كورونا.. علينا فَهْم ما يَحدث

Spread the love

د. تهاني سنديان _ كاتبة من لبنان/

تعترف كاتِبة هذه السطور بأنّها باتت لا تفهم شيئاً البتّة عن كورونا هذا الذي يتحدّث عنه العالَم بأسره، بل إنّها كلّ يَوم تعرف عن هذا الفيروس أقلّ ممّا كانت تعرفه في اليوم الذي سبقه، لا بل إنّها صارت عندما تسمع لفظة كورونا (وهي تسمعها ألف مرّة في كلّ لحظة) يُصيبها دوارٌ وغثيانٌ ليسا مدرجَين في الأعراض التي تظهر على المريض المُصاب بفيروس “كوفيد – 19”.

على شاشات وسائل التواصل الاجتماعي أخبارٌ مُتضارِبة. معلوماتٌ مُتناقِضة.يوماً تؤكَّد صحّتها ويوماً آخر يؤكَّد بُطلانها، وفي اليوم التالي تؤكَّد صحّتها. أرقامُ أكاذيب لا يثق بها أحدٌ عن عدد المُصابين الأحياء والأموات. فيروسٌ خرج من حيوانٍ أم من مَصانِع الأسلحة الجرثوميّة، حكوماتُ دولٍ تُهرول يمنةً ويسرةً كدجاجةٍ مقطوعة الرأس، مؤامرة ومؤامرة مضادّة، أقنعة ولوازم وقاية ضروريّة ولا لزوم لها في آن، أطبّاء ومُختبرات يُكذِّب بعضها بعضاً في العلاج والدواء واللّقاح، كلّ شيء ونقيضه في آن، بيانات وعرائض وبيانات وعرائض مضادّة، فوضى تُطبِق على العالَم بأسره.

وما أكثر ما يُكتَب ويُنشَر الآن عن “الأزمة” وعن “ما بعد الأزمة”، أملاً بأن تُسفِر الأزمة عن بروز عالَمٍ جديد يأخذ العِبَر والدروس من الأزمة. لكنّ عالَم ما بعد الأزمة تسعى الحكومات الحاليّة إلى تشكيله قبل أن يفلت من يدَيها وتتسلّمه قوى أخرى يساريّة أو يمينيّة، تماماً كما حصل في أعقاب الحرب العالَميّة الأولى ثمّ بعد الحرب العالَميّة الثانية. بَيْدَ أنّ ما غيَّر الأمور بعد الحربَين لم تكُن الأفكار بقدر ما كانت قوى جديدة ظهرت وفَرضت نفسها. فلئن كانت الحرب ضدّ كورونا حَرباً عالَميّة رابعة [الحرب العالَميّة الثالثة هي الدائرة منذ عشر سنوات وعلى امتداد البلدان العربيّة: ليبيا واليمن وسوريا والعراق وفلسطين وغيرها..]، فما أكثر الذين يأملون -عند نهاية هذه الحرب- بعَودة الأمور كما كانت قبلها، كما حدث بعد أزمة 2008 الماليّة العالَميّة.

الوباء ومَوت المَوت

لعلّ من المبكّر معرفة النتائج التي سيُفضي إليها على المدى البعيد هذا التغيُّر المُفاجئ والفظّ. ولكنْ في العمق نكتشف تسريعاً هائلاً لاتّجاهٍ كان موجوداً قبل الأزمة شغّالاً وفعّالاً: تماماً كالماء الجاري تحت طبقة الجليد ولا نراه إلّا حينما تتشقّق فجأةً أمام عيوننا.

خرجَ فعْل فيروس كورونا (“كوفيد- 19”) عن نِطاق مَفاعيله المرَضيّة إلى نِطاقِ مَفاعيله الاقتصاديّة والسياسيّة، بل إلى النِّطاق الأعمّ والأوسع، إلى النِّطاق الفكري بعامّة، والفكر الفلسفي بخاصّة، فإذا كانت الحداثة بأنظمتها الاقتصاديّة والسياسيّة قد دشَّنتها فلسفةُ الأنوار التي شهدت في ما بعد تطوّراتٍ ومَراحِل واكبت أزمات هذه الأنظمة، والتي تصوَّرت أنّها قتلت الموت (موت الموت) [في دراسة مُعمَّقة للباحث ماريو يونوت ماروزان Mario Ionut Marosan، بعنوان “الوباء ومَوْت المَوْت وفلسفة الأنوار، Pandémie, mort de la mort et philosophie des Lumières” 16/4/2020، نَجد تحليلاً مُعمَّقاً لعلاقة فلسفة الأنوار بتهميش المَوت في ثقافة الحداثة]، فإنّ هذه الفلسفة نفسها كنسَها فيروس كورونا، في جملة ما كَنَس، على الصعيدَين السياسي والاقتصادي. فموضوعة “الحداثة وما بعد الحداثة” التي كانت شاغل المفكّرين والفلاسفة أَخلت مكانها لموضوعة “كورونا وما بعد كورونا” التي “ملأت الدنيا وشغلت الناس”! وما أُرغِمت عليه البشريّة إرغاماً (إخلاء الشوارع والساحات وتعطيل المَرافِق العامّة والخاصّة وإلزام الناس بيوتهم وإغلاق المَصانع وتسريح العاملين فيها…إلخ) لم يكُن بمِكنة أعتى الحكومات الاستبداديّة ولا أقوى جيوشها الأمنيّة أن تفرضه على شعوبها بمثل ما فعل وباء كورونا، الذي وجّه لطمةً عنيفةً إلى تلك الفلسفة، لا من خلال نشوء علاقة جديدة مع الموت وحده، بل بنشوء علاقة جديدة مع الحياة نفسها أيضاً؛ فأستاذة الفلسفة كورين بيليشون انطلقت من تغيُّر سلوك الناس في علاقتهم بالمنزل وبالخروج من المنزل وتغيُّر وجهات هذا الخروج ومدّته، لتقول إنّه بات ” يُمكن الآن مُراجَعة كيفيّة سَكَن الإنسان وكيفيّة تعامُله مع محيطه البيئي (…) ويكمن التحدّي في جعْل هذه الأزمة فرصةً للتحوُّل الفردي والجماعي في هذا الاتّجاه” (Corine Pelluchon, “L’épidémie doit nous conduire à habiter autrement le monde”, Le Monde, 23/4/ 2020).

بطبيعة الحال المشافي ملأى بالمرضى، والوباء جرَّ مصائب اقتصاديّة وأَفقد الناسَ أعمالهم. وعلى صعيدٍ آخر أقلّ ضجيجاً، وقلّما يبدو للعيان، أَحدث الوباء ارتداداً لدى كلّ إنسان إلى نفسه لمُراجَعةٍ فكريّة وإنْ كانت مشوَّشة وغامِضة ومُزعجة، إلى هذا الحدّ أو ذاك، لكنّها ترغمه، بفظاظة أحياناً، على تصوّراتٍ ذهنيّة، واضعاً نصب عينَيه الموت والحياة في آن معاً.

انتشار المرض على نِطاقٍ عالَميّ واحتلاله سائر وسائل الإعلام بالحديث، صبح مساء، عن كورونا والخوف الذي بثّه في نفوس الناس بتدابير الحجْر والعزْل والتباعُد.. كلّ ذلك وَضَعَنا وَجهاً لوجه أمام الموت، بإعادتنا إلى مرحلة يَصفها أستاذ الفلسفة بكاري دومنغو مان Bacary Domingo Mane (في مقالته Covid-19 et la mort – Réflexion philosophique sur une pandémie على موقع: https://senegal7.com) بأنّها مرحلة “الإنّيّة الانعزاليّة”، بحيث تذهب الأنا فقط حدّ إنكار واقع الآخر. هذا الخوف سببه في أذهان الناس الآخر الذي بات يشكِّل حاجزاً أمام العيش الصحّي والمُتفتّح. فهو الذي ينقل إليّ الفيروس ويُسبِّب لي الموت. لم يعُد الآخر -كما كان- شبيهي وأخي في الإنسانيّة، بل بات “شيئاً” يحتوي على “كوفيد – 19”.

لا يُعرَف بعد كيف سيكون عالَم ما بعد كورونا إلّا إذا أدركنا تماماً كيف بدأ يتشكّل هذا العالَمُ من ضمن عالَم كورونا الذي تعيشه البشريّة منذ أكثر من أربعة أشهر: يُخفي البطء الظاهر في حركة العالَم إبّان الحجْر المفروض على المُجتمعات، حركة يُمارسها وباء كورونا، حركة تنشيط وتسريع لاتّجاهٍ كان قد بدأ في مُجتمعاتنا، وهو الاتّجاه نحو العالَم الرقمي/الافتراضي (عالَم الإنترنت وتكنولوجيّاته المُختلفة)، فالاحتكاك المُباشر المَمنوع أو المَحدود بين الناس، يُعجِّل الانتقال إلى العالَم الافتراضي ويُسرِّع وتيرته. كلّ القادرين على العمل على الإنترنت مدعوّون إلى فعْل ذلك من منازلهم؛ التواصُل مع الأقرباء، وبخاصّة المُسنّين منهم، يتمّ عبْر الهاتف حصراً وعبر شاشاته. معظم الإدارات الرسميّة والخاصّة، وكذلك المحلّات التجاريّة باتت ترفض التعامُل بالنقود ولا تقبل الدفع إلّا بالوسائل الإلكترونيّة أو البطاقات الإئتمانيّة التي تشهد بدَورها تطوّراتٍ تكنولوجيّة مُتسارِعة.

الانتقال الأسرَع للعالَم الافتراضيّ

قبل أن نذهب في أحلامٍ مستقبليّة، علينا فهْم ما يحدث هنا، والآن. فقد عزَّز “كورونا فَيروس” الانتقال إلى العالَم الافتراضي/ الرقمي/ الروبوتي وسرَّع وتيرته التي كانت تسير ببطء، وفي المُقابل أبطأ حركة الإنسان وكَبَحها؛ سرَّع العلاقات عبر الأجهزة الذكيّة وأَبطأ العلاقات المُباشرة بين الناس. وسائل التواصُل الاجتماعي هي مَشهد من الحياة، وإن كان مُتقطّعاً مُتعدِّد الأجزاء، بالصور ومَقاطِع الفيديو والحكايات والقصص وتحديثات التغييرات في الحالة الاجتماعيّة والتعليقات والمعلومات المنقولة… ومع الاحتفاظ بمسافة عن سَيل المعلومات والمَشاهِد التي لا يتوقّف تدفّقها، لإيجاد متّسَعٍ للتفكّر، نكتشف حقيقة بسيطة وعبثيّة: المُجتمعات “العاديّة” مأزومة؛ كلّ أشكال التمييز أمرٌ عادي (طبيعي)، عدم المساواة في الثروة شيء طبيعي، استغلال الناس طبيعي… الوضع الطبيعي (العادي) هو في حدّ ذاته أزمة، الحياة الطبيعيّة (العاديّة) أزمة. لم نكُن نرى ذلك بوضوح حقّاً. انتبهنا لذلك الآن في ضوء هذا الوباء العالَمي الكاشِف.

يلحظ الفيلسوف فبريس ميدال Fabrice Midal [حديث مع الفيلسوف الفرنسي فبريس ميدال منشور على مَوقع Ouest-France (22/03/2020)] أنّ عودة كلّ إنسان -أثناء مُحارَبة الوباء بالعزلة التي فرضها الحجْر- إلى باطن إنسانيّته، وإخراجها من زوايا النَّفس المَنسيَّة، تُساعد على تطهير النَّفس ومُصارَحة الذات ومُحاسبتها أيضاً. ويرى روجيه بول دروا RogerPol Droit في كورونا التي يسمّيها “تسونامي فكريّة” أنّها “تجربة فلسفيّة تدفعنا إلى التساؤل عن هامش استقلالنا الضيّق وخوفنا من المجهول واللّامعقول” (11/2020/L’Express, Le coronavirus, une expérience philosophique, 3).

أمّا الفيلسوف الفرنسي رافائيل إنتهوفن Raphaël Enthoven، فيعتقد أنّ “من الأفضل الاهتمام التامّ والانصراف الكلّي لمُعالجة أزمة كورونا للخلاص من هذه الجائحة، بدلاً من اعتبارها سنة صفر في رزنامة توقيتٍ جديد للعالَم” [Raphaël Enthoven : “Le virus du délire se répand plus vite que le coronavirusL’Express,14/03/2020]. ويُحلِّل هذا الفيلسوف هوَسَ المهووسين بعالَم الـ”ما بعد”، ويسخر من التنبّؤات العِلميّة الزائفة للمُختصّين بـ”عِلم الانهيار” (collapsologues) أمثال يوفال هراري وجاريد دياموند… ولكنْ، بين الاعتقاد بأنّ “قبل كورونا كان الوضع أفضل”، والاعتقاد بأنّ “لا جديد تحت الشمس” سواء بكورونا أم من دونه، هناك مَن يرى أن “لا شيء سيبقى كما كان بعد كورونا”، كالفيلسوفة سنتيا فلوري التي تحذِّر وتنبِّه إلى “وجوب مُكافَحة الذين يريدون -بعد الانتهاء من أزمة كورونا- أن تعود الأمور إلى سابق عهدها قبل الأزمة” [Cynthia Fleury, “Après la crise du coronavirus, il faudra combattre ceux qui vous diront qu’il faudra continuer comme avant“, La Première, Bruxelles, 20/04/2020].

منذ أربعين سنة قال الاقتصادي الأميركي الشهير ميلتون فريدمان Milton Friedman: “وحدها أزمة فعليّة تُنتِج تغييراً فعليّاً. وعندما تقع هذه الأزمة فإنّ الإجراءات التي تُتَّخّذ تتوقّف على الأفكار المُتداولة”. هذا ما وردفي بحثٍ عِلميّ رصين بعنوان “كيف نبني عالَماً بعد فيروس كورونا؟” [Tammy Gan, Comment reconstruire un monde post-viral?, 23/04/2020] تناولت فيه الباحثة تامي غان، السنغافوريّة الناشطة في مجال الدعوة لحماية الطبيعة من اعتداءات الصناعيّين، القضايا المُترتّبة عن التغيُّر المنشود، انطلاقاً من أنّ “الأزمات تصنع التاريخ” وترى أنّ وباء “كورونا العالَمي فرصة مواتية لإعادة تنظيم العالَم وبناء مستقبل أفضل للبشريّة. وعلينا اقتناص هذه الفرصة من أجل العمل. لأنّنا إنْ لم نفعل ذلك، فإنّ الذين لا يريدون عالَماً أفضل نحلم به ونتوق إليه سوف يمسكون بزمام الحكم، وهُم في واقع الأمر ممسكون به منذ زمن. ولكن لا تجزعوا، ثمّة بشرى سارّة وهي أنّ الأفكار التي يُمكن لها أن تغيِّر العالَم أخذت تنتشر وتروَّج بين الناس. وما علينا الآن سوى ترتيب الأمور وتنظيمها” [تامي غان، المرجع نفسه].

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.