الأربعاء , نوفمبر 22 2017
الرئيسية / تحقيقات / المجتمع المدني والانتقال الديمقراطي في البلدان العربية
ندوة المجتمع المدني والانتقال الديمقراطي في البلدان العربية

المجتمع المدني والانتقال الديمقراطي في البلدان العربية

تونس – تقرير: د.محمـد عبدالرحمن عريـف* — 

  أختتمت في تونس في فرع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الندوة العلمية الدولية التي نظمها تحت عنوان: “المجتمع المدني والانتقال الديمقراطي، تجارب مقارنة” خلال أيام 12 و13 و14 أكتوبر/ تشرين الأول 2017. الندوة تناولت مسائل تهم دور وواقع المجتمعات المدنية في البلدان العربية، وعلاقتها بتجارب التحول الديمقراطي في عدد منها. والتحولات الديمقراطية التي هي رهينة حاضنة اجتماعية ودعم المجتمعات المدنية، وانخرطت في جملة من السياقات، منها ما أتاحته التحولات الديمقراطية في موجاتها السابقة أو الحالية في أكثر من بلاد، رغم تعثرها أحيانًا، فرصة ثمينة للنخب السياسية والفكرية لاكتشاف وإعادة اكتشاف المجتمع المدني. وقد تم ذلك من خلال الإطلاع على ملامحه الجديدة وغير المسبوقة والتعرف على فاعلين جدد وفدوا إليه من مسالك ومسارات مختلفة أدّوا وظائف وأدوارًا غير مألوفة (منظمات، جمعيات، منتديات…). كما أبانت هذه التحولات عن إنهاء حالة الاحتكار للحقل السياسي، الأمر الذي مكّن المجتمع المدني من لعب أدوار مهمة سياسيًا، كانت مصدر إرباك للدولة وللأنظمة السياسية في آن واحد.

  مهما كان الاختلاف حول تقييم أداء المجتمع المدني في بلدان مثل تونس وليبيا والمغرب ومصر وسوريا واليمن… وتباين وجهات النظر حول عقلانية المطالب المرفوعة والممارسات المستحدثة مع قيم الديمقراطية، فقد تمكن المجتمع المدني في كل ذلك من ابتكار أشكال مستحدثة من الإحتجاج والضغط والمشاركة  في صناعة القرار السياسي إلى حد فرض خياراته في أكثر من حالة.

  لقد كشفت إدارة مرحلة الانتقال الديموقراطي في تلك البلدان نشأة علاقات جديدة بين الدولة والمجتمع المدني يعاد فيها رسم الفضاءات والأحيزة و قواعد اللعبة، كما أثارت جملة من القضايا المجتمعية والنظرية التي ستحاول هذه الندوة فهمها وتحليلها من خلال أربعة محاور رئيسية:

المحور الأول: إشكالية المفهوم والمعنى. رغم التراكم النظري ومركزية حضوره في الفلسفة السياسية والعلوم الاجتماعية والسياسية وفي الأدب السياسي الحديث والمعاصر، ظل المجتمع المدني مفهومًا جداليًا غائمًا ومنفلتًا عمقت كثافة استعمالاته طابعه الإشكالي، وحولته الى مفهوم “جراب” يتسع لكل شئ ويتمطط ويُستعمل كيفما اتفق دون ضوابط منهجية. لعلّه من المفيد الانتباه النقدي إلى ذلك والسعي إلى تحديد تحولاته وديناميته المفهومية في علاقته بمفاهيم اخرى كمفهوم الحزب أو الطبقة السياسية أو النخبة، خاصة إذا اعتبرناه مفهومًا محوريًا للتفكير في مراحل الانتقال الديمقراطي. وهذا من شأنه أن يتطلب مساءلة أبعاده الاجرائية ورهاناته التعريفية وجدواه المفهومية، وخصوبته التحليلية والبحث في استتباعات “توطينه” في بيئة المنطقة العربية والتي فيها  تتكثف الخصائص الثقافية والانتروبولوجية (الوجهاء المحليون، والفضاءات، والمكانات الاجتماعية التقليدية) الفاعلة والمؤثرة.

   لعل ما يدفع أكثر لتجديد البحث في مفهوم المجتمع المدني وإشكاليات استعماله وقدراته الإجرائية هو تجاوز الثنائية المبسطة: المجتمع المدني/ الدولة، ومرور الدولة الراعية أو دولة الرّفاه بسلسلة من الأزمات، وتنامي أشكال جديدة من الاحتجاجات، وتصاعد دور تكنولوجيات التواصل الحديثة في الحشد والتعبئة، وأزمة الاعتراف والشرعية المتبادلة بين الدولة وبقية الفاعلين الاجتماعيين فضلًا عن التمظهرات الجديدة للروابط بين الفرد والمجتمع.

المحور الثاني: المجتمع المدني، الأدوار، الوظائف والانتقال الديمقراطي. سعى هذا المحور إلى مزيد تسليط الضوء على الأدوار والوظائف التي يؤديها المجتمع المدني في مراحل الانتقال الديمقراطي التي تتسم عادة بالتعقيد وتعدد المسارات وتباين المآلات. بعد “الربيع العربي” تغير المشهد المدني العام ببروز بوادر “انفتاح” سياسي بإدماج أطر دستورية وتأكيد علوية القانون. وقد يسرت تلك البوادر بظهور حاجيات جديدة مثل حماية الحريات والحقوق الجماعية والفردية، فتوسعت منظومة المشاركة الاجتماعية والسياسية وتصاعدت المطالب المنادية بتغيير قواعد ممارسة السلطة. كما أفضت إلى تبلور تعبيرات مدنية متنوعة فتغيرت العلاقة بالسلطة، وبكيفية إدارة الشأن العام والتعاطي مع الروابط الاجتماعية الجديدة، في  ظل وجود شبكات المصالح ودوائر المناصرة التي تشكلت. يضاف إلى ذلك تنامي الاحتجاجات المواطنة خارج الأطر السياسية التقليدية للديمقراطية التي اتخذت من الشارع والساحات العامة ووسائل الإعلام التقليدي وشبكات التواصل الاجتماعي الحديثة فضاء لها. كل هذه المؤشرات تستدعي إعادة النظر في جغرافية الأدوار والوظائف التي يؤمنها المجتمع المدني عمومًا، بين تدعيم تماسك الفئات الاجتماعية أو تذكية التوترات بينها، والتفاوض بصيغ مختلفة حول توفير الشروط الضرورية لتأسيس الممارسة الديمقراطية وتأكيد قيمها وتجديد ممارستها، وذلك في مراحل الانتقال الديمقراطي بشكل خاص.

   لقد انفتح مفهوم الديمقراطية على مسائل مفهومية متفرعة عنها كالديمقراطية التشاركية والديمقراطية المحلية والحوكمة وقضايا التفاوت واللامساواة والفساد وأدوار الرقابة وإدارة الصراعات واستراتيجيات الدفاع عن المصالح ونشأة مجموعات الضغط وأشكال جديدة للفعل المواطني. فكان أن برزت صعوبات في ضبط أدوار المجتمع المدني ووظائفه خصوصًا مع أزمة تكلس التصور والابتكار السياسي (في الأحزاب وفي المؤسسات المنتخبة) وطريقة ممارسة الفعل السياسي، وكيفية انخراطه في وظائف ثقافية واجتماعية وتنموية.

  يبدو هذا الأمر وكأنه “افتكاك” للوظائف التقليدية أو تقليص منها على حساب الدولة ولصالح منظمات   المجتمع المدني. فهذه الأخير ة بصدد فرض نفسها كفاعل سياسي شرعي يؤثر في السياسات العمومية ويضغط عليها عبر قدراته التعبوية خاصة أثناء إدارة الانتقال السياسي والتوجه نحو إرساء التعددية وتأصيل المطلب الديمقراطي وما يثير ذلك من رهانات على مستوى الشرعية السياسية. ألا يشكل تنامي الحراك المواطني خارج الأطر المؤسساتية التقليدية في الشارع والساحات العامة والفضاء الافتراضي خطرًا على “تماسك المجتمع” وعلى سيادة الدولة؟. هل يستقيم حال ديمقراطية قائمة على التمثيل والانتخاب بإضعاف دور النخب والأحزاب السياسية وتعويضها بفاعلين مدنيين؟.

