الخميس , ديسمبر 14 2017
الرئيسية / آراء / القضية الفلسطينية وسط آفاق العلاقات العربية الصينية

القضية الفلسطينية وسط آفاق العلاقات العربية الصينية

بقلم: نجاح عبدالله سليمان* — تضرب العلاقات بين الصين والدول العربية جذورها في قديم الزمان، فقبل أكثر من 2000 عام، ارتبط الإقليم العربي بالصين من خلال طريق الحرير الشهير، حيث ازدهرت التجارة بين غرب أسيا والصين. لذلك كان من الطبيعي أن يحدث هذا الارتباط أثرا طيبًا وتراثا نفسيًا يجسد روعة الحضارة الصينية.
ما يدفع الصِّين إلى توجيه الاهتمام بالوطن العربي قِدَمُ العلاقات بين الطرفين التي تمتد إلى القرن الخامس قبل الميلاد، عندما تم فتح طريق الحرير، لتسهيل عملية التبادل التجاري بين الصِّين ودول الشرق الأوسط. وقد أخذت علاقة الأمة العربية بالصين صيغة التعاون التجاري بين العرب والصينيين من خلال القوافل العربية التي كانت تصل إلى الصين القديمة، حاملةً معها مختلف أنواع السلع والبضائع الصينية.
ويسجل التاريخ القديم العديد من الرحلات التجارية البرية والبحرية المتبادلة بين العرب وبلاد الهند والصين.
تنتمي الصين الشعبية -بحكم موقعها الجغرافي- إلى العالم الثالث، وهي الدولة الآسيوية الوحيدة التي تتمتع بصفة العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي. والمتتبع لسياستها حيال الصراع العربي- الإسرائيلي يلحظ بوضوح أنها تقوم على أساس تبادل المصالح وليس على أساس الالتزام بالعقائد، وأن خط سير تلك السياسة متوازن، وهو في أغلب الأحيان يميل إلى “التحفظ والهدوء وتحيُّن الفرص وعدم الانجرار وراء المواقف البرّاقة” والقفزات غير المحسوبة.
وإذا بحثنا في التاريخ الحديث عن علاقات الصِّين الدبلوماسية مع الدول العربية نجد أن هذه العلاقات بدأت عام 1936م، وكان أول قنصل للصين في جدة عام 1939م، وفي مارس/آذار 1942م وقّعت الصِّين اتفاقية صداقة مع العراق، وبعد أكثر من عامين ونصف، وبالتحديد في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 1944م ـ أعلنت الحكومة الصينية اعترافها بسورية ولبنان؟.
ومنذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين أخذ الوطن العربي يحظى باهتمام القيادة الصينية، وهناك من يرجع هذا الاهتمام إلى أربعينيات القرن العشرين، ويعزو ذلك إلى تخوف الصِّين آنذاك من “أن تؤدي هزيمة بريطانيا في الشرق الأوسط إلى سيطرة ألمانيا عليه، وانتصار محور ألمانيا- اليابان الذي سيلتف (في حال حقق الانتصار) لتطويق الصين”.
وبحسب نظرية ماو هذه فإن الوطن العربي يُعدُّ الجزء الأهم في منطقة الشرق الأوسط، ويشكل محوراً في تلك المنطقة “التي تحرص الصين على النشاط فيها أيديولوجياً ومصلحياً من أجل إبعاد شبح القوى العظمى عنها، كما ترى أن هذه المنطقة جزءٌ من العالم الثالث الذي تعتبر نفسها تنتمي إليه…”.
إن العلاقات الصينية-العربية، بدءاً من عام 1949م، تعرضت إلى تقلبات عدة بفعل الصراع العربي- الإسرائيلي، وكان قياس مستوى هذه العلاقات مرتبطاً بمدى قرب الصين أو بعدها عن قضية العرب المركزية، فلسطين. ولكنها -وعلى الرغم من فتورها حيناً ومن تراجعها الحادّ حيناً آخر- بقيت متماسكة، ولم تصل إلى الحد الذي يمكن أن يؤدي إلى القطيعة بين الطرفين. والدارس لتاريخ العلاقات الصينية- العربية يلاحظ أنها لم تكن وليدة طفرة عابرة، بل هي علاقات ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، وهي مرشحة إلى مزيد من التعاون والبناء والمثمر الذي يؤدي إلى تفعيلها، وجعلها أكثر قدرة على مواجهة تحديات العصر، وبخاصة في المجالين: السياسي والاقتصادي، لأهميتها في بلورة الرؤى المستقبلية التي تُحصِّن تلك العلاقات وتُجذِّرُها، ولا سيما أن تاريخ الأمتين: الصينية والعربية تحكمُه قواسم مشتركة، فكلتاهما كانت فريسةً للأطماع الاستعمارية الغربية في مطلع القرن العشرين، وكلتاهما قاومتا تلك الأطماع وانتصرتا عليها.
