الإثنين , نوفمبر 20 2017
الرئيسية / مقالات / في النصاب القانوني لانتخاب رئيس الجمهوريّة

في النصاب القانوني لانتخاب رئيس الجمهوريّة

بقلم: رامي صادق * — رغم وجود نصّ دستوري بالغ الوضوح، نشأ أخيراً خلاف على كيفية احتساب الغالبية المطلوبة لانتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية، وعلى النصاب القانوني لجلسة الانتخاب. حتى إنّ بعض السياسيّين، يحاولون الإيحاء للناس، بأن هذه «المعضلة» عصيّة على الفهم، وبأنّها تحتاج إلى فقهاء وجهابذة في القانون والدستور. والواقع أن العديد من السياسيّين الذين يظهرون في وسائل الإعلام، لا يعلمون كيف يدافعون عن موقفهم إزاء هذا الخلاف. فالنائب وليد جنبلاط مثلاً، بدا أخيراً في برنامج حواري سياسي أنه لا يعرف الفرق بين المادة 49 والمادة 73 من الدستور اللبناني. الواقع هو أنّه بقليل من التوضيح، يمكن المواطن أن يطّلع وأن يحكم على صحّة ما يدلي به كل فريق في تفسير المادة 49 من الدستور اللبناني.
تنص هذه المادة على أنه: «…يُنتَخَب رئيس الجمهورية بالاقتراع السرّي، بغالبية الثلثين، من مجلس النواب، في الدورة الأولى. ويُكتَفى بالغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي».
إن الخلاف بين فريقي المعارضة والسلطة يدور حول نقطتين:
النقطة الأولى تتعلّق بالغالبية المطلوبة لانتخاب الرئيس، هل تُحتَسَب من مجموع الأصوات المُدلَى بها، أم من مجموع أعضاء المجلس النيابي؟
والنقطة الثانية تتعلّق بالعدد الأدنى من النواب الذين يجب أن يحضروا جلسة الانتخاب لتكون هذه الجلسة قانونية، وهذا هو ما يُعرَف بالنصاب القانوني للجلسة.
والملاحَظ في هذا الصدد، أنّ حسم الخلاف حول النقطة الأولى يؤدّي حكماً إلى حسمه الثانية، ذلك أنّ احتساب غالبية الثلثين على أساس مجموع أعضاء المجلس، يؤدّي حكماً إلى أنّ نصاب الجلسة لا يمكن أن يكون أقلّ من ثلثي هذا المجموع. كما أنّ احتساب غالبية الثلثين على أساس مجموع الأصوات المُدلى بها، يؤدّي إلى احتمال أن يكون النصاب المطلوب النصف زائداً واحداً، أو حتى بمن حضر كما يفتي بعض أهل السلطة.
من الملاحظ أنها المرة الأولى في تاريخ لبنان التي ينشأ فيها خلاف على هذه المسألة، ذلك أنّه كان متعارفاً طوال تاريخ الجمهورية اللبنانية، أنّ نصاب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية هو ثلثا مجموع أعضاء المجلس، وأن الغالبية المطلوبة لانتخابه هي ثلثا مجموع أعضاء المجلس في الدورة الأولى، والغالبية المطلقة من مجموعه في الدورات التي تلي.
إلا أنّ الواقع السياسي في هذه المرحلة، استوجب ابتكار تفسير جديد للمادة 49، وذلك لسببين: الأول يعود إلى أنّ فريق السلطة لا يتمتّع بغالبية الثلثين المطلوبة من أجل إكمال نصاب جلسة الانتخاب، ولا بدّ له من تفسير للدستور يتيح له انتخاب بالغالبية التي يتمتّع بها، وهي الغالبية المطلقة، أي النصف زائداً واحداً. والسبب الثاني لأنّ الأطراف الخارجيية التي تساند فريق السلطة، لها مصلحة في تعميق الشرخ بين اللبنانيين في موضوع لم يكن خلافياً بينهم طوال تاريخ جمهوريتهم.
وعلى ذلك، وضع جهابذة القانون لدى فريق السلطة، علامة استفهام على المقصود من عبارة «مجلس النواب» الواردة في المادة 49 المفصّلة أعلاه؛ هل المقصود هو من حضر من أعضاء المجلس، أم مجلس النواب كهيئة تشريعية لها نصاب محدّد هو النصف زائداً واحداً، أم كل أعضاء مجلس النواب؟
إن بعض أطراف فريق السلطة يغالون في التفسير، ويقولون إنه يمكن انتخاب رئيس الجمهورية بمن حضر، إلا أن هذا القول يخالف صراحة المادة 34 من الدستور التي تنصّ على أنّه «لا يكون اجتماع المجلس قانونياً، ما لم تحضره الأكثرية من الأعضاء الذين يؤلفونه(…)». أي إنّ اجتماع المجلس لا يكون قانونياً، إلّا بحضور نصف عدد الأعضاء زائداً واحداً.
وأمّا البعض الآخر من فريق السلطة، فإنه لا يزال يفسّر عبارة «مجلس النواب» على أساس أنها تعني المجلس الذي يجتمع كهيئة تشريعية، وأن غالبية الثلثين تؤخَذ من مجموع الأصوات، لا من مجموع الأعضاء. في هذه الحالة، فإنّ النصاب المطلوب، هو ما تنصّ عليه المادة 34 من الدستور، أي الأكثرية من الأعضاء الذين يؤلّفون المجلس قانونياً، وهي النصف زائداً واحداً. والتطبيق العملي لهذا التفسير هو أنه يكفي حضور 65 نائباً من أصل 128، ليكون النصاب قانونياً، ثمّ يمكن انتخاب الرئيس في الدورة الأولى بغالبية الثلثين من الأصوات وبالغالبية المطلقة من الأصوات في الدورات التي تلي.
واللافت للانتباه في هذا التفسير، هو أنّه ابتكار مستحدَث لا يستند لا إلى المنطق ولا إلى سابقة ولا إلى أي أصل قانوني أو اجتهادي، كما أنّه يتناقض مع المناقشات الحاصلة في هذا الشأن لدى إعداد الدستور اللبناني عام 1926.
من غير المعقول أن يأتي النص على غالبية موصوفة بالثلثين من الأصوات، وفي الوقت نفسه يكون نصاب الجلسة نصاباً عادياً، ذلك أنّه عندما يحدّد النص القانوني غالبية موصوفة، فتكون مطلوبة نظراً لأهمية الموضوع الذي تتعلّق به، وبالتالي فإنّه من غير المعقول أن يكون المشرّع قد أعطى أهمية للغالبيّة المطلوبة أكثر من الأهمية التي يجب أن تُعطى لعدد الأعضاء الذين يجب أن يكونوا حاضرين للانتخاب.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الأخذ بتفسير السلطة الحالية، يُستنتَج منه أنه يمكن أن يحصل انتخاب رئيس بثلثي الأصوات من أصل 65، أي بـ44 صوتاً، وإلّا فبالغالبية المطلقة، أي بـ33 صوتاً، وهذا يتناقض أيضاً مع أهمية الموضوع الذي يفترض أن يكون شأناً وطنياً، يشعر معه غالبية المواطنين، بأن رئيسهم لم يأتِ بقرار فئة قليلة من النواب.
ولجهة السوابق، فإن من الثابت أنّه لم يسبق أن حصل انتخاب أي رئيس للجمهورية في لبنان إلا بالثلثين، كما فصَّل الرئيس نبيه بري في مقابلة تلفزيونية أخيرة. حتى إنّ من المعروف أنّه من أجل التمكّن من انتخاب بشير الجميل عام 1982، حصلت مداخلات كبيرة لتأمين نصاب الثلثين، كما حصلت تهديدات كبيرة كان بطلها سمير جعجع لأجل تعطيل نصاب الثلثين في الجلسة التي كانت ستنعقد في قصر منصور لانتخاب سليمان فرنجية خلفاً لأمين الجميل.
وإذا ما تجاوزنا المنطق والسوابق والمناقشات الآنفة الذكر، فإنّه قد يكون من المناسب العودة إلى أصل نصّ المادة 49 من الدستور، وهو النص الفرنسي لدستور لبنان الموضوع في 23 أيار من عام 1926، وهنا حرفية النص:
le président de la République est élu au scrutin secret à la majorité des deux tiers des suffrages, par le Sénat et la Chambre des Députés réunis en congrès. Après le premier tour de scrutin, la majorité suffit».
إن الترجمة الحرفية لهذا النص هي كما يلي:
«إن رئيس الجمهوية يُنتَخَب بالاقتراع السري وبغالبية ثلثي الأصوات، في مجلس الشيوخ ومجلس النواب ملتئمين في مؤتمر. بعد الدورة الأولى من الاقتراع يُكتفى بالغالبية المطلقة».