المحور الثالث: المجتمع المدني، البيئة التشريعية، والقيم السياسية. حيث سمحت التحولات السياسية الجارية حاليًا بنشأة بيئة مناسبة لنمو المجتمع المدني وتطوره من خلال تيسير إنشاء الجمعيات وتوسيع دائرة الحريات العامة. ومع ذلك يبقى السؤال قائمًا حول علاقة المواطنة والسياسة بالحق والقانون، وهو كالتالي: ماهي خرائط الثقافة السياسية المواطنية الجديدة؟. وهل تسعى الأحزاب إلى الهيمنة على منظمات المجتمع المدني، وهل أنها ترى فيها امتدادًا فضائيًا لنشاطها وحقلًا لنشر ايديولوجيتها؟. كيف تتفاعل منظمات المجتمع المدني مع البنى الاجتماعية التقليدية (عشائر وقبائل وعروش وطرق…)؟. هل هناك تعارض في المصالح أم تبادل في الأدوار أم استراتيجيات للتعايش؟. هل تخترق علاقات القرابة والروابط الجهوية والمصالح الفئوية منظمات المجتمع المدني، وهل تؤثر في نوع المطالب وأشكال الاحتجاج؟. هل قطعت هذه المنظمات مع زبونية الإدارة والتسيير والولاءات والتكتلات الفئوية؟. هل أن المجتمع المدني كيان موحّد أم هو مجموعات وهياكل وجمعيات متناثرة، يحكمها منطق التوازنات ومراكز المصالح ومجموعات الضغط، وتشابك المحلي والجهوي والوطني؟. ألا تستدعي والحال هذه، تشخيص “تفاصيل” الانتقال الديمقراطي والسلوك المدني، ومساءلته عن طريق دراسة حالات معينة من الجمعيات والمنظمات وفحص تغير شبكاتها وخطاباتها وأنماط أنشطتها وممارساتها؟. هل استطاعت هذه الجمعيات والمنظمات أن تقدم صورة جاذبة تغري بالانضمام إليها في ظلّ تسجيل حالات محيّرة من العزوف عن الشأن العام في أوساط عديدة أهمها أوساط الشباب؟. هل تمكن المجتمع المدني من صياغة فعل اجتماعي يسمح للمواطن بتمثل علاقة جديدة مع محيطه السياسي وتمثل فعله المدني وعلاقته بالشأن العام؟. هل للمجتمع المدني دور اجتماعي في نشر القيم الأخلاقية والتربوية من خلال إشاعة روح التسامح والشفافية وقبول المحاسبة والقبول بالرأي الآخر والالتزام بأخلاقيات الحوار؟. ما مدى إسهام الثقافة المدنية في نشر وإشاعة ونقل قيم التغيير والمشاركة والتداول؟.

المحور الرابع: المجتمع المدني والنوع الاجتماعي. فلقد مكن الانتقال الديمقراطي من خلق ديناميات سياسية نسوية متنوعة ومكثفة  لعبت فيها المرأة أدوارًا رئيسية مختلفة. فقد فتح الحراك السياسي آفاقًا جديدة أمام تمكين المرأة من مشاركة أكبر عبر الدسترة وبقية المجهودات التشريعية. ولنا أن نتساءل: هل تمكنت التحولات السياسية من فتح مجالات فعل جندري يؤصل لمكانة المرأة كفاعل كامل الحقوق؟ هل تمكن من القطع مع الصور النمطية التي تنتقص من الدور السياسي والمدني للمرأة إذا ما استثنينا حجمها التصويتي؟. وهل كشفت الحركية المدنية والسياسية وحتى الدستورية عن جيوب ممانعة  تحصنت بها الثقافة الابوية/ الذكورية التي قد تكون مهيمنة حتى داخل منظمات المجتمع المدني؟ كيف يمكن أن نقطع  مع الرهان السياسي الفج على القضايا أو توظيفها للتسويق وحشد الأصوات؟ وهل من مقاربات مبتكرة تنمي مشاركة أكثر عمق وفاعلية للمرأة في المجتمع المدني؟.

… لقد وضع هذه الندوة العلمية جملة من الأسئلة التي بالإجابة عنها نكون قد فتحنا منفذًا هامًا لفهم جملة التحولات الاجتماعية التي تمر بها مجتمعاتنا العربية. ذلك ما يفترض، منهجيًا، مقاربات متعددة الاختصاصات تتخذ من المجتمع المدني والانتقال الديمقراطي موضوعًا  للدراسة الميدانية والبحث والتحليل.

  لقد بات دور المجتمعات المدنية في التوازن الاجتماعي وفي الإستقرار المجتمعي والسياسي مطروحًا بقوة في النظريات السياسية المعاصرة، وعلى وجه الخصوص منذ انحسار دور الأيديولوجيات. حيث يُعتبر تجميع تلك الفئات من خلال هيئات رسمية وتشجيعها على الانخراط في العمل السياسي، الخطوة الأولى تجاه إعادة الاعتبار للطبقة الوسطى التي يتحدث عنها كثيرون، لكنهم يعزفون عن تحديد ماهيتها. كذلك سيؤسس تأمين ظروف العمل اللائق والحماية الاجتماعية اللازمة لنمط جديد من العلاقات بين أصحاب العمل والعمال والدولة والمجتمع. وبهذه الطريقة يؤسَّس لإعادة بناء الفئات التي تشكل عماد المجتمع وتشكّل أساسًا للاستقرار وتفتح نوافذ التغيير.

د.محمـد عبدالـرحمـن عريـف.. كاتب وباحــث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

تعرّف على أقوى نساء العالم لعام 2017

صنفت مجلة “فوربس” المرموقة قائمة النساء الأكثر تأثيرا في العالم وما زالت المستشارة الألمانية رائدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *