هآرتس: لنتنياهو صديق في موسكو، حتى يتوقف أن يكون صديقاً

Spread the love

تسفي برئيل – محلل سياسي اسرائيلي/

“منتدى المحرقة” الذي عُقد هذا الأسبوع في القدس وجمع عشرات الزعماء وكبار المسؤولين من دول العالم، وحوّل المحرقة النازية إلى موضوع ثانوي، عتّمت عليه قضية نعمه يسسخار، [الإسرائيلية التي اعتقلتها السلطات الروسية في مطار موسكو لحيازتها كمية من المخدرات]، التي تحولت إلى اختبار مهم للمؤهلات الدولية لبنيامين نتنياهو، وفي الأساس لقوة تأثيره على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. هل نجح نتنياهو في مساعيه لدفع بوتين إلى العفو عن يسسخار؟ وهل سلسلة الزيارات التي قام بها في العامين الأخيرين إلى روسيا ستعطي ثماراً؟
يبدو أنه في كل ما يتعلق بإسرائيل، لا تحتاج روسيا إلى هجوم سيبراني للتأثير في الانتخابات الإسرائيلية؛ يكفي اعتقال مواطنة إسرائيلية وإطلاق سراحها لترجيح الكفة لمصلحة رئيس الحكومة. لكن يوجد بين روسيا وإسرائيل عدد من الموضوعات الحساسة. التنسيق العسكري في الساحة السورية هو موضوع حساس يعالَج بكثير من الدقة، ويحتاج إلى صيانة دائمة. وذلك كي تتمكن إسرائيل من الاستمرار في المناورة بين العمليات الهجومية في الأراضي السورية من دون أن تزعج تطلّع روسيا لاستكمال سيطرة الأسد على كل أراضي دولته.
ظاهرياً، يبدو أن التنسيق يجري بصورة عامة من دون وقوع حوادث، إذا لم نعتبر إسقاط الطائرة الروسية بصواريخ سورية في سنة 2018 خللاً في التنسيق. لقد نشأ بين روسيا وإسرائيل، وبينهما وبين إيران، توازن متفَق عليه، بموجبه تستطيع إسرائيل الاستمرار في مهاجمة أهداف موجهة لمساعدة حزب الله، مثل شحنات صواريخ وسلاح آخر، أو قواعد تنقل منها إيران سلاحاً. تُعتبر مهاجمة أهداف إيرانية في سورية مشروعة ما دامت إسرائيل تستطيع تبريرها بأن المقصود أهداف ترسل منها إيران سلاحاً وعتاداً آخر إلى حزب الله – عموماً، يبدو أن روسيا تفضل أن ترى في الحوار العسكري بين إسرائيل وإيران مسألة لا علاقة لها بها، بشرط أن تُنسّق هذه الهجمات مع ضباط الاتصال في سلاح الجو الروسي المنتشرين في قاعدة حميميم في شمال غرب سورية.
يطرح هذا التنسيق قضية مثيرة للفضول تتعلق بالثقة بين سلاحي الجو الروسي والإسرائيلي، لأن كل هجوم يجري تنسيقه ينطوي أيضاً على خطر نقل معلومات مسبقة عن هدف الهجوم إلى القيادة الإيرانية وسلاح الجو السوري.
مصدر إسرائيلي كان قريباً من ترتيبات التنسيق قال لـ”هآرتس” إن هذا الخطر قائم فعلاً، لكن الأسلوب المتبع هو “إذا أرادت روسيا منع هجوم إسرائيلي في منطقة معينة، أو في وقت معين، فإنها ستقول ذلك بوضوح ولن تمارس الألاعيب”. وأضاف المصدر نفسه: “في المحصلة، لدينا انطباع أن روسيا لا تنوي التدخل في العمليات الإسرائيلية ضد حزب الله، وأن اعتباراتها لا تتعلق فقط بالمواجهة الإسرائيلية – الإيرانية. لكن ليس هناك ضمانة بأنه إذا تغيرت الظروف وجرى إيجاد حل سياسي للحرب في سورية لن يحدث تحول في سياسة روسيا إزاء الهجمات الإسرائيلية”.
فرضية العمل الإسرائيلية هي أن روسيا نفسها معنية بإخراج إيران من الأراضي السورية، ليس فقط التخلّص من وجودها المادي، بل أيضاً من أجل تقليص تأثيرها في نظام الأسد. ولا يهدف التدخل العسكري الروسي في سورية الذي بدأ في سنة 2015 فقط إلى الإبقاء على نظام مؤيد ومتعاون، بل أيضاً يهدف إلى تحويل الدعم العسكري إلى موطىء قدم في الشرق الأوسط. لكن روسيا ورثت وضعاً قائماً فيه إيران حليف الأسد، كما أنها قدمت له مساعدة وقروضاً بمليارات الدولارات.
كانت النتيجة على الصعيد السياسي، أن روسيا اضطرت إلى المناورة بين تركيا وإيران، في مسعى لاستكمال سيطرة الأسد على سورية. استخدمت تفوقها على إيران وتركيا ونجحت في إقناع بعض الدول العربية، بينها اتحاد الإمارات والبحرين والسودان، بإعادة علاقاتها الدبلوماسية مع النظام، لكن يبدو أن الإنجاز الأهم يكمن في نجاحها في الجمع هذا الشهر في موسكو بين رئيس الاستخبارات التركية ونظيره السوري علي المملوك.
التقارير التي خرجت من الاجتماع لا تشير إلى التوصل إلى اتفاق بين تركيا وسورية بشأن مسألة انسحاب القوات التركية من سورية، لكن مجرّد حدوث الاجتماع يمكن أن يشير إلى تغير توجّه تركيا حيال نظام الأسد. استغلال تفوق روسيا العسكري في الساحة السورية، وخصوصاً استخدامها سلاح الجو لحسم معارك محلية لمصلحة نظام الأسد، بالإضافة إلى نجاحها في تثبيت وقف إطلاق النار بين جزء من الميليشيات وبين النظام، منحها رافعة قوية جداً للسيطرة مستقبلاً على موارد طبيعية مثل النفط والفوسفات، بحيث يكون نظام الأسد معتمداً على موسكو أيضاً في نهاية الحرب. أيضاً يبدو بوضوح في هذا المجال أن روسيا تنجح في دفع إيران إلى زوايا النفوذ، مع أن موسكو بالمقارنة مع إيران لا توظف مليارات الدولارات في تمويل الأنشطة الجارية للحكم السوري.
تدور معركة حُسمت تقريباً بين إيران وروسيا على تقاسم الاقتصاد السوري. فقد وضعت روسيا يدها على حقول النفط، ووقّعت شركات روسية اتفاقات مستقبلية لتطوير وإنتاج النفط. كذلك ايضاً بالنسبة إلى شركات الفوسفات. بينما اضطرت إيران إلى الاكتفاء بالمجال المخصص لها “إعادة إعمار الدولة”، ومعناه بناء وحدات سكنية في محافظات سورية، وفي الأساس في المناطق الفقيرة في الدولة. وفي مقابل الأرباح التي من المفترض أن يجني الروس ثمارها في الأمد القصير ولا تتطلب استثمارات كبيرة نسبياً، فإن المشاريع الإيرانية، مثل بناء 200-300 ألف وحدة سكنية، تفرض على إيران استثمار مال كثير في المدى القصير، بينما الأرباح، إذا حدثت، ستوزَّع على سنوات طويلة.
بالنسبة إلى إسرائيل، هذه الظروف تمنحها حرية عمل أكبر في سماء سورية، مع مراعاة الاتفاقات مع روسيا، المشكلة هي أن حرية العمل هذه تنشىء اعتماداً إسرائيلياً على مصالح روسيا، وهذه المصالح لا تنحصر فقط فيما يحدث في الساحة السورية أو بتعهدات إسرائيلية بعدم المس بالأسد ونظامه.

المصدر: صحيفة هآرتس الاسرائيلية – عن نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.