الأربعاء , ديسمبر 13 2017
الرئيسية / آراء / الشريعة الإسلامية في تاريخ الدستور السوداني بين حقوق دينية وعراقيل دستورية

الشريعة الإسلامية في تاريخ الدستور السوداني بين حقوق دينية وعراقيل دستورية

“شجون عربية”_ بقلم: د.محمد عبدالرحمن عريف.. كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية.

الشريعة الإسلامية حديثًا اصبحت ذات جدل طويل ما بين الدين والدولة، وقد أخذت حيزًا هامًا في الصراع السياسي في السودان، ففي تاريخ السودان الحديث، بدات التجربة الإسلامية مع المهدية التي اعتبرت واحدة من الحركات الثورية التي ظهرت في العالم العربي والإسلامي مع نهاية القرن التاسع عشر، وهي ذات مضمون ديني سياسي.

الواقع أن الشريعة الإسلامية استطاعت أن تَفِي بحاجات المجتمعات التي حكمتها، وأن تعالج كافة المشكلات في كافة البيئات التي حلَّت بها بأعدل الحلول وأصلحها، ويعود ذلك لعوامل أهمها، سعة منطقة العَفْو المتروكة قصدًا حيث تَبْرُز أدلة التشريع فيما لا نص فيه (كالقياس، والاستحسان، والاستصلاح، والعرف).

فالاجتهاد في كل عصر ضرورة مُلِحّة تُحَتّمه حاجة الناس إلى الأحكام الشرعية.

والحادث أن الثورة الدينية هنا لا تحظى بالمكانة المناسبة فى الوعى العربى، وهى لا تكاد تكون حاضرة فى دوائر التفكير السياسى النظرى فى العالم العربى.

ربما لأنها بعيدة بحكم المكان. فهى فى السودان الذى تبدو أحداثه بعيدة عن المشرق العربى وكذلك المغرب.

وبين زماننا وزمانها الكثير من الأحداث والخرائط. وربما -أيضًا- لأنها بدأت بعيدًا، وبقيت بعيدًا.

لقد جاءت ثورة المهدى في بداياتها حركة إصلاحية، ثم تحولت إلى ثورة ضد حكم الأتراك، وخاض المهدى عدة معارك ضد الأتراك في السودان. في عام 1884 أصبح المهدى سيّدًا على السودان ما عدا الجنوب، ثم أسس المهدى دولته في 26 يناير عام 1885.

نجح المهدى في إقامة دولته، وأدخل فيها العنصر الأسود، وبعد مرحلة الإصلاح الديني، ثم مرحلة النضال ضد الأتراك، جاءت مرحلة الصراع مع بريطانيا.

وتتمتع وقائع الثورة المهدية وحروبها بالإثارة. خلفه الخليفة عبدالله بن السيد محمد التعايشي والذي قاوم جيوش الاحتلال البريطاني أيضًا.

تطورت الأحداث ففي عام 1898 قضت الحملة الأنجلومصرية على الدولة المهدية في السودان، وبينما أُطلق على ذلك النصر العسكري إعادة فتح السودان (إشارة لاستعادة الدولة العثمانية التي كان محمد علي باشا قد احتل السودان باسمها في عام 1821)، إلاّ أنه كان في الواقع تأسيساً لكيان مختلف هو السودان المصري الإنجليزي.

في عام 1953، تم توقيع اتفاقية الحكم الذاتي بين مصر وبريطانيا، مُنح السودان بموجبها حكمًا ذاتيًا‌، وكان من المقرر أن تنتهي الفترة الإنتقالية باستفتاء حول تقرير المصير، ليُقرر عبره وضع السودان.

وكانت الخيارات المطروحة هي الاتحاد مع مصر، أو الدخول في مجموعة الكمونولث البريطانية، أو الاستقلال. وأصدر البرلمان السوداني بالإجماع قرار استقلال السودان.

لقد بدأ السودان استقلاله بتعديل قانون الحكم الذاتي لعام 1953، ليصبح دستور السودان الانتقالي لعام 1956، شهدت البلاد بعدها ثلاثة دساتير انتقالية، واثنين دائمين، وعدة أوامر دستورية وجمهورية. الجدير بالذكر أن الدستورين الدائمين المشار إليهما هما دستورا نظام نميري لعام 1973، ودستور النظام الحالي لعام 1998، وكلا الدستوران لم يحسما قضية الاستقرار الدستوري بالبلاد بدليل أن الأول قد أُلغي عقب انتفاضة إبريل 1985، والثاني هو محل صراع ليس بين المعارضة الديمقراطية والنظام فحسب بل بين جناحي النظام المتصارعين.

تدخل قضية الشريعة الإسلامية في قلب صراع الهوية في السودان، فضلاً عن تداخلها مع قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان.

فقد اقتصر استخدام الحكم العسكري الأول (1958-1964) للدين على محاولة أسلمة وتعريب جنوب السودان، فقد قام بتضييق نشاط البعثات التبشيرية وقام بإغلاق المدارس التابعة للكنائس.

جاء بعد ذلك دستور 1973 الذي وضعه الحكم العسكري الثاني (1969-1985) ووصف جمهورية السودان بأنها دولة اشتراكية يقودها حزب واحد هو الاتحاد الاشتراكي السوداني.

وفي عام 1983 أصدر الرئيس نميري ما عُرف بقوانين سبتمبر الإسلامية، وقد أقام نميري مهرجانات في عامي 83، و84 لأخذ البيعة من القوات النظامية المختلفة، والمصالح الحكومية، وتجمعات جماهيرية بوصفه حاكمًا إسلاميًا للبلاد.

هنا برز اليسار وخاصة الحزب الشيوعي السوداني كقوة سياسية، والذي لعب دورًا أساسيًا في مقاومة الحكم العسكري وفي انتفاضة أكتوبر، في الديمقراطية الثانية (1964-1969) ونجح في الفوز بمعظم دوائر الخريجين في برلمان 1965. وترافق ذلك النهوض مع نمو ما عُرف وقتها في المنطقة بالأنظمة التقدمية مما أصاب القوى التقليدية بالذعر فلجأت إلى حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان ولم تعبأ بحكم المحكمة العليا بعدم دستورية تلك الإجراءات.

وقد نالت في تلك الفترة فكرة الدستور الإسلامي تأييدًا قويًا من الأحزاب الكبيرة، بما فيها الحزب الوطني الاتحادي الذي كان يُعد حزب الوسط في السودان.

ومن الممكن القول، أن اسهانة الأحزاب الحاكمة بالدستور، إضافة إلى ما أحدثه الدعوة إلى الدستور الإسلامي من انقسام وطني وتصعيد للحرب الأهلية قد أدى للأزمة السياسية التي نتج عنها انقلاب مايو 1969.

لقد نصت قوانين 1974 على أن تطبق المحاكم “المبادئ التي استقرت في السودان و مبادئ الشريعة الإسلامية والعرف والعدالة والوجدان السليم” في المسائل التي لايوجد بها نص تشريعي.

وجاء كأول نص في قانون سوداني يأمر بالحكم بالشريعة الإسلامية في تاريخ السودان الحديث. و تلاه في عام 1977 قرار رئيس الوزراء نائب رئيس الجمهورية بتشكيل لجنة لمراجعة القوانين السارية في البلاد “حتى تتناسب مع تعاليم الدين الإسلامي”.

وقد ضمت اللجنة عددًا من القانونيين و علماء الدين الإسلامي و صدر قرار اخر بدعمها بلجنة فنية ضمت إلى جانب عميد كلية القانون في جامعة الخرطوم اساتذة من جامعات القاهرة و عمان و الرياض تحت رئاسة النائب العام.

في سبتمبر 1983 أعلن النميري الشريعة قانونًا للبلاد بديلًا للقوانين السائدة المستمدة من القانون الإنجليزي.

وتم ذلك الإعلان في ذيول إضراب للقضاة توج نزاعًا طويلًا بين الرئيس والقضائية حول قضايا استقلالها.

وتجسد ذلك النزاع في مفهومين للعدالة: زكى النميري مفهومه للعدالة الناجزة وكان بمثابة نقد للقضائية التي تراكمت القضايا أمام محاكمها فاضجرت المتقاضين مستعصمًا بالقول إن تأخير العدالة حجب للعدالة. ومن الناحية الأخرى تمسك القضاة، الذين ردوا تأخير العدالة لضآلة المنصرف عليها، بمبدأهم أن العدالة المستعجلة مثل الظلم سواء بسواء.

وبإعلان الرئيس للشريعة، أحال القضائية القديمة للاستيداع وأنشأ قضائية جديدة تحررت بزعمه من الاستعمار تسرع محاكمها الناجزة بالأحكام لبسط عدل الشريعة بواسطة قضاة عدول لا مجرد قضاة، فأصدرت بدأً من سبتمبر 1983 عدة قوانين غطت الجنايات والمعاملات والإثبات وأصول التقاضي والزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقانون القوات المسلحة وقانون المرور.

وصفها مؤيدوها بأنها “قوانين الشريعة الإسلامية” ومعارضوها بقوانين “سبتمبر” نفياً لارتباطها بالاسلام أو الشريعة.

من المفارقات أن انقلاب مايو (1969-1985) الذي أعلن في بدايته أن أحد مبرراته هو إيقاف مؤامرة الدستور الإسلامي قد انتهى به المطاف في عام 1983، بإعلان تطبيق الشريعة الإسلامية (عبر ما عُرف بقوانين سبتمبر). وقد كان إلغاء قوانين سبتمبر 1983، أحد المطالب الرئيسية لانتفاضة إبريل 1985، وظل واحدًا من أهم محاور الصراع السياسي طيلة فترة الديمقراطية الثالثة (1985-1989)، وشرطًا أساسيًا من شروط الوصول إلى تسوية سلمية للحرب الأهلية التي الدائرة منذ 1983. ولم يكن انقلاب 1989، معزولاً عن ذلك الصراع. إذا أن أحد الدوافع الأساسية لقيامه هو أن الحكومة الديمقراطية كانت على وشك الوصول إلى تسوية سلمية على أساس إلغاء قوانين سبتمبر. وقد أوقف الانقلاب تنفيذ ذلك الاتفاق وأعاد التأكيد على عقوبات الحدود بسنه لقانون العقوبات لسنة 1990.
إن موضوع الإصلاح والتجديد والاجتهاد، ظل محل إهتمام منذ عصر الخلافة الراشدة وإلى يومنا هذا، فالقضايا التي استجدت في حياة الناس أوجبت البحث عن حلول تستنبط من المصادر الشرعية للتعامل بها، صحيح أن الموضوع يتقدم حينًا ويتراجع أحيانًا، ولكنه لم يغب عن بال أهل الشأن من العلماء الذين يرجع إليهم عامة المسلمين، لمعرفة حكم الشرع في القضايا التي تواجههم، “على الرغم من شيوع فكرة إغلاق باب الاجتهاد في أواخر القرن الرابع الهجري ومابعده إلى عصرنا الحاضر، بين أهل السنة، من الناحية النظرية”.

ودوافع الاجتهاد تتلخص في الحوادث التي تواجه المسلم فيسأل عنها المجتهدين، أو المتعلقة بالكليات الخمس، مع الموازنة بين الطرق الخاصة بالاجتهاد التي تسع المجتهدين لتحقيق الغرض من مشروعية الاجتهاد، وهو إيجاد الحلول الشرعية على ضوء الأدلة من الكتاب والسنة ومقاصد الشريعة الإسلامية.

الاتجاه الذي يدعو إلى الاجتهاد والإصلاح والتجديد في العالم العربي والإسلامي صار غالبًا بل ملحًا لدي عدد من العلماء الذين يعتد برأيهم، والضرورة بالغة في حياة الأمة إلى وجود العلماء المجتهدين، الذين جمعوا من علم المعقول والمنقول ما يجلي لهم خفايا الأمور، ويبصرهم بحكم الأحكام وعلل التشريع ومقاصد الشرع حتى ينزلوا كل أمر منزله، ويعطى كل حادث حكمه.

إلا انه مع بروز الحديث عن أهمية الاجتهاد وضرورته إلا أن الجهود المبذولة لتجديد أصول الفقه ظلت محدودة، ومع محدوديتها، فإنها تتناول الموضوع على استحياء.

… فهل السودان ما زال يتذكر ذلك أم أن الواقع صعب؟.. والأنظمة غير مستعدة لذلك.. والمحيط ملتهب.. والقادم مجهول.. وتبقى الشريعة الاسلامية في الدستور السوداني فريسة بين المصلحين وواضعي العراقيل الدستورية.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

مشكلة الأقليات الإثنية في وطننا العربي

بقلم: صبحي غندور — هناك محاولات مختلفة الأوجه، ومتعددة المصادر والأساليب، لتشويه معنى الهوية العربية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *