صمام أمان للعدالة واستقرارالنظام، و شرطًا أساسيًا للقضاء على الفساد.وترتبط الديمقراطية برباط محكم بالتنمية بوصفهما قوتين تحريريتين من الفقروالجهل والتبعية، ومن ثم من الفساد، وتعزز إحداهما الأخرى. فلا تنمية من دون ديمقراطية، أي من دون مشاركة واعية للشعب في عملية التنمية، ولا يمكن للديمقراطية أن تنمو و تزدهر في ظل أوضاع اقتصادية و اجتماعية تنموية متخلفة.
فالتنمية و الديمقراطية تقوم بينهما علاقة متبادلة، وتشتمل كل منهما في آن على عناصر اقتصادية ومجتمعية و سياسية، المدخل الصحيح لمحاربة الفساد و تعزيز مبدأ المنزاهة والشفافية.و إذا لم تعمل القيادة السياسية للدولة على بث روح جديدة في الحياة السياسية، وتسعى إلى بناء إدارة ترتكز على قيم الجدارة و التميز و التجرد و المسؤولية وأخلاقيات العمل والخدمة العامة واحترام القانون و إشاعة مناخات من الثقة و التفاعل داخل الجسم الإداري ومع المواطنين، حيث تكون الإدارة حيادية ونزيهة و شفافة، و تكون أمينة على خدمة المواطن، وحريصة على المصلحة العامة ، وحمل المسؤولية و الأمانة، ورائدة وقدوة للآخرين،لا أمل بالإصلاح، ولا أمل في القضاء على الفساد.
والحال هذه فإن الحكومات المتعاقبة في تونس،التي تتالت في مرحلة الانتقال الديمقراطي طيلة السنوات التسع الماضية ،عجزت عن إدارة منظومة الفساد،وتحليلها،لأنها لم تتجرأ عن فتح ملف الفساد، وبالتالي فهي بما تمثله كمنظومة حكم متكونة من السلطة التنفيذية و السلطة التشريعية ،غير مؤهلة لتأسيس النظام الديمقراطي الذي يؤمن ببناء دولة القانون، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وتحقيق العدالة الاجتماعية، بوصفها الانتظارات الاستراتيجية للشعب التونسي من هذه الثورة .
فبعد تسع سنوات على “ثورة الكرامة” التي رُفع فيها شعار “التشغيل استحقاق يا عصابة السراق” كَرَدٍّ عامٍ على استشراء الفساد وتمدده في كل النواحي، يتأكد اليوم أنَّ “إمبراطورية الفساد” في تونس لم تسقط، بل إن أباطرتها قد ازدادوا نفوذاً وباتوا يشكلون قوة مؤثرة تستفيد من “الديموقراطية الناشئة” وتتأقلم مع التحولات السياسية والاقتصادية القائمة، مستغلة الهوامش والمساحات الفارغة.
إذا كان استقلال القضاء يمثل شرطًا أساسيًا من شروط مكافحة الفساد،فإنَّ استقلال السلطة القضائية مرتبط بشرطين أساسيين: الأول ويقتضي أن تكون عملية صوغ القانون صحيحة وغير فاسدة، لأنَّ القاضي يَحْكُمُ بالقانون،وهذه مسألة تتعلق بالسلطة التشريعية.فإذا لم تكن ثمة سلطة تشريعية حقيقية ومنتجة و تُعَبِّرُ عن إرادة الجماهير،فنحن أمام عملية فاسدة أصلاً،لأنَّ صناعة القانون تصبح عملية فاسدة. أما الشرط الثاني، فهو تطبيق القانون، فهذه مهمة السلطة التنفيذية، فإذالم تكن هذه السلطة منتجة ومعبرة عن إرادة الشعب، فلن يكون ثمة تطبيق صحيح للقوانين، حتى لوكان القانون سَلِيمًا من الناحية الشكلية.
في تونس اليوم، السلطة التشريعية وفي ظل وجود الأحزاب المهيمنة (الأحزاب المنشقة من حزب النداء و حركة النهضة) غير مؤهلة لكي تكون سلطة منتجة قادرة على صوغ القوانين التي تقاوم الفساد،والأمرعينه ينطبق على السلطة التنفيذية العاجزة كليا عن تطبيق القانون من أجل تفكيك منظومة الفساد.وتونس اليوم بعد تسع سنوات تعيش في ظل الثورة المغدورة.

مجلة البلاد اللبنانية:تصدر أسبوعيًا عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان،العدد رقم 215

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.