الرئيسية / آراء / وداعًا أوسلو وأخواتها

وداعًا أوسلو وأخواتها

نجاح عبدالله سليمان*– محادثات السلام الفلسطينية الإسرائيلية، وهو مصطلح يشير إلى سلسلة من المحادثات بين الكيان الإسرائيلي وممثلين عن الجانب الفلسطيني، وذلك عقب مؤتمر مدريد 1991م، حيث انطلاق ما يسمى مفاوضات عملية السلام، وإن كان الكيان الإسرائيلي قد رفض طرح موضوع حق عودة اللاجئين الفلسطينيين على مائدة المفاوضات, فالفلسطينيين حين يطالبون بحق العودة والتعويض لا يخترعون بدعة أو يطلبون تنازلاً, وإنما يقيمون مطالبتهم على أساس قرار اتخذته الأمم المتحدة ولا تزال تتمسك به, وهو حق كفلته الشرعية الدولية عبر قرار رقم (194)، “والذي يقضي بوجوب السماح للاجئين بالعودة الى ديارهم ودفع التعويضات لمن يختارون عدم العودة, وأن تتم التعويضات عن الخسائر والأضرار التي لحقت بالممتلكات التي يعوض عنها, طبقاً لمبادئ القانون الدولي”, وبالمقابل يقف قانون حق العودة لليهود على رأس القوانين الأساسية الإسرائيلية, وهو قانون صدر في إسرائيل عام 1950 يمنح أي يهودي في العالم حق الهجرة الى فلسطين المحتلة, وأن يصبح مواطنًا اسرائيليًا فور وصوله, والأسباب التي تسوغها إسرائيل لرفض هذا الحق تتعلق بالأمن وما تشكله عودة اللاجئين من خطر على الطابع الديمغرافي لما يُطلقون عليه دولة الشعب اليهودي(اسرائيل).
حاولت مفاوضات أوسلو معالجة العنصر الغائب عن جميع المحادثات السابقة وهو إجراء مباحثات مباشرة بين الإسرائليين والفلسطينيين الذين مثلتهم منظمة التحرير الفلسطينية. تمثلت أهمية هذه المباحثات في التوصل إلى اعتراف نهائي متبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. وجرت المفاوضات في سرية تامة تحت رعاية النرويج ووُقِّع الاتفاق الذي توصل إليه الطرفان في البيت الأبيض يوم 13 سبتمبر/أيلول 1993 في حضور الرئيس الأمريكي، بيل كلينتون. وتصافح كل من ياسر عرفات، وإسحاق رابين.
نص اتفاق أوسلو على انسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل من الضفة الغربية وغزة وإنشاء “سلطة حكم ذاتي فلسطينية مؤقتة” لمرحلة انتقالية تستغرق خمس سنوات على أن تُتوج بتسوية دائمة بناء على القرار رقم 242 والقرار رقم 338. وتحدث الاتفاق عن وضع “حد لعقود من المواجهة والنزاع” وعلى اعتراف كل جانب “بالحقوق الشرعية والسياسية المتبادلة” للجانب الآخر. لكن بالرغم من أن النص على إقامة دولة فلسطينية لم يرد في نص الاتفاق بوضوح، فإن المعنى الضمني يعني إنشاء دولة فلسطينية في المستقبل إلى جانب إسرائيل.
كان ثمة تبادل للرسائل بين ياسر عرفات الذي ذكر أن “منظمة التحرير الفلسطينية تعترف بحق إسرائيل في الوجود بسلام وأمن في حين قال إسحاق رابين “قررت حكومة إسرائيل الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية بصفتها ممثل الشعب الفلسطيني”. كانت المواقف الفلسطينية الرسمية من مسألة اللاجئين عامة ومن حق العودة خاصة تتطور من رفض ما هو دون تنفيذ القرار رقم 194 تنفيذًا كاملاً إلى تكيّف إزاء وجود إسرائيل. ويبقى اتفاق أوسلو عام 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية و”إسرائيل” المنعطف الرئيس في المواقف الفلسطينية الرسمية المتعلقة باللاجئين الفلسطينيين.ولعل أهم ما رشح عن اتفاق أوسلو القبول بقراري مجلس الأمن رقم 242 ورقم 338 أساسًا للمفاوضات المستقبلية مع “إسرائيل”.
يتحدث شفيق الحوت عن توقيع اتفاق أوسلو: بعد أوسلو، انتهت منظمة التحرير حيث لا وجود مادي لها. فياسر عرفات تجاوز هذه المنظمة وغيّر في ميثاقها ثم إن أوسلو نفسها تحدّ من صلاحيات م. ت. ف إلا فيما يتعلق بالتوقيع معها. التمثيل السياسي الذي كان للمنظمة تقلص ليمثل فقط السلطة الفلسطينية وينفذ بنود أوسلو. فممثل الشعب الفلسطيني اليوم لم يعد ينادي بما كانت تنادي به م. ت. ف من شعارات: الحق بالعودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية.
سنوات التهجير والبعد عن الوطن طويلة، ولم تزل الذاكرة الشعبية الفلسطينية ندية بالشوق إلى ربى فلسطين. سنوات من القهر والظلم والحرمان والبؤس والبعد عن نسيم وبيارات فلسطين لم تفلح في طمس ذاكرة أهل فلسطين. تمرّ في أزقة المخيمات فتلمح أن فلسطين ساكنة في الجوانب الحياتية المختلفة لأهلها: في أسماء محالّهم وفي شوارعهم وجدرانهم وأسماء أبنائهم ونواديهم ومدارسهم وأدبهم وكلامهم…. وغير ذلك.
