الرئيسية / دراسات / دور ولاية الفقيه في تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية

دور ولاية الفقيه في تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية

د. هيثم مزاحم — نجح الإمام الخميني بعد نحو عشر سنوات من تبنيه لنظرية ولاية الفقيه في إقامة نظام الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979 على أساس تلك النظرية وتولّيه الحكم فيها بصفته ولياً للفقيه. لكن لم يكن الشكل الدستوري للحكومة أو الولاية مبلوراً بشكل واضح ومفصّل بعد، فأوكل الخميني إلى مجلس من الخبراء منتخب من الشعب أن يعدّ دستوراً للجمهورية الإسلامية. قام ذلك المجلس بعد دراسة وبحث ونقاش دام أشهراً عدة بوضع دستور جديد يقوم على نظرية ولاية الفقيه، ويشابه الدستور الإيراني لعام 1906، ولكنه يستبدل بالملك رئيساً للجمهورية ينتخب مباشرة من الشعب، فيما يمنح المرجع الديني الأعلى، منصب الولي الفقيه كأعلى سلطة دستورية في البلاد، ويحتّم على رئيس الجمهورية أن يأخذ تزكية وموافقة من الإمام، وإلا فلن يصبح شرعياً ولن يستطيع ممارسة مهامه.

تطوير ولاية الفقيه

إذا كانت نظرية ولاية الفقيه العامة قد قال بها بعض الفقهاء الذين سبقوه (المحقق النراقي، وآية الله العظمى محمد حسن النجفي، صاحب كتاب جواهر الكلام وحسين البروجردي)، فإنّ توسيع صلاحيات الفقيه من “الولاية العامة” إلى “الولاية المطلقة” هو ما تميّز به الخميني، كما كان يُعتبر الوحيد القائل بالشرعية الإلهية المباشرة، وأول فقيه يتعامل مع مفهوم الدولة بصفتها مؤسسة.

يرى الخميني أنّ ولاية الفقهاء المطلقة هي الولاية نفسها التي أعطاها الله إلى نبيّه الكريم (ص) والأئمة، وهي من أهم الأحكام الإلهية، ومتقدمة على جميع الأحكام الإلهية، ولا تتقيد صلاحياتها في إطار هذه الأحكام. فالحكومة واحدة من الأحكام الأولية وهي مقدمة على الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج. وتستطيع الحكومة أن تلغي من جانب واحد الاتفاقيات الشرعية التي تعقدها مع الأمة، إذا رأت أنها مخالفة لمصالح الإسلام أو الدولة. كما تستطيع أن تقف أمام أي أمر عبادي أو غير عبادي يخالف المصالح العامة، وللحكومة صلاحيات أوسع من ذلك.

بناءً على ذلك، فإنّ الولي الفقيه يستطيع أن يحكم، على ضوء مصلحة النظام، بصورة أوسع من دائرة الشرع، ولكن ضمن أهداف الدين. وهذه الأحكام ليست فقط واجبة الاتّباع والإطاعة، وإنّما هي مقدمة على جميع الأحكام الشرعية الفرعية، إذا تزاحمت معها. إذ يستطيع الولي الفقيه المطلق أن يلغي القانون عندما يرى أنّ ذلك من مصلحة الإسلام والمسلمين، وخاصة في الحالات غير المنصوص عليها في الدستور، وذلك باعتبار أنّ القانون الواقعي هو قانون الإسلام الذي لم ينقضه الفقيه الولي. وبناء عليه، فأوامر الولي الفقيه تعتبر في حكم القانون، وهي مقدمة عليه في حالات التعارض الظاهري معه.

