إمبراطوريّة الوباء وهَندسَة العالَم الجديد

Spread the love

بقلم: د. ياسر عبد الحسين _ دبلوماسي عراقي وباحث أكاديمي /
لاحظَ الفيلسوفُ الإغريقيُّ هرقليطس منذ 2500 سنة مضت أنّ لا شيءَ حتميٌّ بشأن المستقبل ما عدا التغيير، وهذا الغموض في العدسة التاريخيّة لمُستقبل العالَم ومصيره يفرض نمطيّة التحوُّل الدائم، مُنعكساً على القواعد والمؤسّسات القائمة، فضلاً عن العادات المُتجذِّرة بين العالَم القائم والعالَم الذي سوف يكون، وكأنّه سباقٌ بين المَعرفة والنسيان في مُواجهَةِ كيانٍ قائمٍ على قوّةٍ تحويليّةٍ تخلق أزماتٍ من التعقيد المُتبادَل بين الرخاء والازدهار والفقر المدقع، وبالتالي لن يرتدي التاريخُ عباءةَ النهايات السعيدة، كما تصوَّرت المدرسة اللّيبراليّة عبر رؤية هيغل في نهاية التاريخ، أو المُجتمع الشيوعيّ كما تصوّره ماركس أو المدرسة الاشتراكيّة؛ ولكنْ ربّما تُعيد كلّ أزمة صادِمة ومؤثِّرة في العالَم المُناقشات من جديد حول تلك التحوّلات.


إنّ سجلّ التاريخ مُفعَم بنِظام المُصادَفة، وبما أَطلقَ عليه الفيلسوف أرسطو نقاط الاقتران أو الاتّحاد العرضيّة أو غير المقصودة التي تحصل على سبيل المُصادَفة، ولكنّها تَخضع للتفسير العِلمي أو البحثي أو حتّى الميتافزيقي، وهذا يَفترض فهْم الدوافع الجيوسياسيّة للمُتغيّرات أو التحدّيات التي تُصيب العالَم، كما يحصل اليوم مع انتشار الوباء الذي يُسافِر بلا حدود، وإن كان هذا الكلام لا يُقبل في “سوق المؤامَرة” الرائج كسلعة مهمّة في التفكير السياسي العالَمي، ولاسيّما بعد توظيفه في الخطاب السياسي لقادة الشعبويّة بذاتهم. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب وصفَ الفيروس covid-19 بالفيروس الصيني، وصرَّحت الحكومة الصينيّة بأنّه صناعة أميركيّة، وهذا الخطاب كان يُتداوَل بين القادة، فيما الفيروس المُعولَم يَنتشِر في أرجاء المعمورة ويفتك بالبشريّة بلا حدود، وفيما يُقاتله الجميع داخل الحدود؛ فما بالنا بالجمهور الذي ما زال يعيش الإنكار، أو التجهيل مع طائر المؤامرة الذي يطير بجناحَي اللّاعقلانيّة والعشوائيّة؟


يكشف سِجلّ التاريخ أنّ انتشار الأمراض والبكتيريا والفيروسات والطفيليّات والأوبئة وغيرها، بغضّ النّظر عن حدود الدول، أجّلَ على الدوام عمليّة التنمية، أو أدّى إلى انهيار دولٍ كانت ذات يَومٍ دُولاً أو إمبراطوريّات قويّة. وبهذا، كان عُلماء السياسة يوصون أن تبقى تلك الأمراض على شاشات رادارات صُنّاع القرار في العالَم، لأنّها -أي هذه الأمراض- لا تختفي عادةً عن مَسرحها في فترة زمنيّة قصيرة، وتُشكِّل مقوِّماً واضحاً من مقوِّمات التهديد العابِر للقوميّة.


لحظة كورونا الحاسمة شبيهة بلحظة انقسام الذرّة. فإذا كان انقسام الذرّة، التي حذَّر منها ألبرت أينشتاين، قد أدَّت إلى تغيير أنماط التفكير التقليديّة ونَماذجه، فإنّ الفيروس سوف يعمل على هَنْدَسة العالَم بطريقة تجعل التفكير بالمُستقبل مُختلِفة تماماً. وهذا أيضاً ما أكّد عليه هنري كيسنجر Henry A. Kissinger في مقالته الأخيرة The Coronavirus Pandemic Will” Forever Alter the World Order” في صحيفة “وول ستريت جورنال” (3/ 4 / 2020).


في المقابل، من المُبكّر التنبّؤ بشكلِ النّظام العالَمي بعد احتواء الوباء، لكنّني أميل إلى توقُّع تحوُّل “الكورونيّة” إلى أيديولوجيّة في عالَم العلاقات الدوليّة. فقواعد الجائحة سوف تترك أثرها الكبير على النّظام العالَمي، وبالتالي سيكون التغيير حتميّاً، ولكنْ غير شامل بالضرورة، بحيث سيكون للوباء، أو الأصحّ لإمبراطوريّة الوباء الجديد، مَلامِح جديدة متغيّرة وغير نمطيّة تعكس اتّجاهاتٍ نوجزها بشكلٍ مًختصر:
الفرد الجديد


ما زال الفرد مِحوَر الوجود، ولهذا الوباء تأثيره الكبير عليه، باعتباره المُستهدَف الأوّل في هذه الإمبراطوريّة، لأنّ الموضوع يتعلّق بثُنائيّة الموت والحياة، وبالتالي قد يمضي الفرد للتفاعُل مع التفسيرات الدينيّة، وهذا ما سوف تستثمره بعض التيّارات المُتطرِّفة التي تَجد في الوباء عقوبةً من اللّه على المَعاصي، أو يمضي الفرد بقوّة نحو الطريق المادّي، وكأنّه “العشاء الأخير” قبل نهاية العالَم وأنصار الفريقَين سوف يتفاعلان بشكلٍ وارِد.
المُجتمع المُغلَق


سيكون للوباء تأثيره الأكيد على النمط الصحّي لحياة الأفراد وبنية المُجتمع نفسه. ففي تاريخ سجلّ الأوبئة العالَميّة مثلاً، غيَّرَ انتشارُ الإنفلونزا الإسبانيّة في العام 1918 هَيكليّة النّظام الصحّي في العالَم وحياة المُجتمعات وأنماط تفكيرها. ولا شكّ أنّ الكورونا سوف تؤثِّر في السلوك المجتمعي بحدِّها من الاختلاط، وذلك بفرْضها حدّاً أدنى من المَسافة بين الأشخاص، فضلاً عن إعادة توليدها مسألة العودة إلى سؤال الهويّة الوطنيّة وتعزيز الروح القوميّة، والتفكير بالكَون وبموضوعاتٍ ميتافيزيقيّة كانت قد بدأت تفقد أهميّتها شيئاً فشيئاً. في المُقابل، قد يأتي الانتصارُ على هذا الوباء، وكذلك مَعركته النفسيّة، بتحوّلاتٍ مهمّة، على غرار ما حصلَ مع مرض الطاعون في أوروبا الذي أدّى لاحقاً إلى إضعاف سلطة الكنيسة وانطلاق عصر النهضة. وقد كتبَ شارل ديغول ذات يوم قائلاً: “إنّ عصرنا قاسٍ بالنسبة إلى السلطة، فالأخلاق في تدهورٍ مُستمرّ والقوانين تضعف شيئاً فشيئاً”. لهذا سوف يتغيَّر ترتيب القوى الاجتماعيّة وأدوارها، مثل الأحزاب التي تدعو إلى الحِفاظ على البيئة والأحزاب الخضراء ومُنظّمات المجتمع المدني وغيرها، فضلاً عن عودة سؤال الهويّة والأصول الاجتماعيّة، الذي ستستغلّه الأحزاب اليمينيّة لتوظيف الوباء سياسيّاً ضدّ المُهاجرين.


عَوْدَة الدولة
كانت الدولة تعيش لحظاتها الأخيرة بعدما رسمت لها العَولمة نهاية وظيفتها التقليديّة، وكان السؤال المركزي في العلوم السياسيّة هو: ما الفائدة من بقاء الدولة؟، فجاءت الإمبراطوريّة الوبائيّة لتُعيد أهميّة هذا الكيان، بحيث أصبحت عَودة الدولة ضروريّة لمُواجَهة الوباء داخل الحدود، ولتُعيد إحياء أفكار الفيلسوف الإنكليزي “هوبز”، الذي يصف الدولة بالكائن الصناعي، لكونه من أنصار عدم تفتيت السلطة والعمل بجهدٍ مُتواصِل من طرف أفراد المجتمع من أجل تجميعها في قبضة واحدة. وبذلك تغدو عودة الدولة وسيادتها أشبه بعودة يوسف إلى أبيه.
العَوْلَمَة الجديدة


فشلُ العَولمةِ ليس بالجديد، حيث إنّها هشّة بالأصل، كما أنّها أسهمت في تأطير نمطٍ جديد من العلاقة بين الدولة والسياسة والاقتصاد. نذكر في هذا السياق الالتفاتة الذكيّة للكاتِب الأميركي ألفين توفلر Alvin Toffler، الذي رأى أنّ العالَم يتعرَّض إلى “تايتينك جديدة” تتمثّل بأزماتٍ محليّة وإقليميّة مُتتالية يعيش خلالها المُستثمرون وأصحاب القرارات والحكومات، في كلّ أنحاء العالَم، قلقَ انتقال العدوى الماليّة إليهم بحُكم الاندماج الاقتصادي الذي سبَّبته هذه العَولَمة؛ إذ يتطلّب الأمر عندئذ احتياطاتٍ أمنيّة مُصمَّمة بانتظام من أجل تلك المُواجَهة، فيقوم القائمون على العَولَمة الجديدة -بحسب ألفين توفلر أيضاً- ببناء سُفنٍ ماليّة هائلة، مدفوعين بحماستهم الكبيرة، لكنّ سفنهم تفتقر إلى وسائل لمُقاوَمة المياه. ولهذا يتوقَّع كثيرون أن تسقط الَعولَمة في دوّامة الوباء، وأن يتمّ استبدال العَولَمة اللّيبراليّة بأخرى أقلّ وطأة منها.


الأمن القوميّ الصحّيّ
في حقبات الرخاء والاستقرار في التاريخ تتغيّر الاستراتيجيّات الأمنيّة للدول. كانت المُعادَلة السابقة أو الصيغة التقليديّة للأمن القومي تقول إنّه “من أجل المُحافَظة على السلام يجب أن تستعدّ للحرب”. وثمّة مُعادَلة أخرى أيضاً طُرحت في زمن الحرب على الإرهاب وهي :”أيّهما الأهمّ: الديمقراطيّة أم الأمن؟”، لكنْ في مُعادَلة الوباء الجديدة، سيكون للأمن الصحّي الأسبقيّة على الأمن العسكري، وسوف يتعيَّن على الحكومات تخفيض الإنفاق الدفاعي لمصلحة الإنفاق على القطاع الصحّي.


وستفاليا الجديدة
إذا كانت محطّة وستفاليا في العام 1648 قد أرست مَعالِم النّظام الدولي المُعاصِر بحسب أدبيّات العلاقات الدوليّة، فإنّ الوباء يفرض وستفاليا جديدة، ربّما ترتكز على التعاوُن الدولي والنّظام الجديد. ولعلّه من غير المعلوم حتّى الآن ما إذا كان العام 2020 سيتجسّد كمحطّة لانطلاق وستفاليا جديدة أم علينا الانتظار، لنرى عودة التعدديّة كمِعيار لهذا النظام الجديد. غير أنّ ذلك لن يُغيِّر كثيراً في التوازنات الجيوستراتيجيّة بين القوى الكبرى في العالَم.


الدبلوماسيّة الصحيّة
في عالَم اليوم كلّ شيء يخضع للسياسة، ولهذا سيَبرز نَوعٌ خاصّ من الدبلوماسيّة، مثل الدبلوماسيّة الصحيّة، بوصفها نَوعاً من الدبلوماسيّة الإنسانيّة وأداةً مهمّة في السياسة الخارجيّة. يندرج في هذا الإطار، الفاعلون والمانحون، فضلاً عن الأفراد الذين يُسهمون في تقديم المُساعدات الخاصّة بالمجال الطبّي. وسوف يكون لهذه الدبلوماسيّة أثرها الكبير قبل انحسار الوباء وبعده؛ إذ ليس بالجديد تسييس المُساعدات في تاريخ العلاقات بين الدول، وربّما يكون الدَّور الصيني أفضل تعبير في هذا الإطار، مع تفعيل نمطٍ جديد من القيادة المتعلّقة بإدارة الأزمات.


التحالُفات الصحيّة
بعيداً من مفهوم دول التحالُف الصحّي، كما سمّاها المُنظِّر الروسي ألكسندر دوغين Aleksandra Dugin، تَبرز مع تغيُّر موازين القوى رغبة كبيرة بقيام تحالُفات جديدة، وخصوصاً مع تأثير الوباء على القارّة العجوز، حيث تحمل غريزةُ البقاء البشرَ على التعاوُن. فالخَوف المُتبادَل كما كتبَ ثوسيديديس Thucydides “هو الضمان الوحيد للتحالُف الصادق، وذلك لأنّ الذي يُحاول التسلية بشروط التحالُف يُقاوِم مُحاولته هذه خشيةً من ألّا يكون هو الأقوى في حال هاجمَ عدوّه”.


بنوك العَولَمة
السوق العالَميّة التنافسيّة التي كانت ترفع شعار “التحِقْ بالعالَم لئلّا تُصبح غَير مُهمّ” تغيَّر في عالَم اليوم، وإن كانت بداية التغيُّر لا تعود إلى حمّى الوباء بل إلى تنامي التيّار الشعبوي. فالكلّ يبحث عن الفلسفة الاقتصاديّة للوفرة، ولكنْ لا أحد يُمكن أن يؤكِّد أنّها البوّابة لتحقيق الأمن والازدهار الاقتصادي. لذا، فإنّه مع بروز مُشكلات اقتصاديّة كبرى في النّظام العالَمي، مع احتمال الركود والبطالة، فإنّ أنماطاً جديدة من الانكفاء الذاتي سوف تنعكس جميعها على النّظام الاقتصادي للعالَم الحالي.


تبقى العودة إلى الذّات أبرز ما يتمّ البحث عنه في هندسة العالَم الجديد، كما عبَّر عن ذلك عالِم الفلك البارز كارل ساجان Carl Sagan قائلاً: “هل يُمكن أن نكون نحن البشر قد اقتربنا أخيراً من مَشاعرنا واقتربنا من العمل معاً نيابةً عن الكائنات والكوكب؟”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.