النفط الروسيّ بين الأرباح والخسائر

Spread the love

بقلم: عدنان كريمة _ كاتب ومُحلِّل اقتصادي من لبنان/

إذا كانت القرارات السياسيّة في خدمة المَصالِح الاقتصاديّة، فإنّ حسابات السياسة تبدو هذه المرّة في موسكو غير مُطابقة لحسابات الاقتصاد في معركة النفط التي عادت إلى “قلب” الصراع الدوليّ بين روسيا والولايات المتّحدة، بعد هدنةٍ استمرّت ثلاث سنوات، وذلك بما يهدِّد بانخفاض الأسعار إلى مستوياتٍ متدنّية جدّاً قد تصل إلى أقلّ من 30 دولاراً للبرميل، كما حصل بين عامَي 2014 – 2016.

لقد أشعلت موسكو أسواق النفط العالَميّة إثر انسحابها من اتّفاق التعاوُن والتنسيق مع المَملكة العربيّة السعوديّة في قيادة تحالُف “أوبك+”، لتضييق الخناق على إنتاج النفط الصخري الأميركي؛ ولكنْ يبدو أنّ تدهور الأسعار سيُلحِق بها خسائر كبيرة تتراوح بين 100 إلى 150 مليون دولارٍ يوميّاً. لذلك أَحدث هذا القرار صدمةً كبرى لدى شركات النفط الروسيّة التي وصفته بأنّه “خطأ فادح .. وقرار غير عقلاني”، وسط تشكيكٍ بقدرة روسيا على التعويض عن خسائرها عبر زيادة إنتاجها النفطي، الأمر الذي يؤثّر على نموّ اقتصادها، وتراجُع تمويل صندوق “الرفاه الروسي”، فضلاً عن تأثيره على سعر صرف الروبل الذي تمتّع بدعمٍ كبير من فائض عائدات النفط.

عندما أعلن البنك المركزي الروسي في أيلول (سبتمبر) الماضي توقّعاته للاقتصاد الكلّي وضمن تصوّره للمَخاطر المُحتَملة، حَدَسَ أنّه لا يستبعد تراجُع أسعار النفط إلى 25 دولاراً للبرميل في 2020، لكنّ إعلانه هذا لم يلقَ صدىً أو اهتماماً من الشركات الروسيّة، على الرّغم من أنّه كان يقرأ جيّداً أبعاد الرؤية السياسيّة للرئيس فلاديمير بوتين في العلاقات الدوليّة. وتوقَّع في حال تحقُّق ذلك التصوُّر، أن يقفز معدّل التضخّم الروسي إلى ما بين 7 و8 في المئة، مع تراجُع النّاتج المحلّي الإجمالي بين 1.5 الى 2 في المئة.

اقتصاد “الرفاه” الروسيّ

عندما وُقِّعَ اتّفاق التعاون في العام 2016، كانت الأسواق تشهد تدهوراً في الأسعار من نحو 100 دولارٍ لبرميل نفط برنت إلى أقلّ من 30 دولاراً. ونظراً إلى التجارُب السابقة بين دول أوبك والدول المُنتجة خارجها، والتي واجَهت صعوبات في تحقيق أهدافها، شكَّك المُراقبون (حينذاك) في إمكانيّة 24 دولة مُنتِجة من الاستمرار في الاتّفاق وتأمين الاستقرار في الأسواق. لكنّ التزام التعاوُن المتواصِل بين السعوديّة وروسيا، أسهَم في نجاحه، وحصدت موسكو ثمار ثلاث سنوات من اتّفاق التعاون مع دول أوبك دعماً لاقتصادها ولتحقيق معدّلات نموّ مقبولة عالَميّاً، وفائض مميّز لموازناتها الماليّة، حتّى بلغ فائض ميزانيّة العام الماضي 32 مليار دولار، بما يُعادِل 1.8 في المئة من النّاتج المحلّي المقدّر بنحو1.57 تريليون دولار. كذلك أسهم هذا الفائض بدعم مدخّرات “صندوق الرفاه الوطني” التي بلغت 124 مليار دولار، أي ضعف حجمها في العام 2018. حتّى أنّ وزارة الماليّة الروسيّة تابعت شراء العملات الصعبة من السوق المحليّة وحوَّلتها لصالح صندوق الرفاه الوطني، وقد بلغ حجم الأموال التي خُصِّصت خلال الفترة المحدَّدة من 6 كانون الأوّل (ديسمبر) 2019 الى 6 شباط (فبراير) 2020، نحو 8.25 مليار دولار، وتمّ توفير هذا الفائض نتيجة الفارق بين السعر المُعتمَد في الميزانيّة (41 دولاراً للبرميل) والسعر في الأسواق العالَميّة (المُستقرّ منذ ثلاث سنوات فوق 55 دولاراً، ويصل أحياناً إلى 70 دولاراً للبرميل) .

وتبرز أهميّة “صندوق الرفاه”، بعدما أصبح الصندوق الوحيد لاحتياطي روسيا، منذ شباط (فبراير) 2018، وهو جزء من آليّة التقاعُد المُستدامَة لمُواطني الاتّحاد الروسي على المدى الطويل، وتتمثّل أهمّ أهدافه، في تغطية العجز في صندوق المعاشات التقاعديّة، وضمان تغطية عجز ميزانيّة الدولة. ويشكِّل “وسادة أمان” للاقتصاد الروسي في حال تراجعَت أسعار النفط مجدّداً. وتُخطِّط الحكومة للإنفاق منه خلال العام الحالي لتمويل مشاريع مُختلفة، شريطة الحفاظ عل مدخّراته بحدود حجم 7 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي.

تحصل هذه التطوّرات في وقتٍ يشهد فيه المجتمع الروسي خللاً كبيراً في توزيع الثروة، حيث استفاد الأثرياء من عائدات كبيرة لاستثمارات وخدمات متنوّعة، وقام بعضهم بتهريب أمواله إلى الخارج وإيداعها في البنوك الغربيّة، وبخاصّة السويسريّة منها. في حين يزداد عدد الفقراء الذي وصل إلى نحو 18.6 مليون مواطن، بما يُعادل 12.7 في المئة من السكّان. مع العِلم أنّ مفهوم التنمية اقتصر بعد الحرب العالَميّة الثانية، وحتّى نهاية الثمانينيّات، على الكميّة التي يحصل عليها الفرد من سِلع وخدمات ماليّة، وكان الاهتمام مُنصبّاً على النظرة الاقتصاديّة من خلال التركيز على النموّ الاقتصادي، كمعيارٍ حقيقيّ للتقدُّم والتنمية. ولكنْ في العام 1990، تبنّى برنامج الأُمم المتّحدة للإنماء مفهوماً للتنمية البشريّة، حدَّد بموجبه الإنسان بأنّه “صانِع التنمية وهدفها”، انطلاقاً من أنّ البشر هُم الثروة الحقيقيّة للأُمم، وأنّ قدرات أيّ أمّة تكمن في ما تمتلكه من طاقات بشريّة مؤهَّلة ومدرَّبة، وقادرة على التكيُّف والتعامُل مع أيّ جديد. وتطبيقاً لهذا المفهوم، تُبرِز خسائر الاقتصاد الروسي باستمرار انخفاضَ عدد السكّان للعام الثالث على التوالي، إذ سجَّل العام 2019 أعلى معدّل انخفاض منذ 11 عاماً، بلغ أكثر من 326 ألف نسمة. وعلى الرّغم من أنّ الهجرة الوافدة إلى روسيا عوَّضت جزءاً يسيراً من هذا الانخفاض، إلّا أنّها غير كافية، وقد وعد الرئيس بوتين بالعمل على تحسين الظروف لضمان نموّ معدّل الولادات، وخصوصا أنّ ضمان نموّ مستقرّ لأعداد السكّان، يشكِّل واحداً من جملة أهداف رئيسة يسعى الى إنجازها حتّى العام 2024. ولكنْ ما هي خسائر الاقتصاد الروسي بعد فشل اتّفاق موسكو مع أوبك؟

تخفيض الإنتاج

انخفض سعر خام برنت خلال شهرَي كانون الثاني (يناير) وشباط (فبراير) الماضيَين بما يزيد على 15 دولاراً للبرميل مُسجِّلاً 49.67 دولارٍ قبل اجتماع أوبك الأخير. وأبدى الرئيس الروسي بوتين رضاه عن هذه الأسعار على الرّغم من تراجُعها، موضِحاً أنّها مقبولة لميزانيّة بلاده في ضوء وجود أكثر من 500 مليار دولار في خزائن الدولة، وتملُّك روسيا مَوارد كافية للتأقلُم مع أيّ تدهور في الاقتصاد العالَمي، مؤكّداً في الوقت نفسه أهميّة التعاون مع “أوبك +”، واعتَبرَ ذلك رسالة طمْأنة للداخل الروسي. ولكنّ المُفاجأة التي صدمت شركات النفط كان قرار رفْض تخفيض الإنتاج 1.5 مليون برميل يوميّاً (حصّة الدول خارج أوبك منها 500 ألف برميل)، فضلاً عن مدّ التخفيضات الحاليّة البالغة 2.1 مليون برميل، ما يعني بلوغ إجمالي التخفيضات المُقترَحة 3.6 مليون برميل يوميّاً. مع العِلم أنّه وفق توقّعات وكالة الطاقة الدوليّة، انخفض الطلب بمقدار 435 ألف برميل في الفصل الأوّل من العام الحالي مُقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو أوّل انخفاض فصليّ منذ 10 سنوات، عندما انخفضَ الطلب بسبب الأزمة الاقتصاديّة العالَميّة؛ وتُقدِّر الوكالة انخفاضه على نفط أوبك من 29.4 مليون برميل في الربع الأخير من العام الماضي إلى 27.2 مليون برميل يوميّاً في الربع الأوّل من العام الحالي. وربّما تعتمد موسكو في رفْض خفْض الإنتاج على تراجُع إنتاج النفط الأميركي من الخامّ في كانون أوّل (ديسمبر) الماضي لخامس شهر على التوالي إلى 12.78 مليون برميل، ولكنّ البيانات الأسبوعيّة لإدارة معلومات الطاقة الأميركيّة أشارت إلى عودته إلى الارتفاع إلى 13 مليون برميل يوميّاً في شهرَي كانون الثاني (يناير) وشباط (فبراير) الماضيَين.

وهكذا، تعيش الأسواق حالة عدم اليقين، وترقُّب الإنتاج وتقلُّبات الأسعار، وخصوصاً في ما يتعلّق بالدول الثلاث الكبرى، وتطوُّر الصراع القائم بين روسيا والولايات المتّحدة. وإذا كانت روسيا تُنتج 11.28 مليون برميل، فإنّ السعوديّة يُمكن أن تُنتج أكثر من 12 مليون برميل يوميّاً، وبَرزت أهميّة تعاونهما في قدرتهما على توفير استقرار الأسعار طيلة السنوات الثلاث الماضية، كونهما يُنتجان معاً أكثر من 20 في المئة من الإنتاج العالَمي، ويقودان مسيرة إنتاج 24 دولة مُنتجة، داخل أوبك وخارجها. ولكنّ هذا التحالُف انتهى مع فشل تمديد الاتّفاق لثلاث سنوات مُقبلة، ما يعني عودة التنافُس على الحصص في أسواق مُتخَمة بفائض الإنتاج، فضلاً عن حقول نفطيّة جديدة لدى بعض الدول، وكذلك حاجة الموازنات السنويّة لدول مُنتجة، تتطلّب زيادة إنتاجها لزيادة عائداتها الماليّة، وهي تُواجه التحدّي الكبير لتدهوُر الأسعار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.