حين تتعرّف على طريق الصين لا تريد أن تعرف طريق صندوق النّقد الدّولي

Spread the love

بقلم: د. رائد ابو بدوية _ أستاذ العلاقات الدولية و القانون الدولي/


يتساءل الكثيرون -ومنهم كاتب هذا المقال- كيف سيؤثّر وباء كورونا على شكل المنظومة الدوليّة ؟
بعيداً عن المسائل الجدليّة الّتي قد لا يقرّ الكثيرون بثباتها و وجودها، و أهمّها مسلسل إنهيار الحضارة الغربيّة الرّأسماليّة الّتي إستنفذت وسائلها و مكنوناتها. قلت، بعيداً عن ذلك و بعيداً أيضا عن فرضيّات البعض العاطفي الّذي يستميت دفاعاً عبثيّا عن بدائل حضاريّة هنا و هناك. بعيداً عن هذا و ذاك، لا نرى في القادم من شكل العالم (وقد نكون مخطئيين) إلا محرّكين رئيسيّين هما:
1- عودة الدولة القومية بقرونها القديمة
2- الحاجة إلى وجود دولة غنيّة تمثّل بنكاً دوليّاً قادراً على التمويل و الإقراض
فدولة ما بعد كورونا هي دولة قوميّة بإمتياز، لا ترى ولا تولي إهتمام إلا بنفسها. ستعود لتلعب دورها القديم الجديد، لاعباً فاعلاً في مجالات متعدّدة، لعلّ أهمّ ما فيه، دورها الفاعل في الإقتصاد الوطني و النّظام الصحّي الوطني؛ و ذلك بعد أن أفقدها النّظام الرأسمالي وظائفها الرئيسية هذه تحت مظلّة حرّية السّوق.
فهذا الوباء أكد بشكل لا شكّ فيه حاجة عودة كلّ دولة للقيام بوظيفتها الخدماتيّة الأساسيّة لمواطنيها. بعد أن خدعها القطاع الخاص بأرقامه الرّبحيّة الوهميّة. وهو ما يستتبع تغيّرات إجتماعيّة و إقتصاديّة و سياسيّة كثيرة، لعلّ أهمّها عودة قويّة للأحزاب السياسيّة ذات التوجّه الوطني الخالص الّتي لا ترى في الأجنبي وجها جميلا.
لا شكّ أن هذا الإرتداد بالعودة إلى دور الدّولة الإفتراضي، سينعكس بدوره أيضا على إرتداد الدّولة في التعاطي مع المبادرات الإقليميّة و الدّوليّة التكامليّة أو حتّى التنسيقيّة منها. ولا أستبعد الذّهاب إلى أكثر من ذلك؛ وذلك بالإنفكاك عن أيّة إرتباطات إقليميّة أو دوليّة قائمة أصلا، و لعل أكثر أمثلتها الحاضرة أمامنا هي منظومة الإتّحاد الأوروبي الّذي لم يسلم من أصوات أوروبية عديدة تنادي بالإنفكاك عنه، دون حتّى إنتظار أنتهاء أزمة كورونا.
وممّا لا شكّ فيه أيضا أن هذا التحوّل العالمي المتوقّع (المتمثّل بإنكماش الدولة على نفسها) سيرتّب إحتياجات توفير موارد ماليّة دوليّة بعيدة كلّ البعد عن المنظومة المالية الدوليّة الحاليّة (صندوق النقد و البنك الدولي وغيرها)؛ خاصّة و أن تأسيس هذه الأجهزة الماليّة إرتبط إرتباطاً وثيقاً بتحقيق أهداف العولمة الاقتصاديّة الّتي تفترض فتح أبواب الدّول السّوقيّة، إضافة إلى ما تشكّله هذه الأجهزة من عبء فكري متمثّل بإشتراطاته السياسيّة.
وهذا ما يقودنا الى المحرّك الثّاني الّذي أشرنا إليه في بداية هذا المقال، وهو الحلّ المالي السّحري الّذي يتناسب تماماً مع شكل الدّولة القوميّة الجديد و شكل التّمويل الجديد الغير مشروط (على الأقل سياسيّاً). فالتّنّين الصّيني متربّص و جاهز؛ فالصين تكاد تكون الوحش المالي القادر على التّمويل ودون شروط سياسيّة أو حتى أيّ تدخّل بسياسات الدّول الدّاخليّة و ممارساتها الوطنيّة. فالصين لا تحتاج إالى أكثر من الجزرة في سياستها الخارجيّة مع هذه الدولة، عبر القروض و غيرها. فلا شكّ أنها تشكّل حضناً مالياً دافئاً قادراً على ضخّ الملايين -لا بل المليارات- من اليونات في أسواق هذه الدّول، خاصّة و أنها حرصت على التّحضير لذلك بالفعل منذ سنوات. فالدّول الضّعيفة ستذهب (إن لم تكن قد هرولت سابقاً) مهرولة إلى بكّين لغايات المال و القروض، لا بل إن دولاً أوروبية مرشّحة هي أيضا للتّسابق نحوأحضان التّنّين.
كنّا قبل سنوات نرى تنّيناً قادم، لكنّنا اليوم سنذهب إليه، وإن كنّا لا نحبّذ ولا نجزم بما هو قادم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.