صفقة القرن ليست أقل خطورة من وباء كورنا

Spread the love

بقلم: د.عقل صلاح _ كاتب وباحث فلسطيني مختص بالحركات الأيديولوجية/


لقد انتشر وباء أو فيروس كورونا بعد دخول صفقة القرن حيز التنفيذ، فقد تم الإعلان عنها رسميًا من قبل رئيس الولايات المتحدة الأمريكية المتصهين دونالد ترامب في 28 كانون الثاني/يناير 2020، بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وبعدها تم الإعلان عن انتشار فيروس كورونا في جمهورية الصين الشعبية ومن ثم أعلن عن انتشاره في غالبية دول العالم تدريجيًا ومن هذه الدول دولة الاحتلال ومناطق السلطة الفلسطينية المحتلة حيث سجل عدد من المصابين في كل من إسرائيل والضفة الغربية، وفي 5 آذار/مارس2020، أصدر الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، مرسومًا بإعلان حالة الطوارئ في جميع الأراضي الفلسطينية لمدة شهر، لمواجهة كورونا، وأصبحت حديث الشارع والشغل الشاغل لجميع المستويات السياسية والشعبية وتلاشى الحديث عن صفقة القرن نهائيًا، وكل المواقف والتصريحات والاجتماعات والخطط لاسقاط صفقة القرن اختفت بضربة الساحر كورونا. فالحقيقة أن وباء كورونا سوف يحصد الأرواح والاصابات وكذلك صفقة القرن سوف تحصد الأرض الفلسطينية وتضم الأغوار والاستيطان وتدمر القضية الفلسطينية وتلغي حق العودة، وكل ذلك يجري بظل التعتيم الاعلامي على صفقة القرن وفي المقابل التهويل الاعلامي لكورونا، فوباء صفقة القرن أخطر بكثير من وباء كورنا لأن وباء كورنا يؤدي لاصابات ويحصد بعض الأرواح وينتهي؛ ولكن وباء صفقة القرن سوف يحصد ما تبقى من القضية الفلسطينية، بظل الصمت المطبق على مجريات تطبيق ماتبقى من الصفقة؛ فالمستفيد من وباء كورونا هي إسرائيل التي حصلت على فرصة ذهبية لتطبيق ماتبقى من صفقة القرن بظل انشغال العالم كله بالوباء الفيروسي، والولايات المتحدة الأمريكية التي حصلت على جائزة ضرب الاقتصاد الصيني المتنامي والعملاق فهذه الاستفادة لكل من إسرائيل وأمريكا تطرح سؤال من وراء هذا الوباء؟ ولماذا في هذا الوقت؟ وإلى أين وصلت صفقة القرن؟ وماهو مصير القرارات الفلسطينية لمواجهة الصفقة بظل عدم طرح موضوع الصفقة نهائيا في الاعلام الفلسطيني، ولم نعد نسمع من أي مسؤول أي خبر عن الصفقة بل انشغلت الحكومة والرئاسة والشعب بالوباء وتم اهمال صفقة القرن، في نهاية الأمر كل ذلك يوسع نافذة الفرص السياسية لإسرائيل في نفس الوقت الذي يغلق فيه نافذة الفرص السياسية أمام الفلسطينيين بمقاومة صفقة القرن.
في العودة إلى صفقة القرن ومايجري على الأرض، بداية، الاحتلال للضفة الغربية عمليًا قائم، ووجود السلطة فقط هو وجود شكلي، أو كما يقال سلطة بلا سلطات سيادية وحتى مدنية حقيقية، فليعود الاحتلال –عمليًا ونظريًا- ليتحمل مسؤوليته الاحتلالية ضمن القانون الدولي وليدفع ثمن احتلاله لفلسطين ماديًا وبشريًا، فلايمكن أن يبقى الاحتلال لفلسطين بلا ثمن، فلا يمكن أن يبقى مشروعًا مربحًا ويتربع ويتمدد على حساب الشعب الفلسطيني، في ظل ما تتعرض له القضية الفلسطينية من مخطط استراتيجي تدميري لم يبدأ منذ صفقة القرن ولكن كانت بدايته واضحة منذ احتلال فلسطين. فالحركة الصهيونية منذ احتلال فلسطين تسعى لحل أزمة هويتها على حساب الشعب الفلسطيني ولتثبيت رواية أن هذه الأرض الفلسطينية “أرض إسرائيل”، حيث فكرت في العديد من المشاريع الصهيونية منذ تأسيس الدولة اليهودية على أرض فلسطين مرورًا بالعديد من الحروب والمجازر والتشريد، ومن هذه المشاريع وأهمها مشروع روابط القرى، إلى أن جاء نتياهو وطرح نموذجًا للحل مطابق تمامًا لصفقة القرن في نص كتابه بعنوان “مكان بين الأمم(إسرائيل والعالم)”، وهذا المشروع القديم الجديد وجد من يقوم بتسويقه وتطبيقه لهم دوليًا وهو ترامب الذي أسماه بصفقة القرن. فهذه الصفقة ليست كما يقال بأنها نفذت وانتهت فماتم تنفيذه خطير؛ ولكن القادم أخطر بظل عدم التحرك الصائب والجذري والثوري من قبل القيادة الفلسطينينية التي رغم كل النكسات والنكبات بقيت مصرة على الحل الوحيد المتمثل بالمفاوضات السياسية التي أنهت القضية الفلسطينية وبعد صفقة القرن لم تغير حتى من نمط التفكير في مقاومة كل من الاحتلال والصفقة.
وبالعودة للخلف ربع قرن على مايسمى اتفاق أوسلو الذي تم توقيعه بين منظمة التحرير وإسرائيل، ومنه تم تأسيس السلطة الفلسطينية، التي عجزت بامتياز عن تحقيق الوعود وإقامة الدولة الفلسطينية وذلك يعود للعديد من الأسباب الذاتية والموضوعية؛ ولكن مايهمنا في هذا السياق هو عدم قدرتها على تحقيق أهداف الشعب على الرغم من تقديم كل مابيدها وأكثر من أجل انجاح هذه التسوية السياسية، وفي المقابل استطاعت إسرائيل من خلال هذه التسوية شراء الوقت لتغيير ليس فقط معالم القدس لوحدها بل قضم أراضي الضفة والقدس ولم يتبقى من القدس سوى جزء من الأقصى ومحيطه، في الوقت الذي تستمر فيه إسرائيل بعمليات الحفر من تحته منتظرة العوامل الطبيعية لانهياره وهدمه، وأكبر دليل على ذلك انهيار وتشقق البيوت الفلسطينية المحاذية للأقصى، أما بالنسبة للضفة لم يتبقى سوى المدن التي تتميز بكثافتها السكانية – وهذا جذر المشاريع الصهيونية الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من الأرض بأقل قدر ممكن من السكان- وإقامة دولة جديدة بفهم سياسي غريب وجديد بتعريف سياسي إسرائيلي لمفهوم الدولة، دولة بأقل من حكم ذاتي للفلسطينيين -دولة بلا سيادة أو إقليم أو حدود أو جيش يتحكم بها الاحتلال من خلال المنسق الذي يعفي الاحتلال من التزاماته الخدماتية والمدنية والمالية بحيث يصبح احتلالًا مجانيًا بلا تكلفة -، وهذه حقيقة قائمة على أرض الواقع ومسؤول هذا الاحتلال المنسق الذي سحب البساط من تحت أقدام السلطة الفلسطينية ويقوم بالتمهيد لحكم روابط القرى بفهم أكبر من المشروع القديم للروابط، ليكون على اتصال مباشر مع المنسق الذي يحدد من سيقوم برعاية السكان في الضفة، فخطر المنسق كان ومازال كبير جدا على القضية الفلسطينية كما كتبت قبل ثلاث سنوات، ولكن لم يتم مقاومة هذا المشروع والكثير من المشاريع والمخاطر التي انهالت على القضية الفلسطينية.
وما يهمنا هنا مواجهة كل المخاطر التي تتعرض لها القضية الفلسطينية وذلك من خلال الفهم الثوري والوطني للمواجهة، فلم يتفق الفلسطينيون وبالتحديد السلطة مع المعارضة على أن الأرض الفلسطينية المحتلة سنة 1967 هي أرض محتلة، ونحن نعيش مرحلة تحرر وطني ولم ينتهي الصراع مع الاحتلال، ومن ذلك الانطلاق بأن كل القوانين تتيح للشعب مقاومة الاحتلال بكل الأشكال، أما المقاومة الذكية لا تؤدي إلى التحرر. فلو اعتبرت السلطة الفلسطينية أن الضفة أرضًا محتلة ولم تمنع العمليات ضد المستوطنين، لاختلف الحال، ولكن السلطة اختارت المقاومة الشعبية نظريا واعتمدت التنسيق الأمني المجاني فوصلنا إلى هذا الحال المزري.
وهنا نصل إلى الحل الذي يتجسد في الحل الثوري لإعادة القضية الفلسطينية إلى الصدارة، لذلك يجب إعادة الفهم الوطني بأن هناك احتلال ويجب مقاومته ومقاومة هذا الاحتلال لايمكن أن تتم إلا في الشكل الحقيقي والفعلي للمقاومة
منطقيًا، الضفة محتلة بكل مدنها بما فيها المقاطعة في رام الله وبيت الرئيس أيضًا، والجميع يذكر احتلال المقاطعة وهدمها ومحاصرة الرئيس الشهيد ياسر عرفات، وايضا التفتيش في محيط منزل الرئيس محمود عباس من قبل قوات الاحتلال فإسرئيل تصول وتجول في الضفة وتسمن المستوطنات والمنسق يتربع على حكم الضفة.
وبناء على ذلك لاوجود للسلطة غير الوجود الشكلي والخدماتي، لذلك على السلطة والمنظمة الجلوس فورا مع التنظيمات الفلسطينية، والإبقاء على سلطة موحدة في القطاع باسم جديد من أسماء المنظمة، وحل السلطة في الضفة الغربية، وعلى كل من يريد مقاومة الاحتلال من الرئيس والقيادة الفلسطينية الذهاب الى غزة أو إلى مخيمات الشتات وتشكيل جبهة وطنية إسلامية موحدة لمقاومة الاحتلال ومشاريع تصفية القضية، وتحميل المسؤولية للاحتلال. بهذا الشكل تتم مقاومة الاحتلال وإعادة القضية الفلسطينية إلى نقطة الصفر، فلايعقل أن تبقى السلطة عقدًا آخر ليضاف إلى عقود أوسلو التي منحت إسرائيل الوقت الكافي للسيطرة والضم والتوسع وهذا العقد الجديد سوف يمنح إسرائيل وقتًا كافيًا لتجسيد ماتبقى من بنود صفقة القرن حيث ستكون إسرائيل والمنسق يسكنون في محيط بلاطة والجلزون ولهم أراضي وشقق وعمارات في مدن الضفة الغربية -على سبيل المثال مدينة روابي التي سيتبين في المستقبل القريب بأن أولاد المستوطنات تملكوا فيها بجوازات سفر أوروبية- كما هو الآن في القدس والخليل بيت فلسطيني وبجانبه بيت مستوطن.
وفي النهاية بما أنهم يتعاملون مع قضيتنا بالنمط الاقتصادي-الصفقة- فالحل واضح: أعيدوا لهم بضاعتهم التالفة “أوسلو”.، وعودوا إلى نهج الثورة والأحرار، فنهج التنسيق والتطبيع يقتل القضية ولا يحررها، فلا يمكن أن تعود فلسطين لتحتل مكانتها السياسية على مستوى العالم من خلال المفاوضات كحل وحيد. فلن يتوقف الاستيطان وستستمر إسرائيل في الضم والتوسع مالم تدفع ثمن احتلالها، فلايمكن لثورة في العالم أن تنتصر في الكلام -المقاومة الذكية- فالعودة إلى العمل المقاوم هو من يشطب خريطة ترامب ونتنياهو، وغير ذلك يعطيها المجال للحياة، وينطبق على ذلك القول “التحسيس مابجيب أولاد” و “ما بفل الحديد إلا الحديد”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.