كثيرة هي الإحصاءات التي أثبتت أن اللاجئين الفلسطينيين لم يتنازلوا عن حقوقهم وفي مقدمتها حق العودة إلى فلسطين وأحدث هذه الإحصاءات إحصاء مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات (في 20 أيار/ مايو 2006) حيث كانت نتيجة الاستطلاع: 81.5% متأكدون من عودتهم إلى فلسطين بشكل أو بآخر. 98.3% لا يجدون في التعويض والتوطين في لبنان حلاًّ لقضيتهم، و79.6% لا يقبلون إلاّ العودة إلى بلداتهم وقراهم الأصلية التي أخرجوا منها.
ما نود القول والنشر عنه هنا إلى منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة المنبثقة عنها لماذا تصر على التحكم بمصير الشعب الفلسطيني والرضا باتفاقيات مجحفة؟، كاتفاقية «أوسلو» الظالمة، يليها اتفاقية «باريس الاقتصادية» التي فرضت طوقًا على الفلسطينيين وحاصرتهم بلقمة عيشهم، وعمقت الحصار عليهم، وجعلتهم تحت رحمة المحتل. السلطة تصر على البقاء رغم أنها لا تملك من اسمها شيئًا بفعل ضربات المحتل المتتالية عليها ونسفه لكل مبررات وجودها .
الواقع أن «السلطة» بنيت وترعرعت على أساسات واهنة، ضعيفة، قوامها التنازل وجعل ما تبقى من فلسطين مناطق وكانتونات تابعة للكيان في كل المجالات، إلا أنها لم تستدرك إلى اليوم ذلك ولم ترفع صوتها عاليًا وتتراجع عما وقعت عليه، في ظل تفلت الاحتلال من كل التزاماته، ورفضه مبدأ النقاش على حقوق الشعب الأساسية، كالقدس، والأراضي المصادرة، وحل المستوطنات القائمة في الضفة، ووقف شلال الدماء النازف جراء عدوانه. بل السلطة تنسق بشكل يومي دون توقف، وتقوم بالتزاماتها كاملة بناء على «أوسلو».
نحن أمام أنقاض انتفاضة فلسطينية، ثم شهدت خلال مدة وجودها انتفاضتين، إحداهما قائمة اليوم ضد غطرسة المحتل، إضافة إلى شهودها حروبًا عدة على قطاع غزة ارتقى خلالها آلاف الشهداء، كما أن خلال وجودها زادت المصادرات للأراضي، وبني الجدار، وحوصر الأقصى وقسم زمانيًا ومكانيًا، وأغلقت المعابر، وزاد الاقتصاد الفلسطيني سوءاً، في المقابل فإن السلطة لم تتبن أي موقف جاد لمواجهة ذلك، ولم تلتزم بتهديداتها ووعيدها للاحتلال، فحتى فضح الكيان على المستوى الدولي هي متقاعسة به، ولم تؤد دورها على المستوى المطلوب، بحجة التكتيكات السياسية، والضغوط القاهرة التي تتعرض لها.
نعم علينا أن نعرف أنْ الظروف الراهنة لا مجال فيها للمهادنات، والمناورات السياسية من قبل السلطة. ما يمر به الشعب الفلسطيني اليوم من حرب شرسة، وعداء لم يسبقه مثيل من الاحتلال ومستوطنيه يتطلب موقفاً أكثر وضوحاً، وقرارات مقنعة للشعب الفلسطيني، وعدم الاكتفاء بالتصريحات الإعلامية البراقة التي أصبح الفلسطينيون يضجرون منها، ولا يلتفتون إليها.
هذه المرحلة صراع صريح مع أمريكا، المرحلة المقبلة ستكون حاسمة على السلطة، ويجب أن تتدارك وضعها، وترتب أوراقها، وإلا فإنها ستكون في وضع حرج لا تحسد عليه، فالكيان لا ينفك عن التصعيد ضدها سياسياً وأمنياً، كما يريد إنهاء أي دور لها، ويسعى إلى جعلها أجيراً له، تنظم أمور الفلسطينيين الحياتية، دون أي تأثير سياسي لها، في المقابل فإن الشعب قد وصل الاحتقان لديه إلى حد الانفجار، وإن مزيداً من الضغط وعدم وثوقه بسلطته قد يدفعه إلى تغيير بوصلته نحوها لمطالبتها بالرحيل وتمزيق الاتفاقيات التي أنتجتها. فما فائدة اتفاقيات لا تقدم للشعب شيئاً؟.
ترامب لا يقدر وزنًا للعرب عمومًا، فكيف له أن يحسب سلطة محتلة.. مكبلة هي وشعبها؟.. إذا كانت قضية فلسطين دائمًا أولى اهتمامات جامعة الدول العربية. ومنذ بدء أعمالها أخذت على عاتقها عرض القضية الفلسطينية أمام الأمم المتحدة في المدة 1946-1948. عام 1952 تبنى مجلس وزراء الجامعة العربية سلسلة من القرارات فيما يتعلق بمعاملة اللاجئين الفلسطينيين في الدول الأعضاء في الجامعة. وفي سنة 1965م تُوجت هذه الجهود بتبني بروتوكول الدار البيضاء بشأن معاملة الفلسطينيين في الدول العربية. فأين دور الجامعة بعد أوسلو؟.

*كاتبة لدى الحياة اللندنية.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

عن محنة المسلمين الروهينغا

بقلم: د. سليمان عباس البياضي* — الروهينغا هم العرقية المسلمة التي تسكن منطقة أراكان، وهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *