الأربعاء , نوفمبر 22 2017
الرئيسية / آراء / لعبة الشطرنج الأميركية في المنطقة

لعبة الشطرنج الأميركية في المنطقة

بقلم: عبد الله أحمد* — في مرحلة اشتداد الصراع العالمي وفي سباق القوى الكبرى الى الهيمنة على المنطقة، تتسع رقعة الشطرنج ويصبح التنبؤ بالخطوات التالية صعباً لمن لم يحترف اللعب بعد. فلكل حركة حساباتها ولا بد من رؤية شاملة كي نرى المشهد، فمحدودية النظر تؤدي الى استنتاجات خاطئة.
وكي لا نقع في الفخ علينا أن نفرّق ما بين السياسات الموجهة للرأي العام والأخرى التي تنسجم مع المبادى والاهداف الاستراتيجية للدول الفاعلة في الصراع.
المشهد معقد، ومحاور اللعب كثيرة والولايات المتحدة الأميركية تدرك أن الشرق الأوسط هو متاهة ولا بد من الحكمة والذكاء في التعامل والتفاوض للخروج من هذه المتاهة كما يصفها الباحث الأميركي مايكل دوران.
والذكاء والحكمة هذان يعنيان الخداع والتضليل أيضاً. في سورية يفقد الأميركي القدرة على تغيير مجرى الحرب، فالجيش السوري وحلفاؤه في الطور الأخير لإسقاط جيش المحافظين الجدد “داعش” ومحاولات الإنعاش الأميركية لداعش غير مجدية والسقوط حتمي. وهذا ما يدركه الأميركي ويجعله ينتقل الى الخطة البديلة، أي ورقة الكرد، في محاولة إحياء لمشروع الشرق الأوسط الجديد في سورية والعراق.
النزعات القومية والإثنية والدينية وإشعال حرب ما بين العرب والكرد هو الرهان الأميركي الجديد القديم في المنطقة، ليعيد اللعب من جديد الى رقعة الشطرنج الإقليمية من العراق، فالمحاصصة والنزعات الطائفية والعرقية التي أسس لها الحاكم العسكري الأميركي للعراق بول بريمر هي محور الاستراتجية الأميركية في المنطقة، من أجل استمرار الصراع ومنع العراق من أن يصبح رقماً صعباً ولاعباً أساسياً في محور المقاومة، ومدخلاً في حرب واشنطن المعلنة ضد ايران.

قد يقول البعض إن هناك متغيرات كثيرة، واستدارة في المواقف وبالأخص الموقف التركي وتغيّراً في الموقف السعودي، وفي الحراك الدبلوماسي الذي تشهد المنطقة، وأن زيارة رجب طيب اردغان الى طهران وزيارة الملك السعودي سلمان الى موسكو تشيان بذلك!.
إلا أن واقع الأمر مختلف جداً، وهنا لا بد من طرح مجموعة من الأسئلة الإشكالية: هل يمكن لتركيا ان تنسحب من المحور الامريكي والناتو ببساطة؟ وهل تنسجم توجهاتها وعقيدتها الاستراتيجية مع محور المقاومة وروسيا؟ وأين الولايات المتحدة التي تتدخل في التفاصيل الداخلية لتركيا من ذلك؟
ليس من الصعب الاستنتاج أن ذلك غير ممكن، إلا إذا امتلكت تركيا الإرادة والقدرة على إعادة التموضع، وكانت قادرة على دفع الثمن الذي سيؤدي الى إعادة ترتيب النظام العالمي من جديد. وهذا غير ممكن حالياً أو في المدى القصير كون الإدارة التركية الحالية ما هي إلا أداة في يد الولايات المتحدة الأميركية.
الأمر نفسه ينطبق على السعودية الغارقة في الرمال اليمنية وفي الأزمات الداخلية والتي تنذر بالإنزلاق الى الحاوية، وزيارة الملك السعودي لموسكو التي فسّرها البعض بأنها “استراتيجية وتاريخية” مبالغ فيها، كون هذه الزيارة تحمل متناقضات يمكن أن تفسر الحالة الضبابية وعدم اليقين في العلاقات الدولية، كنتيجة للتراجع الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، في ظل محاولة السعودية استمالة الروس لإخراجها من المستنقع اليمني والتأثير على علاقة موسكو بطهران، والاستعانة بموسكو من أجل حفظ ماء الوجه بعد فشل الرهان الأميركي السعودي في سورية.
في المقابل يراهن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على إحداث تغير في مقاربة السعودية لأزمات المنطقة من خلال الصفقات العسكرية والاقتصادية، بما في ذلك صفقة صواريخ “اس 400” بشكل مماثل لرهان الرئيس الأميركي السابق آيزنهاور مع مصر “جمال عبد الناصر” في خمسينيات القرن الماضي عندما عرض على مصر صفقات أسلحة ومساعدات من أجل تمويل السد العالي. إلا أن هذا الرهان محتوم بالفشل نظراً لواقع العلاقات والارتباط العضوي ما بين النظام السعودي وواشنطن.
ترامب يقرع طبوب الحرب، فالولايات المتحدة لم تسلم بالهزيمة بعد، على الرغم من فشل مشاريعها في سورية والعراق، ومن هنا نرى التصعيد الأميركي ضد إيران من خلال التلويح بالانسحاب من الاتفاق النووي، إضافة الى تحريك ورقة الكرد في سورية والعراق والاستمرار في استثمار بقايا “داعش” في المنطقة.
من الواضح أن التصعيد والوصول الى حافة الهاوية أو الانتقال من الحرب الناعمة الى التدخل العسكري هو عنوان المرحلة القادمة.
تبادل الادوار ومحاولات التضليل لا تغيّر من الواقع بشيء، فالصراع مستمر ولا بد من التصدي للمشاريع الغربية وللمناورات التركية في الشمال السوري، بالتزامن مع تطهير المناطق الشرقية من “داعش”. فتركيا تراهن على السير في الأرض الملغمة. إلا أنها ستعيد النظر في سياستها عندما تفقد أحد أطرافها..
التسويات الكبرى تحتاج الى مؤتمرات للدول الفاعلة في الصراعات الدولية والإقليمية. أما القمم الثنائية والتفاهمات المحدودة فلا يمكن أن تفسّر إلا في إطار تجميع النقاط في ظل الحرب المفتوحة من أجل الوصول الى عالم جديد مختلف عن ما عهدناه سابقاً.

*كاتب سوري.

المقالة تعبّر عن رأي كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

تيريزا ماي الأكثر إسرائيلية.. أم العرب الأقلّ عروبة؟

بقلم: د. عادل مجمد عايش الأسطل* — يُعتبر وعد بلفور “آرثر بلفور” – وزير خارجية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *