الإثنين , ديسمبر 11 2017
الرئيسية / تقدير موقف / أراكان – ميانمار.. صراع الجيوبوليتك الصينيّ /الأميركيّ في حروب الجيل الرابع

أراكان – ميانمار.. صراع الجيوبوليتك الصينيّ /الأميركيّ في حروب الجيل الرابع

خاص “شجون عربية” — بقلم: سومر صالح*

الصين ثاني أكبر اقتصادٍ عالميٍّ عادةً ما صنفت بأنها قوةٌ قادرةٌ على تغيير النظام الدوليّ ولكنّها قانعةٌ بنسقه الراهن، ولكن قناعتها تلك لم تجنبها ويلات الصراع مع الخصم الأميركيّ، ولم يجنبها “فخ ثوسيديس” الذي يفترض بأنّ خوف قوةٍ قائمٍة (الولايات المتحدة) من صعود قوةٍ منافسةٍ (الصين) وعدم الرغبة في التعاون بينهما سيودي إلى الوصول إلى فخ الحرب، فمنذ العام (2009) والعلاقة بدت متوترة مع الولايات المتحدة وعمدت الأخيرة الى فرض شبه حصارٍ بحريّ عليها عبر نشر أساطيلها في المحيطات الدّولية لعرقلة التجارة الصينة.

ومع العام (2013) بدأت الصين بالتحرك نحو القطبية الكاملة سياسياً وعسكرياً وثقافياً واقتصادياً من خلال مبادرة “حزام واحد – طريق واحد” التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ، وتهدف لتطوير وإنشاء طرقٍ تجاريةٍ وممراتٍ اقتصادية تربط أكثر من 60 بلداً، ويلعب الموقع الجيو سياسيّ المهم لبورما (ميانمار) في القارة الصفراء دورًا رئيسًا في هذه المبادرة الصينية الاستراتيجية من خلال ممرٍ بريّ من الصين إلى الخليج العربي والبحر المتوسط، عبر وسط وغرب آسيا، وممرٍ بحريّ يسمح لواردات الصين من النفط الخام القادم من “الشرق الأوسط”، بالعبور إلى الصين بحوالي (400 ألف برميل) نفط يوميًّا، بعيدًا عن طريق البحري “ملقا” البحريّ الواقع تحت سيطرة البحرية الأمريكية، والذي يمر عبره أكثر من (80%) من واردات الصين من النفط والغاز، ويقلل الوقت بمقدار (30%)، مما يعود بفائدةٍ اقتصاديةٍ مضاعفةٍ على الصين.

هذا الطريق يرتبط جنوب الصين بالمحيط الهندي بخط أنابيب من ساحل إقليم أراكان على المحيط الهندي بما يمنح الصين الوجود الاستراتيجيّ في المياه العميقة للمحيط الهندي، بعد أن كانت دولة حبيسة على المحيط الهادئ؛ كما يوفر هذا الممر منفذًا بحريًّا للمقاطعات النائية في الجنوب الأوسط للصين على المحيط الهندي، انطلاقاً من ذلك، قامت الصين بتوسيع الشراكة الاقتصادية مع بورما للاستفادة من منافذها البحرية لتأمين التدفقات النفطية للصين عبر خليج البنغال في حال فرض حصارٍ اقتصاديّ على منطقة بحر الصين وقامت بتطوير ميناء بحري وخط لأنابيب النفط وشبكة للنقل السريع تمتد من خليج البنغال إلى حدود بورما والصين في الشمال، وتزداد الأهمية الجيوسياسية لإقليم اراكان بالنسبة الى الصين إذا علمنا أنّ “جزيرة ماداي” المطلة على خليج البنغال، يوجد بها أكبر مشروعٍ استراتيجيّ لتخزين النفط القادم من الخليج العربي، ثم ضخه إلى جنوب غرب الصين، لاختصار ثلث الزمن الذي تستغرقه ناقلات النفط عبر مضيق ملقا الاستراتيجيّ.

ومع حلول نيسان من عام 2017؛ اكتمل مشروع مد خط أنابيب النفط والغاز البورمي بطول (2806 كم)، يربط المياه العميقة لميناء ميانمار بولاية راخين (أراكان سابقًا) في جزيرة ماداي على خليج البنغال، مع أكبر مركزٍ صناعيّ بمدينة كونمينغ بمقاطعة يونان في الجنوب الأوسط للصين بالقرب من ميانمار.

ومن جهةٍ متتمة تعتبر بورما محط أنظار كبريات شركات النفط والغاز الدولية وخصوصاً إقليم اراكان بسبب ثرواتها الطبيعية، حيث ينتج الإقليم نحو خمسمئة مليون قدم مكعبة من الغاز يومياً، ويجري تصدير ثلثي هذه الكمية عبر أنبوب طاقة إلى الصين، كما تعتبر بورما المصدر الوحيد في الكوكب لألماس (البينايت) أغنى سلع العالم وهو ما يعيدنا بالذاكرة إلى حقبة الماس الدموي في افريقيا، إضافةً إلى أنّ بورما غنيةٌ بالثروات والذهب ولديها احتياطيٌّ كبيرٌ من المعادن النادرة(التي تحتكر الصين (90 %) من احتياطياته العالمية مما يهدد صناعة التقنيات الرقمية الأميركية ويجعل الصين تتربع عرش الصناعات الرقمية بما يضمن لها الهيمنة الدولية مستقبلاً…

مما سبق يتضح أنّ إقليم أراكان الذي يسكنه عرقية الروهينجا ذات الأغلبية المسلمة، نقطة تحولٍ في المشروع الصينيّ نحو القطبية الدولية، الأمر الذي حولّه إلى نقطة اصطدامٍ جيبولتيكي مع واشنطن، مما يعيدنا بالذاكرة إلى أحداث كوسوفو واستغلال حلف الناتو لتلك الأحداث للتدخل المباشر بذريعة “حقوق الإنسان”، وما يجري اليوم من أحداثٍ هيّ مؤسفةٌ بطبيعة الحال تفتح الباب واسعاً لخطط واشنطن المجربّة سابقاً وهي حروب الجيل الرابع عبر استخدام ما يسمى “الجهاديين” لزعزعة الاستقرار في بورما ولاحقاً الانقلاب عليهم والتدخل المباشر ضدّهم بدعوى “محاربة الإرهاب”، كما حدث في أفغانستان –مثلاً- وبطبيعة الحال فلديها الكثير من الأدوات المهزومة التي سحبتهم من سورية للزجّ بهم في أتون الأحداث الجارية في ميانمار، وهو ما يُفسر الانزالات الأميركية في دير الزور ومحيطها لسحب قادة تنظيم “داعش” الإرهابي المهزوم لاستثمارهم في أماكن أخرى على ما يبدو أنّ الفلبين وبورما في قائمة أجندات واشنطن.

سومر صالح كاتب وباحث سوري.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

كيف نفهم سياسة الاتحاد الأوروبي لمكافحة الانتشار النووي؟

خاص بمركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط إعداد: محمد هشام إسماعيل باحث في العلاقات الدولية مقدمة: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *