الأزمة النقدية-الاقتصادية تهز لبنان

Spread the love

تقرير: علا حسن | شهد لبنان على مرّ التاريخ موجات متعددة من الهجرة بدءاً من أيام العثمانيين عندما كان الكثيرون يركبون البواخر وينتهون في دول غير الدول التي اعتقدوا انهم ذاهبون اليها. حينذاك كان الفقر هو ما يدفع الناس الى الهجرة. ثم جاءت الحرب الأهلية عام 1975 وبدأت موجة أخرى من الهجرة هرباً من القصف والقتل وانعدام الأمن.
لكن كثيرين ممن عايشوا الحرب يقولون إنه بالرغم من هولها لم يكن هناك ضيق اقتصادي بحجم الضيق الذي يمر به لبنان، خصوصاً في ما يتعلق بحجم انتشاره. فما يشهده لبنان اليوم في ذكرى المئة سنة على تأسيسه هو أكبر أزمة مالية واقتصادية ومصرفية في تاريخه.
منذ بدء التحركات الشعبية في تشرين الأول 2019، حُكي الكثير عن الأسباب التي أوصلت البلاد الى هذه الحال وهي مرتبطة بالنموذج الاقتصادي الذي اعتُمد بعد الحرب اللبنانية، وبالهدر المالي والفساد والعجز بالميزان التجاري.
فقد أعدّت الحكومة الحالية في أيار الماضي ما سمتها بخطة انقاذ اقتصادية، وطلبت رسمياً المساعدة من صندوق النقد الدولي، الا أنه حتى اللحظة لم تتبلور أي خطوة عملية في اتجاه تطبيق هذه الخطة. كما أن المحادثات مع صندوق النقد الدولي معلقة بسبب خلافات لبنانية على تقدير حجم الخسائر المالية في البلاد والتي على أساسها تبدأ أي مفاوضات مع الصندوق أو أي دائنين محتملين آخرين.
دفعت هذه المراوحة باثنين من المشاركين الأساسيين في الفريق اللبناني في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي الى الاستقالة من منصبيهما٬ لوصولهما الى قناعة بأن لا نية حقيقة عند السلطة لإجراء إصلاحات. ويبدو أن تشابك المصالح السياسية والمالية وصراع النفوذ بين المصارف التي ترفض تحمّل المسؤولية عن الانهيار المالي والنقدي في البلاد، وبين من يعتبرون أن توزيع الخسائر لا يمكن الا أن يشمل المصارف وإعادة هيكلتها، يفاقم تردي الوضع الاقتصادي.
وبينما تغيب أي مبادرات جدية لتفعيل أي حل، يزداد الوضع المعيشي سوءاً.
كثيرون في البلاد باتوا يشعرون بالغلاء الفاحش، بسبب انهيار قيمة الليرة أمام الدولار الذي تضاعف سعره ست مرات من 1500 ليرة إلى أكثر من 9 آلاف ليرة في غضون 8 أشهر. كما أن الأسعار لا سقف لها، وقد دفع الارتفاع الجنوني في أسعار السلع الأساسية شرائح كثيرة الى التقشف في طعامها والتخلي عن اللحم بعد أن زاد سعره بمثابة الأربعة أضعاف عما كان عليه.
فمعظم المنتوجات والسلع المستهلكة في لبنان مستورد من الخارج وبالتالي يِدفع ثمنه بالدولار الذي بات فجأة عملة نادرة وباتت قيمته مقابل الليرة اللبنانية مفتوحة على مزايدات السوق السوداء، حتى بلغ سعره اليوم في تلك السوق ستة أضعاف سعره الثابت منذ عام 1997 وحتى انفجار الأزمة الحالية في نهاية العام الماضي.
يترافق هذا الواقع مع زيادة كبيرة في نسبة الفقر والتي يتوقع البنك الدولي أن تتفاقم في العام الحالي، وسط تخوف من انفلات أمني، وتسجيل عدد من حالات الانتحار التي يِعتقد أنها مرتبطة بالظروف المعيشية.
مواطن لبناني يقول: وصلنا الى حائط مسدود في ما يتعلق بكل شيء إن كان بمهنتنا او بعائلتنا أو بمستقبلنا ومستقبل أولادنا. لم يعد بلدنا يقدم لنا أي شيء بتاتاً، ولم يعد أمامنا من خيار سوى الهجرة”.
ليس الجوع أو الفقر وحدهما ما يدفعان الجميع للهجرة، انما الخوف من المستقبل والتوق لحياة مستقرة، بالرغم أن في كل وداع وحديث عن الرحيل، غصة كبيرة.
العاطفة هي التي تعيد الناس إلى لبنان. ولكن للأسف، العاطفة لا تطعم خبزاً”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.