لا بدّ من الملاحظة أنه لجهة غالبية الثلثين، فهي بصراحة النص، غالبية تؤخَذ من مجلس الشيوخ ومجلس النواب مجتمعين في مؤتمر. ولا شكّ في أن المشرّع الدستوري كان يفترض انعقاد مؤتمر يضمّ جميع أعضاء المجلسين لأجل انتخاب الرئيس. وعلى هذا الأساس، فإنّه لا يمكن أي عاقل أن يشكّ، في أنّ الغالبية المطلوبة هي غالبية الثلثين من مجموع أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب معاً.
وبالعودة إلى أصل النص أيضاً، وما دامت جلسة الانتخاب واحدة على عدّة دورات، فإن نصاب الثلثين يبقى مطلوباً في الدورة الأولى كما في الدورات التي تلي.
يضاف إلى ذلك، أنه قد يكون من المناسب العودة إلى الدستور الفرنسي للجمهورية الثالثة الموضوع في 25 شباط من عام 1875، الذي استُمدَّت منه أحكام عديدة من دستورنا.
وتنصّ المادة الثانية منه على الآتي:
Le président de la République est élu à la majorité absolue des suffrages par le Sénat et par la Chambre des Députés réunis en Assemblée nationale
والترجمة الحرفية لهذا النص هي كما يلي:
«إن رئيس الجمهورية ينتخب بالغالبية المطلقة للأصوات في مجلس الشيوخ ومجلس النواب ملتئمين في جمعية وطنية».
بداية لا بد من توضيح أن عبارة «جمعية Assemblée» تعني في الفرنسية:
«Ensemble des personnes qui forment un corps constitué» . والترجمة العربية هي: «مجموع الأشخاص الذين يؤلفون مؤسّسة ما».
يُستخلَص من النص أن دستور الجمهورية الثالثة في فرنسا شدّد على أنّ الغالبية المطلوبة تؤخَذ من مجموع أعضاء مجلس الشيوخ ومجلس النواب مجتمعين، وأنه لأجل انتخاب الرئيس، كان يفترض أيضاً (كما هي الحال في دستور لبنان لعام 1926)، أن يلتئم جميع أعضاء المجلسين في جمعية وطنية.
وعندما استُمدّ الدستور اللبناني من دستور الجمهورية الثالثة، فإن الذي تبدّل بين النصّين هو الغالبية المطلوبة، فبدلاً من أن تكون غالبية مطلقة من مجموع أعضاء المجلسين، أصبحت غالبية الثلثين من مجموع أعضاء المجلسين. فإذا كانت الغالبية وفقاً للنص في دستور الجمهورية الثالثة في فرنسا هي الغالبية المطلقة من مجموع الأعضاء، فإنها وفقاً للنص في الدستور اللبناني ثلثا مجموع الأعضاء.
وبناءً على ما تقدّم، فإن عبارة «مجلس النواب» تعني مجموع أعضاء مجلس النواب، وما دامت غالبية الثلثين من هذا المجموع مطلوبة لانتخاب الرئيس، فإن النصاب لا يمكن أن يكون أقل من هذه الغالبية. وينسحب هذا النصاب حتماً على دورات الاقتراع التي تلي، على أساس أنه عند انتخاب الرئيس، يجتمع أعضاء مجلس النواب في جلسة تنعقد كهيئة انتخابية، وتدوم هذه الجلسة عدة دورات حتى التوصل إلى انتخاب رئيس بنصاب الثلثين.
والتطبيق العملي لهذه الحالة، هو أن النصاب المطلوب لانعقاد جلسة الانتخاب، هو على الأقل 86 نائباً من أصل 128، وأن الانتخاب يتم في الدورة الأولى إذا حصل أحد المرشحين على 86 صوتاً على الأقل، ثمّ يُكتفى بالغالبية المطلقة أي 65 صوتاً في الدورات التي تلي.
ووفقاً للنص وللعرف وللمنطق، فإنّ النصاب القانوني لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية هو ثلثا مجموع أعضاء مجلس النواب. وأي انعقاد لهذه الجلسة دون توافر هذا النصاب إنما يكون مخالفاً للدستور ولا مفعول قانونياً له على الإطلاق.

* باحث قانوني

المصدر: جريدة الأخبار

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

فلسطين من جديد إلى أروقة الأمم المتحدة

“شجون عربية”_ د. صبحي غندور* كانت الأمم المتحدة ـ ولا تزال- أشبه بشركة مساهمة لها جمعيتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *