داندي ووكر ..

Spread the love


كَيْفَ لِخَطَّيْنِ صَغِيرَيْنِ أَنْ يُغَيِّرَا تَعَابِيرَ وَجهِي هَكَذَا… خَطَّانِ يَعْنِيَانِ أَنَّ حَيَاتي كُلُّهَا سَتَتَغَيَّرُ جذْرِيًّا. سَأُصْبِحُ اِمْرَأَةً مَسْؤُولَةً, …سَيَزْدَادُ وَزني.. وَقَدْ أصْبِحُ بَدِينَةً لِدَرَجَة أَنّي لَنْ أَرْتَدِي مَا تُحِبُّ نَفْسِي.. سَتَبْدَأ مَلَامِحُ وَجهِي بِالتَّغَيُّرِ, أَظُنُّ أَنْ أَنْفِيَ سَيَكْبُرُ, مممم أَنَا الآنَ حَقًّا مَسْؤُولَةٌ.. سَأُفَكِّرُ جِدِّيًّا فِي مَسْأَلَةِ الاِخْتِيَارِ المَصِيرِيِّ بين أَنْ أعدَّ الحَلِيب أَوْ أعْتَمدَ عَلَى الرِّضَاعَةِ الطَّبِيعِيَّة, سَأعِد طَعَامًا بِلَا مِلْحٍ أَوْ تَوَابِلَ, وَسَأَهْرُسُهُ جَيِّدًا حَتَّى يُصْبِح شَكْله مُقَزِّزًا وَأطْعِمَه إِيَّاهُ.
أَعْتَقِدُ أَنّي يَجِبُ أَنْ أَتَأَهَّبَ لِلتَّعَامُلِ مَعَ رَائِحَةِ حَفَّاضَاتِهِ…يَجِبُ أَنْ أعْتَادَ تَبْدِيلهَا وَأَنَا سَعِيدَةٌ لِأَنَّ بَيُولُوجيَا طِفْلِي تَتَطَوَّرُ بِالشَّكْلِ الطَّبِيعِيِّ… سَأَسْتَيْقِظُ لَيْلًا دُونَ تَذَمُّرٍ وَسَأَحْمِلُهُ بَيْنَ ذِرَاعِي لِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ غَيْر آبِهِينَ كلِانَا بِتَعَبِ ذِرَاعَي ; ذَلِكَ الصَّغِيرُ سَيُرْغِمُنِي عَلَى أَن أصْبحَ اِمْرَأَةً قَوِيَّةً.. وَسَنُشَكِّلُ مَعَا فَرِيقًا رَائِعًا; فَنَحْنُ سَنَكُونُ مُتَفَاهِمِين جِدًّا… جِدًّا.
كَأَيِّ أم لِلمَرَّةِ الأُولَى لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ مَا عَلَي فعله فِي المَرْحَلَةِ التَّالِيَة.. تَوَقَّعْتُ أَنَّ زِيَارَتي لِطَبِيبَةٍ نِسَائِيَّةٍ سَتَكُونُ هِيَ الخُطْوَة الطَّبِيعِيَّة الَّتِي أَقُومُ بِهَا, يَكْفِي أَنْ أَنْتَظِرَ بِضْعَةَ أَيَّامٍ قَبْلَ ذَلِكَ; أَمَّا الآنَ فَلَدَيَّ عَمَلٌ مُهِمٌّ أَقْوَمُ بِهِ.
دَخَلْتُ المَطْبَخَ لِأعد لِنَفْسِي كُوبَا مِن -النِّسْكَافِيه- الَّذِي أَعْشَقُهُ…. لَكِنّي تَذَكَّرْتُ أَنَّ المُنَبِّهَاتِ سَتَكُونُ اِخْتِيَارًا سَيِّئًا جِدًّا لِصِحَّةِ صَغِيرِي الَّذِي يُقِيمُ فِي أَحْشَائِي وَيُقَاسِمُنِي طَعَامِي وَشَرَابِي… حَسَنًا سَأَكْتَفِي بِكُوبٍ مِنْ عَصِيرِ البُرْتُقَالِ الطَّبِيعِيِّ كَنَوْع مِنْ بِدَايَةِ رِحْلَةِ التَّضْحِيَاتِ الَّتِي سَأُقَدِّمُهَا تِبَاعًا مُنْذُ اللَّحْظَةِ… فَأَنَا الآنَ أم .
جَلْسَتُ أَمَامَ الحَاسُوبِ وَرُحْتُ أَسْتَشِيرُ الحَكِيمَ – جُوجل- عَنْ أَفْضَلِ طَبِيبَةٍ نِسَائِيَّةٍ فِي المَدِينَةِ وَأَقْرَأُ بِاِهْتِمَامٍ كُلّ التَّعْلِيقَاتِ, وَأَبْحَثُ عَنْ خِبْرَات كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ, وَأَتَمَعَّنُ فِي شَهَادَاتِهِنَّ بِدِقَّةٍ… يَجِبُ أَنْ أخْتَارَ بروية; فَهَذَا أَمْرٌ مَصِيرِيٌّ وَخَطِيرٌ… إنَّهَا الطَّبِيبَةُ الَّتِي سَأُسَلِّمُهَا مُتَابَعَةَ طِفْلِي… يَجِبُ أَنْ أَثِقَ بِهَا وَبِقُدْرَاتِهَا وَخِبْرَاتِهَا وَعلمها أَوَّلًا.
اِسْتَغْرَقَ البَحْثُ سَاعَاتٍ طِوَال, لَكِن الأَمْر يَسْتَحِقُّ; أعْتَقَد أَنَّ الدُّكْتُورَةَ نَادِيَا مُنَاسِبَةٌ جِدًّا… سَأَحْسِمُ الأَمْرَ… حَسَنًا فِي الغَدِ إنْ شَاءَ اللّه سَأَزُورُهَا, وَبَعْدَ زِيَارَتِي الأُولَى سَأَحْسِمُ الأَمْرَ… فَإِمَّا أنْ أَعُود مُجَدَّدًا… أَوْ… أَوْ سَأُرجعُ إِلَيْكَ سَيِّدَ -جُوجل- وَأَنْتَ سَتَبْحَثُ مَعَي مُجَدَّدًا.

فِي اليَوْمِ التَّالِي كُنْتُ أَجْلِسُ فِي العِيَادَةِ أَنْتَظِر دَوْرِي, أَتَأَمَّلُ النِّسَاءَ حَولي; “يَوْمًا مَا سَيَبْدُو بَطْنِي بِهَذَا الحَجْمِ!!!?. يَا إِلَهِي ترَى هَلْ سَأَسْتَطِيعُ المَشْيَ عِنْدَهَا?!. هَلْ سَيَكْبُرُ أَنْفِي أَيْضًا??!. مَا هَذَا التَّفْكِيرُ الأَحْمَقُ…. لَا يُهِمُّ كَيْفَ سَيَبْدُو شَكْلِي المُهِمُّ أَنَّي سَأُنْجِبُ طِفْلًا جَمِيلًا جِدًّا; أَعَلم ذَلِكَ جَيِّدًا… وَسَأَطْلُبُ مِنْ الدُّكْتُورَةِ بَعْدَ قَلِيلٍ أنْ تَلْتَقِط لَهُ صُورَةً كَيْ أُرْسِلهَا لِوَالِدِهِ… نَعَمْ…. سَأُرْسِلُهَا لَهُ وَأُخْبِرُهُ أَنَّنَا سَنُصْبِحُ عَائِلَةً… عَائِلَة جَمِيلَة سَعِيدَة… وَ.”
-“سَيِّدَة كنانة… سَيِّدَة كنانة.”

“نَعَمْ. نَعَمْ. عُذْرًا. شَردت بَعْض الشَّيْء.”

“تَفَضّلِي سَيِّدَتي. الدُّكْتُورَةُ بِاِنْتِظَارِك فِي الدَّاخِلِ”.

” شُكْرًا”. طَرَقْتُ بَابَ الغُرْفَةِ المُجَاوِرَةِ بِهُدُوءٍ ثُمَّ دَخَلْتُ… كَانَ كُلُّ مَا فِي الغُرْفَةِ هَادِئٌ… أَلْوَانُ الجُدْرَانِ وَالسَّتَائِرُ…. الأَثَاثُ الخَشَبِيُّ الأَسْوَدُ… المَقَاعِدُ الجِلْدِيَّة… حَتَّى وَجه الدُّكْتُورة نَادِيَا كَانَ هَادِئًا أَيْضًا…. اِقْتَرَبت مِنْهَا وَسَلَّمت عَلَيْهَا فَأَشَارَتْ لِي بِالجُلُوسِ…

“تَفَضلِي… أهْلًا وَسَهْلًا”

” أَنَا كنانة وَهدان “

” أَهْلًا سَيِّدَة كنانة… تَفَضّلِي حَدِّثِينِي… هَلْ تُعَانِينَ مِنْ شَيْءٍ?”

” لَا أَبَدًا…أَنَا مُتَزَوِّجَةٌ مُنْذُ عَامٍ وَنِصْفٍ…. بِالأَمْسِ أجريتُ اِخْتِبَارَ الحَمْلِ المَنْزِلِيِّ فَكَانَتْ النَّتِيجَةُ إِيجَابِيَّةً وَالحَمْدُ لله.”

” رَائِعٌ; الحَمْدُ لله… إِذَا فَلَدَيْنا أُمٌّ جَدِيدَةٌ الآنَ… سَيَكُونُ الأَمْرُ مُمْتِعًا جِدًّا يَا عَزِيزَتي… أَتَمَنَّى حَقًّا أن تَسْتَمِتعِي بِهَذِهِ التَّجْرِبَةِ الرَّائِعَةِ, وَأَنْ تَعِيشِي كُلَّ لَحَظَاتِهَا بِسَعَادَةٍ, أُرِيد أَنْ يَأْتِيَ بطلنا الصَّغِير إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا وَأَنْت تَسْتَقْبِلِينَهُ بِوَجْهِك الجَمِيلِ المُبْتَسِمِ هَذَا…”شَعْرَتُ وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِلدُّكْتُورَةِ بِأَنْ سَعَادَتُي تَتَضَاعَفَ… كَمْ أَرَاحَتْنِي كَلِمَاتُهَا وَأَنَا الَّتِي كُنْتُ أَتَمَنَّى أَنْ تُكَوِّنَ أُمِّي رَحِمَهَا الله مَعَي فِي مِثْل هَذَا الوَقْت; أَظُنُّهَا كَانَتْ سَتَقُولُ نَفْسَ الكَلِمَاتِ… طَبْعًا وَالِدِي حَفِظَهُ الله سَيَبْذُلُ قُصَارَى جُهْدِهِ كَيْ يُعَوِّضنِي غِيَاب أُمِّي عَنِّي فِي حَمْلِي الأَوَّلُ لَكِنَّهُ لَنْ يَفْهَم مَا أحِسّهُ كَمَا كَانَتْ سَتَفْعَلُ هي

” وَالآنَ لَدَيْنا بَعْضُ الأَسْئِلَةِ قَبْلَ أَنْ أَفْحَصَك…”

تَفَضّلِي…”

” كَمْ عُمْرُك?.”

” 26 سَنَةً “

“هَلْ تَشْكِينَ مِنْ أَمْرَاضٍ مُزْمِنَة أَوْ لَدَى العَائِلَةِ تَارِيخٌ مَرِّضِي لِأَمْرَاضٍ وِرَاثِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ?.”

” لَا أَبَدًا وَالحَمْدُ لله…”

” رَائِعٌ الحَمْدُ لله… مَتَى كَانَ آخَرَ مَوْعِدٍ لِلدَّوْرَةِ الشَّهْرِيَّةِ?”

” الثَّامِنُ مِنْ الشَّهْرِ المَاضِي…” تمسك بِكِلْتَا يَدَيْهَا وَرَقَة مُدَوَّرَة وَتَلفهَا كَالدُّولَابِ ثُمَّ تَبْتَسِمُ وَتَقُول:…”. عَزِيزَتِي أَنْتِ مَحْظُوظَةٌ حَقًّا أَنَّكِ سَتُنْجِبِينَ طِفْلَك الأَوَّلَ فِي الرَّبِيعِ أَلَيْسَ هَذَا أَمْرٌ رَائِعٌ…. هَذَا العَام سَتَزْدَادُ زُهُورُ الرَّبِيعِ زَهْرَة جَمِيلَةٌ” لَسْتُ أَدْرِي ذَلِكَ الاِخْتِلَاط الرَّهِيب فِي مَشَاعِرِي إنَّهُ الخَوْفُ المَمْزُوجُ بِالفَرَحِ وَرُبَّمَا الرَّهَبَةُ وَ…. وَالفُضُولُ…. الفُضُولُ لِرُؤْيَةِ ذَلِكَ الصَّغِيرِ الَّذِي سَأَنْتَظِرُ حُضُورَهُ شُهُورًا طِوَال… هَلْ مِن الطَّبِيعِيِّ أَنْ أحِسَّ كُلّ تِلْكَ الأَحَاسِيسِ مَعًا???… هَلْ سَيُطَوِّلُ الأَمْرُ??… أَمْ سَأَتَأَقْلَمُ مَعَ حَيَاتِي الجَدِيدَة هَذِهِ….

” تَفَضُّلِي لِنَقُومَ بِفَحْصٍ سَرِيرِيٍّ ;سَنَطْمَئِنُّ عَلَى سَلَامَةِ الجَنِينِ وَنَرَاهُ لِلمَرَّةِ الأُولَى, وَسَأُعْطِيكِي أَوَّل صُورَةٍ لِطِفْلِك الجَمِيلِ…. اِحْتَفِظِي بِهَا لِيَرَاهَا حِينَ يَكْبُرُ. “

ابتسمت فِي وَجْهِي, وَأَشَارَتْ لِي بِيَدِهَا نَحْوَ السَّرِيرِ.
ربما ابتسامتها تلك التي كانت في كُلِّ مَرَّةٍ تخفف عَنِّي قَلَقِي وَتُطَمْئِنُنِي.. رَقِيقَةٌ وَهَادِئَةٌ لكأنها اِبْتِسَامَةُ أُمِّي…
كَشَفْتُ عَنْ أَسْفَل بَطْنِي… وَضَعَتْ لِي الطَّبِيبَة بَعْضًا مِنْ -الجلِّ- البَارِد, ثُمَّ وَضَعَتْ فَوْقَهُ جِهَازًا بلَاسْتِيكِيًّا مُتَّصِلًا بِالشَّاشَةِ الَّتِي عَلَى يَمِينِي وَبَدَأْتُ تَضْغَطُ عَلَى الأَزْرَارِ أَسْفَلَ الشَّاشَةِ وهي تحرك ذلك الشيء على بطني, أَشَارَتْ لِي بِإِصْبَعِهَا عَلَى الشَّاشَةِ وَقَالَتْ:

“هَذَا هُوَ أَمِيرِنَا الصغير….”
-” أَمِيرٌ…?!… هَلْ هُوَ…”

“هههههه···· لَااااا مِنْ المُبَكِّرِ جِدًّا أنْ نُحَدِّد جِنْسَ الجَنِينِ… المُهِمُّ أَنَّ الجَنِينَ بِوَضْعٍ مُمْتَاز وَالحَمْدُ لله… عُمْرُهُ الآن سَبْعَة أَسَابِيعَ … مقاساته ممتازة … طُولُهُ 1.3 سَنْتِيمِتْرًا تَقْرِيبًا, وَهُوَ طُول مِثَالِي الحمد لله”
نَظَرت إِلَى وَجْهِي. ثُمَّ أَشَاحتْ بِنَظَرِهَا مُجَدَّدًا نَحْوَ الشَّاشَةِ وَقَالَتْ:

-” مِنْ الطَّبِيعِيِّ أَنْ تَشْعُرَ الأُمُّ بِالغثيان الصباحي والإرهاق وَالنَّعْس المُسْتَمِرّ وَقَدْ يَسْتَمِرُّ الغَثَيَانُ لِبَاقِي اليَوْم … وَمِنْ الطَّبِيعِيِّ أَنْ تَخْتَلِطَ مَشَاعِرُهَا , كَمَا مِنْ الطَّبِيعِيِّ أَنْ تَخَافَ أَوْ تَبْكِي بِدُونِ سَبَبٍ; ثُمَّ تَضْحَكُ فَجْأَةً بِدُونِ سَبَبٍ أَيْضًا… تَحْدُثُ تَغَيُّرَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي هُرْمُونَاتِ الأم مُنْذُ اللَّحْظَةِ الأُولَى لِلحَمْلِ… نَاهِيكَ عَنْ إِحْسَاسِهَا بِالخَوْفِ مِن المَسْؤُولِيَّةِ خُصُوصًا إِذَا كَانَتْ سَتُصْبِحُ أمَّا لِلمَرَّةِ الأُولَى….ارتدي ملابسك ” سَحَبَتْ لِي مَنْدِيلًا وَرَقِيًّا مِنْ عُلْبَةٍ قُرْبَ الشَّاشَةِ وَنَهَضَتْ….

“سَأَكْتُبُ بَعْضًا مِنْ الفِيتَامِينَاتِ وَالمُقَوِّيَاتُ الَّتِي سَتُفِيدُكُمَا أَنْتِ وَالجَنِينُ… وَ سَأَرَاكُمَا بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَسَابِيعَ إنْ شَاءَ الله “أَعْطَتْنِي الطَّبِيبَةُ أَوَّلَ صُورَةٍ لِطِفْلِي… نَظْرَتُ كَثِيرًا فِيهَا دُونَ جَدْوَى… لَمْ أَسْتَطِعْ تَحْدِيدَ أَيِّ مَلَامِحَ فِيهَا…. “قَدْ يَبْدُو ذَلِكَ طَبِيعٍيًّا فَهُوَ لَمْ يَتَجَاوَزْ السنتيمترا وَنِصْف, وَهَذِهِ الوَصْفَةُ الطِّبِّيَّةُ… كُلُّ هَذِهِ الأَدْوِيَةِ وَالفِيتَامِينَاتِ سَأَلْتَزِمُ بِهَا, حَتْمًا يَجِبُ أَنْ أَفْعَلَ; إنَّهَا صِحَّةُ طفلي”. كَان أَوَّلُ أَمْر يَجِبُ عَلَى فعِلةُ حِين وَصَل البَيْتَ أَنْ أتَّصَلَ بِزَوْجِي… حَازِمٌ, تَزَوَّجْنَا مُنْذُ عَامٍ وَنَصِفُ بَعْدَ قِصَّةِ حُبٍّ عَنِيفَة, كَانَ أَبِي مِنْ أَشَدِّ أَعْدَاءِ ذَلِكَ الحُبِّ, فَهُوَ لَمْ يَرَ يَوْمًا أَيّ تَكَافُؤ بَيْنَي وَبَيْنَ حَازِم… حَازِمٌ لَمْ يُكْمِلْ الثَّانَوِيَّةَ العَامَّةَ, كَانَ مُضْطَرًّا لِتَرْكِ المَدْرَسَةِ مِنْ أجْلِ العَمَلِ… أمَّا أَنَا فَقَدْ حَالَفَنِي الحَظُّ إِذْ أَكْمَلْتُ تَعْلِيمِي الجَامِعِيَّ وَحَصَلْتُ عَلَى دَرَجَةِ المَاجِسْتِيرِ فِي المُحَاسَبَةِ…. وَحَالِفْنِي أَيْضًا إِذْ عملتُ فِي شَرِكَةٍ كَبِيرَة….أمَّا حَازِمٌ الَّذِي اِعْتَادَ الكد وَالتَّعَب لِلحُصُولِ عَلَى لُقْمَةِ عِيشَه فَقَدْ اِكْتَفَى بِالعَمَلِ في الداخِل المحتل.. وَاعْتَادَ عَلَى الغِيَابِ فِي العَمَلِ لِفَتَرَاتٍ طَوِيلَةٍ… فِي العَامِ وَالنِّصْفِ الَّتِي عِشْتُهَا مَعَهُ لَمْ يَزُرْنِي سِوَى خَمْس مرَّاتٍ وَلَمْ تَتَعَدَّ زِيَارَتُهُ العَشَرَةَ أَيَّام فِي كُلِّ مَرَّةٍ, لطَّالَمَا طَلَبت مِنْهُ أَنْ يَتْرُكَ عَمَلَهُ هَذَا وَيَبْحَث عَنْ عَمَلٍ قَرِيب, لكنه فِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ يُذَكِّرُنِي أَنْ وَالِدِي يَظُنّهُ رَجُلًا اِنْتِهَازِيًّا وَأَنَّهُ لَنْ يَعْمَل بِأَجْرِ أَقَلَّ مِنْ أجْرَي الَّذِي أَتَقَاضَاهُ فِي الشَّرِكَةِ كِي لَا يُثْبِت لِأَبِي نَظَرِيَّته; قَدْ يَكُونُ حَازِمٌ عَلَى حَقٍّ… وَلَكِنَّي كُنْتُ فِي تِلْكَ المَعْرَكَةِ بَيْنَهُ وَوَالِدِي الخَاسِر الوَحِيد… وَالآنَ سَنَكونُ أَنَا وَطِفْلِي الخَاسِرَانِ الوَحِيدَانِ…. أَوْ ….. رُبَّمَا إِذَا علم حَازِمٌ بِحَمْلِي سَيَخَافُ أَنْ يَتْرُكَنَا أَنَا وَطِفْله… رُبَّمَا سَيَعُودُ لِأَجْلِنا, سَأُحْدثُهُ اللَّيْلَةَ… بَلْ وَسَأُرْسِلُ لَهُ صُورَةَ طِفْلِنَا عَلّهُ يَشْعُرُ بِالحَنِينِ فَلَا يَتْرُكنَا مُجَدَّدًا. سَيُعَوِّدُ حَازِمَ بعدَ مَوْعِدِ زِيَارَتِي لِلطَّبِيبَةِ بِيَوْمٍ, لذا سأقوم بتأجيل الزيارة لأسبوع آخر… رَائِعٌ, سَيَذْهَبُ مَعَي وَيَرَى طِفْلهُ عَلَى التِّلْفَازِ لِلمَرَّةِ الأُولَى… رُبَّمَا عَدَلَ بَعْدَهَا عَنْ قَرَارِ العَوْدَةِ لِلسَّفَرِ…. سَنَكُونُ عَائِلَةً رَائِعَة حَتْمًا. اِسْتِعْدَاداتِي لِزِيَارَةِ الطَّبِيبَةِ اليَوْمَ مُخْتَلِفَةٌ عَنْ المَرَّة السَّابِقَة… حَازِمٌ سَيَكُونُ مَعَي فِي هَذِهِ المَرَّة… سَيَخْتَبِرُ إِحْسَاسِي الَّذِي اِخْتَبَرْتُهُ أَنَا قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَسَابِيعَ, لِلمَرَّةِ الأُولَى فِي حَيَاتِي أنْتَهي مِنْ تَبْدِيلِ مَلَابِسِي وَأسْتَعَدّ لمغادرة المَنْزِل بِسُرْعَةٍ قُصْوَى…. كُنَّا كَلَانَا كَطِفْلَيْنِ عَلَى مَوْعِدٍ مَعَ العِيد… نَتَرَقَّبُ لَحْظَةَ دُخُولِنَا مِنْ بَابِ العِيَادَةِ… بَلْ لَحْظَة رُؤْيَةِ طِفْلِنَا عَلَى الشَّاشَةِ الصَّغِيرَة. كُنْتُ أَتَمَعَّنُ وَجْه حَازِم وَاِتِّسَاع عَيْنَيْهِ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى الشَّاشَةِ تارة وَإِلَى وَجْهِ الطَّبِيبَةِ أخْرَى… وَيَسْتَمِعُ لَهَا بِشغفٍ وَهِيَ تَحْدُدْ لنَا أَطْرَافَ الجَنِينِ وَرَأْسَهُ وَقَلْبه الصَّغِير الَّذِي يَنْبِضُ ,وَعَظَمَاتُ العَمُودِ الفِقْرِيِّ الصَّغِيرِ…

“يَزِنُ جَنِينُكَ الآنَ حَوَالَيْ أَرْبَعَة عَشْر غِرَامًا, طُولُه لَا يَتَعَدَّى السِّتَّة سَنْتِيمِتْرَاتٍ لَكِنَّ أَطْرَافهُ تَظْهَرُ بِوُضُوحٍ… حَتَّى بَرَاعِمَ أَسْنَانهُ بَدَأْتُ فِي الظُّهُورِ; تَطَوُّرُهُ يَتَوَاصَلُ بِوَتِيرَةٍ مُذْهِلَة… سَنَأْخُذُ الآنَ قِيَاسَات الرَّأْسِ وَالجِسْمِ….” ,أَبَدًا لَمْ أُكِنَّ لِأُلَاحِظَ أَيّ تَغَيُّرٍ فِي مَلَامِحِ الطَّبِيبَةِ ; فَلَقَدْ كَانَ جلّ تَرْكِيزِي مَعَ حَازِم… لَمْ أَنْتَبِهْ لِلقَلَقِ فِي عَيْنَيْهَا… لَمْ أَنْتَبِهْ لِنَظْرَاتِهَا المُتَمَعِّنَة لِلشَّاشَةِ…. لَمْ أَسْمَعْهَا تَبْلَعُ رِيقَهَا وَتُتَمْتِمُ…. وَرُبَّمَا لَمْ يَفْعَلْ حَازِمٌ كَذَلِكَ, أَغْلَقَتْ جِهَازَهَا وَنَاوَلَتْنِي مَنْدِيلًا وَرَقِيًّا خَشِنًا, ثُمَّ جَلَسَتْ عَلَى مَكْتَبِهَا مطْرقَة الرَّأْسِ صَامِتَةً… أُكَادُ أرى اِبْتِسَامَتهَا المُصْطَنعَةِ حِينَ قَالَتْ: “سَأَكْتُبُ بَعْض الفُحُوصَاتِ وَالصُّوَرِ وَ… أَتَمَنَّى أَنْ يَتِمَّ عَمَلُهَا اليَوْم أَوْ غَدًا عَلَى أَبْعَدِ تَقْدِيرٍ”

“لِمَاذَا… هَلْ هُنَاكَ أَمْرٌ مَا?” أَجَابَهَا حَازِمٌ… أمَّا أَنَا فَتَوَقَّعْتُ أَنَّهَا أُمُورٌ رُوتِينِيَّةٌ لَا أَكْثَرُ.
-“دَعُونَا نَتَحَدَّثُ بَعْدَ الفُحُوصَاتِ وَالصُّوَرِ… لَا دَاعِيَ لِلقَلَقِ , الأَمَرُّ جِد بَسِيط… لَكِنَّي كَطَبِيبَةٍ يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَطْلُبَ عَمَلَ فُحُوصَاتٍ وَصُوَر لِلاِطْمِئْنَانِ عَلَى صِحَّةِ الأُمِّ وَالطِّفْلِ بِاسْتِمْرَارٍ… أَنَا بِاِنْتِظَارِكُمْ”
لَسْتُ أَدْرَي هَلْ تَسَارُعُ نَبَضَاتِ قَلْبِي أمرٌ طَبِيعِيٌّ… أَكَادُ أَسْمَعُ صَوْتَ قَلْبِي مذ غَادَرْت العِيَادَةَ حَتَّى عُدَّت إِلَيْهَا… أَعْتَقِدُ أَنَّ كَلَامَ الطَّبِيبَة جَعل حَازِم مُطْمَئِنّا لَكِنَّهُ جَعَلَنِي أَشْعُرُ أَنْ هُنَاكَ أَمَرُّ مَا سَأَعْرِفُهُ بَعْدَ قَلِيلٍ خُصُوصًا أَنَّهَا تَرَكت اسْمي عِنْدَ السِّكْرِتِيرَةِ فِي الخَارِجِ حَتَّى لَا أَنْتَظِرَ أَبَدًا وَأَدْخُل فَوْرَ وُصُولِي. ” -ممممم.… حَسَنًا كَمَا تَوَقَّعْتُ, دَعُونِي أَحْدَثُكُمْ بِصَرَاحَةٍ; فَالصَّرَاحَةُ فِي مِثْلِ هَذَا المَوْقِفِ ضَرُورِيَّةٌ ,فَأَنْتُمْ مَنْ سَيُقَرِّرُ مَا عَلَيْنَا فَعِلله فِي المَرْحَلَةِ المُقْبِلَة,….. الجَنِينُ يُعَانِي مِنْ اِسْتِسْقَاءِ الرَّأْسِ, اِسْتِسْقَاءُ الرَّأْسِ هُوَ زِيَادَةٌ فِي السَّائِلِ المُخِّيّ الشَّوْكِيّ فِي المِنْطَقَةِ المُحِيطَة بِالمُخِّ…. وَتنْتجُ حَالَةُ اِسْتِسْقَاءِ الرَّأْسِ عِنْدَمَا يَحْدُثُ اِنْسِدَادٌ فِي الدَّوْرَةِ الطَّبِيعِيَّة لِهَذَا السَّائِلِ, وَنَظَرًا لِأَنَّ عِظَامَ الجُمْجُمَةِ لِلطِّفْلِ تكونُ لِينَة وَمُرِنَّة لِتَتَّسِعَ لِنُمُوِّ المُخِّ فِي المُسْتَقْبَلِ, فَإِنَّ ضَغَطَ السَّائِل المُتَرَاكِم يَجْعَلُ الرَّأْسَ يَتَضَخَّمُ, كَمْ هُوَ وَاضِحٌ فِي الصُّورَةِ أَمَامَكُمْ… وَالتَّضَخُّمُ هُنَا فِي مِنْطَقَةِ الرَّأْسِ الخَلْفِيَّة… فِي هَذِهِ الحَالَةِ غَالِبًا مَا تَكُونُ نَاتِجَة عَنْ خَلَلِ الأُنْبُوبِ العَصَبِيِّ وَ مُصَاحِبَةً للسنسنة المشقوقة أَوْ القيلة السَّحَائِيَّة أَوْ مُتَلَازِمَةُ داندي ووكر ……” بدَا لِي صَوْتُ الطَّبِيبَةِ يَبْتَعِدُ وَيخْفِتُ… شَعَرْتُ أَنَّ أَطْرَافِي تبردُ شَيْئًا فَشَيْئًا…. وَرَأْسِي صَارَ ثَقِيلًا جِدًّا… مَا هَذَا الطَّنِينُ المُزْعِجُ… أَيْنَ رَحَّلَ الأُكْسِجِينُ اللعين…. أحسّ أَنّي أَخْتَنِقُ, أُرِيدَ أَنْ أَطْلُبَ مِنْ أَحَدِهمَا النَّجْدَة لَكِنَّ صَوْتِي لَا يُسْعِفُنِي…. لِمَاذَا نَهَضَ حَازِمٌ… أَيْنَ سَيَذْهَبُ وَيَتْرُكُنِي?!!!… أُكَادُ أَشْعَرَ بِيَدِهِ البَارِدَةِ تُمَسِّكُ يَدِي , إِلَى أَيْنَ يَأْخُذُنِي?!!… نَظَرْتُ إِلَيْهُ وَ أَوْمَأْتُ لَهُ بِرَأْسِي يمْنَة وَيُسْرَى…. فَقَالَ لِي: “سَنَعُودُ بَعْدَ سِتَّةِ أَسَابِيعَ لِنَتَأَكَّدْ… سَيَكُونُ كُلُّ شَيْءٍ وَاضِحا وَقْتهَا”…مَا هُوَ الَّذِي سَيَتَّضِحُ…. طَيِّب… وَأَنَا…. مَاذَا سَأَفْعَلُ فِي السِّتَّة أَسَابِيع الثَّقِيلَة تِلْكَ…. لِمَاذَا لَا نَصِلُ إِلَى بَيْتِنَا بِسُرْعَةٍ…. كَيْفَ أَصْبَحَ البَيْتُ بَعِيدًا هَكَذَا!!… تَمَامًا كَمَا أَصْبَحَ الوَقْتُ ثَقِيلًا…. ثَقِيلًا جِدًّا! لَا أَذْكُرُ كَيْفَ مَرَّتْ الأَسَابِيعُ السِّتُّ العجاف تلك … وَلَا أَذْكُرُ أَنَّي سَمِعْتُ صَوْتِي خِلَالَهَا أَبَدًا… لَكِنَّي أذكرُ أَن حَازِما قَضَاهَا مَعَي, لَمْ يَذْهَبْ لِعَمَلِهِ قطٍّ… فِي الحَقِيقَةِ وُجُود حَازِم مَعَي جَعَلَنِي أَقْضِي تِلْكَ الأَسَابِيعَ وَأَنَا لَا أَزَالُ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ رُبَّمَا…. كَانَ يَكْفِينِي أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِفِي لِأَشْعُرَ أَنَّ أَحْمَالِي خَفَّتْ. كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا أَوْ بِالأَحْرَى عَلَي أَنَا أَوَّلا الخُضُوع لِلتَّصْوِيرِ بِالرَّنِينِ المغْنَاطِيسِيِّ… مِنْ أجْلِ تَشْخِيصِ حَالَةِ دِمَاغٍ جَنِينِي;… هَذِهِ الأَجْهِزَةُ الكَثِيرَةُ الضَّخْمَة حَوْلي… تَعْلِيمَاتُ الطَّبِيبِ الَّذِي سَيُجْرِي لِي الصُّورَة… وَجْهُ زَوْجِي المُضْطَرِبِ… دِقَّاتُ قَلْبِي المُتَسَارِعَة… وَذَلِكَ الصَّفِيرُ المُزْعِجُ حَوْلَي….. كُلُّهَا تَفَاصِيلُ طَوِيلَة جِدًّا وَقَاتِلَةٌ.
دُخُولِي عِيَادَة الطَّبِيبَةِ الآنَ وَبِيَدَيْ تَقْرِيرُ صُورَةِ الرَّنِينِ المغْنَاطِيسِيّ كَانَ أَشبْه بِقِصَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي أَعْطَاهُ الملكُ رِسَالَةَ إِعْدَامِهِ لِيَحْمِلَهَا بِيَدِهِ وَيُسَلِّمُهَا للسياف…. لَا أعْتَقَدَ أَنَّي أملُك مُتَّسَعًا مِن الوَقْتِ لِأَسْمَعَ فَرْضِيَّاتٍ عِلْمِيَّة وَ إِحْصَائِيَّاتٍ طِبِّيَّة وَكُلُّ ذَلِكَ الهُرَاءِ الَّذِي بَدَأَتْ الطَّبِيبَةُ بِهِ الآنَ…. أَرْجُو أَنْ تُخْبِرَنِي فَقَطْ إِنْ كَانَ جَنِينِي بِخَيْرٍ أُم….

“ممممم… سَيِّدَة كنانة سبَق وَأنْ أَخْبَرتنِي بِعَدَمِ وُجُودِ أَيَّةِ أَمْرَاضٍ وِرَاثِيَّةٍ فِي عَائِلَتِك… وَالآنَ سَأُكَرِّرُ سُؤَالَيْ هَذِهِ المَرَّةَ لَكُمَا… هَلْ يَشْكُو أَحَدُكُمْ أَوْ أَيّ فَرد مِن العَائِلَةِ مِنْ مَرَضٍ وِرَاثِيّ مَا??”

“أَبَدًا…”

“أَبَدًا…”
-” حَسَنًا; غَالِبًا مَا تَحْدُثُ مُتَلَازِمَةُ داندي ووكر فِي حَالَاتٍ فَرْدِيَّة دُونَ أَنْ يَكُونَ لَهَا خَلْفِيَّة جِينِيَّة فِي الأُسْرَةِ, لِذَا فَإِنَّ تَحْدِيدَ الجِينَاتِ المُرْتَبِطَةِ طَفَرَاتهَا بِحُدُوثِ المُتَلَازِمَةِ شَيْء ما زال مَوْضِع بحَث وَ لَمْ يَتِمّ التَّأَكُّدُ مِنْهُ بِشَكْلٍ جَازِمٍ حَتَّى الآنَ; كَمَا أَنْ المُتَلَازِمَة قَدْ اِرْتَبَطَتْ فِي الحَالَاتِ بِخَلَلٍ فِي أَعْدَادِ الكُرُومُوسُومَاتِ دُونَ أَنْ يكونَ ذَلِكَ مُرْتَبِطٌ بِكُرُومُوسُومٍ مُحَدَّدٍ فِي كُلِّ الحَالَاتِ; رَغْمَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ تُوجَدُ بَعْض الحَالَاتِ الَّتِي تَمَّ رَبْطُهَا بِنَمَطٍ عَائِلِيٍّ لِلوِرَاثَةِ.

“هَلْ يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ طِفْلِي مُصَابٌ بِمَرَضٍ مَا!?…”. لَمْ أَكُنْ أَفْهَمُ شَيْئًا مِنْ كُلِّ تِلْكَ المَعْلُومَاتِ; فِي هَذِهِ اللَّحَظَات لَا أَعْتَقِدُ أَنّي أَسْتَطِيعُ فَهْمَ أَيِّ كَلِمَةٍ سِوَى نعْمٍ أَوْ لَا.

” يُؤْسِفُنِي أَنْ أُخْبِرَكُمَا أَنَّ طِفْلَكُمَا مُصَابٌ بِمُتَلَازِمَةِ داندي ووكر, وَهُوَ أمرٌ وَاضِحٌ مِنْ شِدَّةِ ضُمُورِ المخيخِ الظَّاهِرَةِ فِي صُورَةِ الرَّنِينِ المغْنَاطِيسِيّ.. وَمِنْ كبَر حَجْمِ الدِّمَاغِ نَتِيجَةَ الاِسْتِسْقَاءِ الدِّمَاغِيّ وَ تَرَاكُمِ السَّوَائِلِ فِي الدِّمَاغِ بِشَكْلٍ غَيْر طَبِيعِيٍّ.”

“أَلَا يُمْكِنُ عِلَاجُهُ..?”…. كَانَ زَوْجِي أَشَدّ مِنِّي لَهَّفَة لِمَعْرِفَةِ الإِجَابَة,. فَكَرَّرَ السُّؤَالَ. أمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَثِقُ أَنَّ الإِجَابَةَ سَتَكُونُ نعم فَنَحْنُ فِي القَرْنِ الوَاحِدِ وَالعِشْرِينَ… كُلّ مَا حَوْلَنا تَطَور, حَتَّى الطِّبُّ…. لَكِن إِجَابَة الطَّبِيبَةِ نَزلَت عَلَى مَسَامِعِي كَمَا الصَّاعِقَةُ…
-” لِلأَسَفِ; نَتِيجَةَ أَنَّ الخَلَلَ المَرَضِيَّ يَحْدُثُ أَثْنَاءَ مَرَاحِل تَكون الجَنِين المُبَكِّرَة… وَ المُتَلَازِمَاتُ بِشَكْلٍ عَامٍّ تَلْزَمُ المَرِيض حَتَّى آخَرِ عُمْرِهِ, وَلَكِن يُمْكِنُ لنا مِنْ خِلَالِ مُتَابَعَة تَطَوُّر أَعْضَاءه تَحْدِيد مَا إِذَا كَانَتْ لَدَى الجَنِينِ فُرْصَةٌ فِي النّجَاةِ أُم لَا وَمَا إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ عُيُوبٌ خِلْقِيَّةٌ أخرى مُصَاحِبَة لِلمُتَلَازِمَةِ مِثْلَ تَشَوُّهَاتٍ فِي القَلْبِ أَوْ مَشَاكِلَ فِي الأَوْعِيَةِ الدَّمَوِيَّة وَ غَيْرَهَا…..” سَادَ صَمْتٌ رَهِيبٌ شَعَرْت فِيه أَنَّ أَوْرِدَتَي سَتَتَفَجَّرُ… البَرْدُ يَسْرِي فِي عُرُوقِي وَيَسْتَمِرُّ فِي جَعْلِ أَطْرَافِي تَرْتَعِشُ.… “الأَمَانَةُ الطِّبِّيَّةُ تُحَتِّمُ عَلَيَّ أنْ أَعْرِض عَلَيْكُمَا احْتِمَالِيَّةَ إِنْهَاءِ الحَمْلِ….” ,شَعْرتُ حِينهَا بِيَدَي حَازِم تَلَمس كَتِفِي, نَظَرَت إِلَيْه… نَظَرْتُ إِلَى الطَّبِيبَةِ وَقَدْ اِسْتَطَعْتُ بِجُهْدٍ أَنْ أَبْلَعَ رِيقِي, تَابَعَتْ الطَّبِيبَةُ كَلَامَهَا “نَسْتَطِيعُ إِجْهَاضَ الجَنِينِ وَلَنْ يُشَكِّل ذَلِكَ خَطرًا عَلَى الأُمِّ, يَعُودُ اِخْتِيَار اِحْتِمَالِ الإِجْهَاضِ مِنْ عَدَمِهِ لِكِلَيْكُمَا… وَلَكِن يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُقَرِّرَ سَرِيعًا فَالوَقْتُ لَنْ يَكُون فِي صَالِحِنا وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَاِحْتِمَالَات الوَفَاةِ فِي المَوَالِيدِ المُصَابَةِ بِمُتَلَازِمَةِ داندي ووكر يَصِل لِ 70% .. خاصة فِي الحَالَاتِ المُرْتَبِطَةِ بِعُيُوبٍ خِلْقِيَّةٍ أخْرَى”
-” أَعْتَقِدُ أَنَّنَا سَنَلْجَأ لِلإِجْهَاضِ بِمَا أَنْهُ مرض لَا عِلَاجَ لَهُ; كَمَا أَنَّ الطِّفْلَ ميت لَا مَحَال”
-” أَنَا لَمْ أَجْزِمْ مَوْتَهُ… بَلْ قُلْتُ أَنَّ نِسْبَةَ وَفَاةِ المَوَالِيدِ المُصَابَةِ بداندي ووكر تَصِلُ إِلَى 70%, وَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ يُمْكِنُ لِلحَمْلِ أَنْ يَكْتَمِلَ بِشَكْلٍ طَبِيعِيٍّ… لَكِن الطِّفْل المُصَاب سَيَحْتَاجُ لِرِعَايَةٍ خَاصَّة كَمَا أَنَّ ضُمُورَ المخيخِ وَاِسْتِسْقَاءِ الدِّمَاغِ قَدْ يُسَبِّبُ مَشَاكِلَ أخرى بَعْضهَا قَدْ نَكْتَشِفُهُ أَثْنَاءَ الحَمْلِ وَبَعْضُهَا سَنَكْتَشِفُهُ بَعْدَ الوِلَادَةِ مَعَ الوَقْتِ, إنَّ إِبْقَاءَ الحَمْلِ سَيَكُونُ بِمَثَابَةِ مُغَامَرَةٍ… لَنْ يَكُون الأَمْرُ سَهْلًا أَعلم ذَلِكَ جَيِّدًا; لَكِن الأَمْر يَسْتَحِقُّ التَّفْكِير جَيِّدًا قَبْلَ اِتِّخَاذِ القَرَارِ.” عُدْنَا إِلَى البَيْتِ, وَكَانَ يَبْدُو عَلَى كَلِينَا الإِرْهَاقُ, كُنْت أَشْعر بِثِقْلٍ كَبِيرٍ فِي جَسَدِي لَكِنّي للوهلة الأولى لَمْ أَكُنْ أُدْرِكُ أَنَّ هَذَا الثِّقْلُ كَانَ يَزْدَادُ كلما اقْتَرب مِنِّي حَازِمٌ وَكُلَّمَا وَضع يَده الثَّقِيلَة عَلَى جَسَدِي, كَانَ يُحَاوِلُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ إِقْنَاعِي بِإِجْهَاضِ طِفْلِي, وَكُنْتُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَشْعَرَ بِالكَلِمَاتِ تَهَرُب مِنْ فيهي, لَسْتُ أَدْرَي مَا الَّذِي كَانَ يَمْنَعُنِي مِن الكَلَامِ
… رُبَّمَا ذُهُولِي أَوْ هِيَ الصَّدْمَةُ, كَيْفَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِكُلِّ بَسَاطَةٍ?!!… هَلْ مِن السَّهْلِ عَلَى شَخْصٍ أَنْ يَقْتُلَ طِفْلًا صَغِيرًا لَا حَوْلَ لَهُ وَلَا قُوَّةً… بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ صِلَتِهِ بِهِ??! هَلْ يحِق لنا فِعْلًا كَآبَاءٍ أَنْ نَخْتَارَ طِفْلًا سَلِيمًا?…وسليما فقط ?; وَيَحِقُّ لنا بِكُلِّ بَسَاطَةٍ التَّخَلِّي عَنْهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ!… لِمَاذَا يَبْدُو لِي الكَوْن غَرِيبًا كَثِيرًا عَنِّي??… لِمَاذَا لَا أَشْعُرُ أَنّي أَنْتَمِي لِهَذِهِ الأَرْضِ وَلِهَذَا البَيْت… وَلِهَذَا السَّرِير?!… كَيْفَ يَنَامُ حَازِمٌ هَكَذَا, بَيْنَمَا أُموتُ بِصَمْتٍ وَحْدَي كَأَنَّ عَلَى رَأْسي الطَّيْرِ!!…, اُصْمُتِي أَيَّتُهَا السَّاعَة اللَّعِينَةُ… فَلتخْرسَ عَقَارِبكِ المُزْعِجَة, أُكَادُ أَشْعر بِالدَّمِ يَتَدَفَّقُ إِلَى رَأْسِي الثَّقِيل هَذَا… وَأسْمَع ضَجِيجَ قَلِّبِي بِوُضُوحٍ… لَيْتَ النَّهَارَ يَأْتِي… اُرْجُوك أَيَّتُهَا الشَّمْس اِسْتَيْقِظِي…. كَانَ اللَّيْلُ طَوِيلًا جِدًّا… وَثَقِيلًا يُطْبِقُ عَلَى صدرِي, وَمَا إِن لَمحت خُيُوط النُّورِ تَتَسَلَّلُ إِلَى غُرْفَتِي حَتَّى نَهَضت مُسْرِعَةً نَحْوَ حَازِم الَّذِي لَا يَزَالُ النَّوْم مُحْكما عَلَيْهِ قَبَضَاتهُ… أَيْقَظْتُهُ وَالدَّهْشَة تَعْلُو محَياهُ… “لَيْتَك تَفْهَمُ يَا حُبِّي القَدِيمُ أَنَّي أحبُّ طفلِي الَّذِي مَا رَأَيْتُهُ تَمَامًا كَحُبِّي لَكَ… وَأَنَّي مُنْذُ اللَّحْظَةِ الَّتِي وَضَعت فِيهَا يَدَيْ عَلَى بَطْنِي وَأَنَا أدْرِكُ تَمَامًا أَنّي وَقَعْتُ فِي حُبِّ ذَلِكَ الصَّغِيرِ… وَأَنَّي فِي كُلِّ لَحْظَةٍ مَا زَالَ يَسْتَوْطِنُ فِيهَا رَحْمِي وَأَنَا أَقَعُ فِي حُبِّهِ مِنْ جَدِيدٍ….” نَظَرَ إِلَيَّ متسائلا… وَقَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ بِحِرَفٍ قُلْتُ لَهُ : “لَنْ أَقْتُل طِفْلِي… أُرِيدُهُ وَإنْ كَانَ مُقْعَدًا, أُرِيدُهُ حَتَّى لَوْ اِضْطررْتُ أَنْ أَحْمِلَهُ بَيْنَ ذِرَاعِي وَهُوَ فِي العِشْرِين… أُرِيدُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَكِيًّا, أُرِيدُهُ حَتَّى لَوْ لَمْ يَتَمَكَّن مِنْ رُؤْيَةِ وَجْهِي… أُرِيدُ طِفْلِي وَلَنْ أَقْتلهُ, إنَّهُ هَدِيَّةُ اللهِ لِي… وَأَنَا أَثِقُ تَمَامًا أَنَّ اللهَ سَيَرْعَاهُ مَعَي; إنَّي أُحِبُّكُمَا… وَلَكِنَّي مُنْذُ هَذِهِ اللَّحْظَة سَأُحِبُّكُمَا مَعًا وَلَا أُرِيدُ أَنْ أخسرَ أَيًّا مِنْكُمَا, أَعْلَمُ أَنَّي سَأُنْجِبُ طِفْلًا مَرِيضًا, قَدْ يَكُونُ أَصَمَّا أَوْ أَخْرَسَا أَوْ كَفِيفَا أَوْ مقْعَدًا… وَلَكِنَّهُ أَيْضًا رُبَّمَا سَيَكُونُ طِفْلًا عَادِيًا, رُبَّمَا سَيَكُونُ قَادِرًا عَلَى المَشْيِ أَوْ الكَلَامِ أَوْ السَّمْعِ, لَا يُهِمُّنِي كَيْفَ سَيَكُونُ, لَكِنّي أَعَدهُ أَنَّهُ سَيَحْظَى بِأُمٍّ قَوِيَّةٍ سَتَكُونُ لَهُ أَطْرَافهُ الأَرْبَعة وَحَوَاسُّهُ الخَمْسُ… إنَّ طِفْلِي الَّذِي اِسْتَطَاعَ داندي ووكر اِسْتِعْمَاره جُزْء مِنْ رُوحِي الَّتِي سَتَعِيشُ عَلَى هَذِهِ الأَرْضِ, وَسَأَكُونُ جَيْشَهُ الَّذِي لَنْ يهْزمَ.

النِّهَايَة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.