هنا أحاول عرض للقضية المحورية والمركزية والتى تمثل جوهر الصراع العربي الإسرائيلي، وما هي الأسباب والعوامل التي أثّرت وفرضت نفسها على السياسة الصينية لتكون على هذا النحو؟، فقد تبنّت الصين المواقف الفلسطينية تجاه حل القضية خلال عرضها ومناقشتها في المحافل الدولية وتبلورت رؤيتها في أن جوهر أزمة الشرق الأوسط يتمثل في احتلال إسرائيل للأراضى العربية، وأن أي حل عادل يجب أن يستند على انسحاب إسرائيل من هذه الأراضي وتطبيق قرارات الشرعية الدولية وحق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
بالعودة للعام 1966، وعلى أثر تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، قام رئيس لجنتها التنفيذية أحمد الشقيري بزيارة الصين عام 1966 والتقى بالرئيس ماو تسي تونغ ووزير الخارجية شو ان لاي وغيرهما من القيادة الصينية. اعترفت الصين خلال الزيارة بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني لتصبح أول دولة أجنبية في العالم تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية خارج الإطار العربي. وتم تتويج هذه العلاقة بزيارة عرفات الصين عام 1970م، وتتالت زياراته المتعددة إلى هناك بعد ذلك حتى أن التقديرات تشير إلى أنها تعدت الخمس عشرة زيارة.
ومع انطلاق حقبة السبعينيات بدأت العلاقات الصينية/ الإسرائيلية تأخذ توجهًا إيجابيًا ينهي مرحلة العداء تدريجيًا وينبئ بدخول مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية تحقق أهداف ومصالح الطرفين بعيدًا عن الخلافات السياسية. وفي حقبة الثمانينات تبقى الصين من أوائل الدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية المستقلة. وبعد اندلاع الانتفاضة الأولى عام1987، انعكست تأثيراتها على القضية الفلسطينية، وعلى أثر ذلك عقد المجلس الوطني الفلسطيني دورته التاسعة عشر، في شهر تشرين الثاني نوفمبر 1988م حيث ألقى عرفات وثيقة الاستقلال، وتم إعلان الدولة الفلسطينية المستفلة قي الخامس عشر من الشهر نفسه.
وأعتقد أن الصين تنظر إلى مكانة الوطن العربي من زاويتين: الأولى اقتصادية تقوم على تطوير العلاقات التجارية مع المنطقة، والثانية سياسية ترى في المنطقة العربية أنها منطقة نزاع بين الدول الكبرى، وهي مرشحة دائماً لتصارع هذه الدول عليها، لاعتبارات تتعلق بتضارب المصالح. وبالتالي فإن كسب المنطقة هو كسبٌ لأهم وأكبر سوق تجاري استثماري للبضائع والقوى العاملة والأسلحة وجذب رؤوس الأموال.
بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، ساهمت الصين الشعبية بدعم فلسطين اقتصاديًا حيث قدمت القروض والمنح وبناء المدارس، مما ساعد في تعجيل مسيرة التنمية في مناطق السلطة.
أما على الصعيد السياسي، فقد دعمت الصين القضية الفلسطينية، وذلك من خلال المعركة الأخيرة في الأمم المتحدة، فالصين عضو دائم، وهي دائما تصوّت لمصلحة فلسطين، بحكم الإرث التاريخي والنضال المشترك بين الأمتين العربية والصينية، مما دفع قيادات النضال الفلسطيني في حركة فتح لتخصيص مفوضية خاصة للصين، هي مفوضية العلاقات العربية والصين الشعبية.
لقد فتحت الممثلية الصينية في فلسطين أبوابها أمام الجمهور الفلسطيني، وقدمت العديد من الخدمات، وكان ذلك واضحًا جليًا في التجارة، وذلك بتشجيع الاستيراد من الصين، وفتح الأسواق الصينية أمام التجار الفلسطينيين. إن لمفوضية العلاقات العربية والصين الشعبية دورًا متكاملاً مع دور مفوضية العلاقات الاقتصادية في حركة فتح، تعملان جنباً إلى جنب وفق صيغة إبداعية، تجمع الجهد الحركي والجهد الحكومي، بما يساهم في تقوية الاقتصاد الفلسطيني.
ما يمكن للمتتبع قراءته هو أن المنطقة العربية مرشحة لأن تكون مسرحاً للتحرك الصيني، على اعتبار أن الصين تشكّل أكبر مستقبلِ للاستثمارات في العالم، وأن الاستثمارات العربية في الغرب تقدّر بمئات المليارات، ولما كانت الصين هي الأكثر أمناً للاستثمار، نظراً للاستقرار السياسي والاقتصادي التي تتمتع به، فيتوقع أن تتحول الاستثمارات العربية إليها.

*كاتبة في صحيفة الحياة اللندنية.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

مشكلة الأقليات الإثنية في وطننا العربي

بقلم: صبحي غندور — هناك محاولات مختلفة الأوجه، ومتعددة المصادر والأساليب، لتشويه معنى الهوية العربية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *