التنمّر: أسبابه ومخاطره

التنمّر
Spread the love

إن كل إرشاد تربوي يجب أن يبدأ من الذات، فالتربية الصحيحة هي الأساس، وعلينا الابتعاد عن التنمر على أولادنا وأن نتبادل معهم الثقة والاحترام

بقلم: كارمن جرجي* |
كنت دائماً أكثر السؤال عن أحد الطلّاب الذين كنت أعرفهم في الماضي في رحلة تعليمية سابقة… وفي الآونة الأخيرة وردني من صديقة وزميلة لي في مجال التعليم أن هذا الطالب حلق بعيداً، فهو يتم كل الواجبات المدرسية التقييمية بجدارة وتفوّق وأن نسبة مشاركته في الحلقات والحوارات الصفية ممتازة، فيطرح الأسئلة ويجيب عليها بثقة ووضوح. ولمعرفتي بما كان يتعرض له في المدرسة، يمكن الجزم بأن سبب التحرّر النفسي يكمن في أنه يتابع الدراسة عن بعد في هذه الظروف الراهنة، من وراء شاشته الصغيرة التي تحميه من الآخرين وتخلّصه من الخوف الناجم عن التنّمر الذي كان هو ضحيته.
من هنا التأكيد على خطورة التنمر وآثاره السلبيىة وقدرته على تحويل مسار وتقرير مصير.
ما هو التنمر؟
هو ممارسة سلوك عدواني تجاه فرد أو مجموعة، يتسبب بالإيذاء وتنجم عنه تنائج نفسية خطيرة. ويمكن أن يكون التنمر: غير مباشر ليس موجهاً لشخص ما بشكل خاص وانما يتجلّى بممارسات بعض الأفراد بما لها من تأثير سلبي على الآخرين، وهم كثر في مجتمعنا السقيم هذا. وهناك التنمر المباشر الذي يشمل الاعتداء الجسدي – اللفظي كتوجيه الكلمات غير الحسنة، المستهزئة بالشكل، العرق، المستوى الاجتماعي، أو الأكاديمي – الإلكتروني من خلال توجيه الرسائل والصور المؤذية – أو الأسري ويحصل من خلال التنمر الممارس من قبل الأهل أو الأخ الأكبر – أو السياسي وهنا لا داعي للإستفاضة فهناك الكثير من الأمثلة عن محاولة الدول الكبرى التنمر أو البلطجة والسيطرة على الدول الأضعف أو التي تعاني من الأزمات السياسية أو الإقتصادية.
يعاني الصغار والراشدين من التنمر على حدّ سواء، فيمكن أن يمارسه الرؤساء على المرؤوسين في أماكن العمل أيضاً أو المربّي على طالب، أو طالب على طالب آخر. وهذا الأخير أي التنمر الحاصل في البيئة المدرسية هو الأشد خطورة، فالضحية غالباً ما يصبح شخصاً يصعب انخراطه في المجتمع، أو عدوانياً، كما يمكن أن يصبح عنيفاً أو متنمراً في المستقبل.
وأشارت منظمة الأمم المتحدة إلى أنه عالمياً هناك 150 مليون طالب يبلّغون عن تعرضهم للتنمر بين عمر 13- 15 سنة، وهناك طالب واحد من ثلاثة يعاني من التنمر مرّة واحدة على الأقل في حياته. وبلغت نسبة الصبية ضحايا التنمر 54% في حين أن نسبة الفتيات بلغت 46%. وسجلت نسبة التنمر الحاصل في البيئة المدرسية في الفئة العمرية التي تتراوح بين 9 و12 عاماً حوالي 61% من المعدل العام للتنمر بكل أشكاله.
وعلى صعيد البلاد، تساوى كل من لبنان وإنكلترا في نسبة التنمر التي بلغت 23.9%، وسجلت نيوزيلندا ما يقارب 43%، وسويسرا واليابان ما بين 7 و10%.
ما هي أسباب التنمر؟
– المتنمر في أغلب الأحيان هو نفسه ضحية تنمر، فيعمد على رسم صورة له مغايرة للحقيقة ويسعى لخلق أهمية مزيفة له في محيطه عن طريق ممارسة التخويف، والاستعلاء أو الاعتداء على شخص آخر يبدو ضعيف الشخصية، هادئاً أو يعاني من مشكلة ظاهرة ما.
– الوحدة أيضاً تدفع الى التنمر بدافع كسب الاهتمام وتسليط الضوء على الذات.
– كذلك الإضطرابات في المنزل يمكن أن تؤدي الى ذلك بهدف إخراج الكبت النفسي والغضب.

وأسوأ الأسباب هي التكبر والتعالي ورؤية اختلاف الآخرين بطريقة دونية.
الجهات المسؤؤلة:
يعتبر كل من الطالب، والرفاق، والأهل، والمدرسة (بمن فيهم المربّون، المرشد الإجتماعي والإدارة)، ووزارة التربية ومنظمات حقوق الانسان، جميهم مسؤولين عن التصدّي ومكافحة التنمر الحاصل في المدرسة.
وعلى الطالب أن يتحلّى بالشجاعة الكافية لإخبار الراشدين من حوله رغم الترهيب. أمّا الرفاق فعليهم ذلك أيضاً إذا كانوا شهوداً وعليهم الابتعاد عن التصرف بعدم الإكتراث.
ويجب أن تضع المدرسة قواعد ثابتة وواضحة تتيح لها أخذ الإجراءات المناسبة لدعم ومساعدة الضحية، ومعاقبة وإرشاد المنتمر، كما عليها تأمين المرشدين الإجتماعيين للحرص على منع حصول التنمر بين صفوف الطلاب ومعالجته في حال وقوعه. أما الأساتذة فعليهم التمنّع عن التصرف بشكل عدائي مقصوداً كان أم عفوياً وتدريبهم على هذا الأساس.
أما وزارة التربية ومنظمات حقوق الإنسان فعليها أن تعمل مجتمعة للحدّ والتخفيف من هذه المعضلة الإجتماعية من خلال رسم الخطط وتنظيم حملات التوعية ووضع قانون الحماية ضد التنمر. كما هو حاصل في لبنان، إذ أصدرت وزارة التربية بالتعاون مع منظمة اليونيسيف عام 2018 كتيّباً يفصّل سياسة حماية التلميذ في البيئة المدرسية وأطلقت في هذا الإتجاه مبادرة هاشتاغ #ENDviolenceinschools
كما أعدّت منظمة الأمم المتحدة تقريراً نشر على موقعها الرسمي بعنوان “درس يومي” سلّطت الضوء فيه على مشكلة العنف في المدرسة وذكرت سلسلة إرشادات وإجراءات في هذا المجال.
أما الأهل فمطلوب منهم التحلّي بالوعي وأن يفتحوا باب الحوار مع أبنائهم وتشجيعهم على اللجوء اليهم وإقناعهم بأن في ذلك قوة وليس ضعفاً. ويجب عليهم تفهمهم وعدم إهمال أيّ مؤشر غير معتاد قد يدلّهم أن دائرة أولادهم في خطر.
ما هي تلك المؤشرات؟
– الحزن، الاكتئاب، المزاج المتقلّب، العصبية، العدائية، القلق، الميل الى الوحدة والابتعاد عن الأصدقاء أو المجموعات، محاولة التملص من الذهاب الى المدرسة أو من ركوب الباص المدرسي.
– إهمال الواجبات المدرسية والتراجع الأكاديمي وتغيّر الاهتمامات بالأنشطة المفضلة، فقدان الأغراض، أخذ المال لأسباب غير مبرّرة أو اعتيادية، أخذ أغراض من المنزل بهدف حماية النفس.
– تغيير بالشكل الخارجي وعدم الإهتمام بالمظهر، ظهور كدمات أو آثار ضرب أو اعتداء، فقدان الشهية والوزن.
كيفية التصرّف في حال التثبت من وقوع التنمر:
– التكلّم مع الضحية ومحاولة الاستدلال على التفاصيل.
– التواصل مع المدرسة والمرشد الإجتماعي للحرص على معالجة الموضوع واتخاذ التدابير اللازمة.
– متابعة الموضوع عن كسب حتّى يتمّ التأكّد من حلّ المشكلة.
– عرض الضحية على أخصائي في العلاج النفسي في حال تفاقم المشكلة وعدم التهاون بالآثار الجانية السلبية.
كيفية حماية أبنائنا وتحصينهم:
– إن كل إرشاد تربوي يجب أن يبدأ من الذات، فالتربية الصحيحة هي الأساس، وعلينا الابتعاد عن التنمر على أولادنا وأن نتحلّى بمبادئ أخلاقية عالية ونبنيها فيهم، ونتبادل معهم الثقة والاحترام.
– فتح مجال الحوار والنقاش والتعبير عن الآراء والمخاوف والاستماع اليهم بإهتمام لرصد أيّ تغيير سلوكي مفاجئ، وعند وقوع أية مشكلة علينا تفهمهم لنتمكن من التواصل معهم بطريقة سليمة.
– مراقبة محيط الأولاد بشكل دائم، والتدقيق في وسائل الترفيه خاصتهم كنوعية البرامج التلفزيونية والألعاب والمنصّات الإلكترونية.
– تعزيز الثقة بالنفس لديهم من خلال تسليط الضوء على نقاط قوتهم ومن خلال تشجيعهم وابداء الرأي الإيجابي المحفّز عند أيّ إنجاز يقومون به.
– تدريبهم على الدفاع عن النفس وأحيانا بحزم اذا تطلّب الأمر وذلك ليس بهدف العنف وانمّا الحاجة للحماية.
– قراءة القصص أو مشاهدة برامج وحلقات التوعية المرتبطة بهذا المجال اذا استدعى الأمر.
– التأكد من وجود مرشد إجتماعي متخصّص وكفوء في المدرسة وإجراء إجتماعات منتظمة معه عند الضرورة.
إن التنمّر آفة خطيرة تضرّ بالجسد والنفس، ويكفي أن نعرف أنّ التنمر هو السبب الثالث الرئيسي لوفاة المراهقين أو لدفعهم الى الانتحار حتّى ندرك ضرورة أخذه على محمل الجدّ والتصرف بوعي تام.
بالتيقّظ، والمسؤؤلية، والإهتمام والحكمة نستطيع تغيير سلوك متنمر وإنقاذ ضحية، وبالتالي نعيد بناء سلوكيات ونعيد الحياة لحيوات.

*كاتبة وتربوية لبنانية.

كارمن جرجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.