وتتميّز نظرية الخميني الولاية المطلقة للفقيه بمفهوم جديد عن الفقه يقوم على مراعاة الفقيه لمصالح الحكومة والمجتمع، والأخذ بالاعتبار دور الزمان والمكان في الاجتهاد، والقدرة على حل مشاكل العالم السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية والاجتماعية، وبالتالي القدرة على هداية المجتمع الإسلامي الكبير، وحتى المجتمعات غير الإسلامية. فالفقه في رؤيته هو نظرية الإدارة الكاملة للإنسان والمجتمع. لقد كان الخميني يعتقد بأنّ الحكومة في نظر المجتهد الواقعي هي الفلسفة العلمية للفقه في جميع مناحي الحياة الإنسانية، وأنها الجانب العملي من الفقه الذي يتولّى معالجة سائر المشاكل الاجتماعية والسياسية والعسكرية والثقافية، وأنّ الفقه هو النظرية الواقعية والكاملة لإدارة الإنسان والمجتمع من المهد إلى اللحد.

كما كان الخميني يعتقد بأنّ النظام الإسلامي المرتكز على ولاية الفقيه المطلقة، والذي يشترط الفقه والعدالة في الولي الفقيه، لا يمكن أن يعرف الاستبداد والدكتاتورية لوجود شرط العدالة. فالفقيه متى ما جنح صوب الاستبداد والديكتاتورية، فإنه يسقط تلقائياً وبصورة مباشرة، ونظراً لاتّصاف الولي الفقيه بالفقه واعتماده على استشارة الخبراء، فإنّ نسبة الخطأ تقل إلى أقصى حد. وهو كان يعتقد أنّه بما أنّ الولي الفقيه هو خليفة الإمام المعصوم، وبما أنه يتمتع برعاية خاصة من الإمام المهدي، ويتكفّل بمهمة هداية الأمة، فإنّ درجة الحفظ والسلامة للنظام ترتفع إلى حدّها الأقصى تحت ظل ولاية الفقيه المطلقة.

يقول الخميني في هذا الصدد: “لا معنى لمفهوم الاستبداد والأنانية والإضرار بالناس في اتّخاذ القرارات، في الولاية الإسلامية النابعة من القيم، إذ إنّ العدالة بالمعنى الخاص من شروط الولاية، والولاية توأم العدالة، وإنّ الحاكم الإسلامي يفقد شرط العدالة ويعزل من منصبه إذا ارتكب أدنى مخالفة أو عمل خارج إطار الأوامر والنواهي الإسلامية، أو قام بأدنى ظلم وانحراف، أو أهمل مسؤولياته أو شيئاً منها. إنّ هذا المنهج الذي يؤمّن خير الإنسانية ويحفظ القيم ومصالح المجتمع، لا يوجد في أي نظام حكومي في الدنيا، أو في أي نظام للرقابة الشعبية.

يشار إلى أنه بعد نحو عشر سنوات من قيام الجمهورية الإسلامية في إيران على أساس ولاية الفقيه المطلقة؛ تفجّرت أزمة تشريعية بسبب رفض مجلس صيانة الدستور التصويت على قانون العمل الذي أعدّه مجلس الشورى، وعدّله ثماني مرات خلال ثماني سنوات، وذلك بحجة مخالفته للإسلام، مما اضطر وزير العمل للجوء إلى الإمام الخميني الذي كان يمثل أعلى سلطة في البلاد، لكي يحسم المشكلة، فأجاز له الإمام تطبيق القانون الذي أقرّه مجلس الشورى، من دون أن يصدّق عليه مجلس صيانة الدستور. وقد عمد وزير العمل إلى توسيع صلاحياته مستفيداً من إجازة الخميني له، فقام بتطبيق عدد من القوانين التي لم يجر تصديقها نهائياً من قبل مجلس صيانة الدستور، الأمر الذي أثار حفيظة رئيس الجمهورية آنذاك السيد علي خامنئي، الذي دان خلال خطبة الجمعة توسّع وزير العمل بالاستفادة من إجازة الخميني له، فاستاء الأخير من ذلك ووجّه له رسالة شديدة اللهجة عبّر فيها عن اعتقاده بالولاية المطلقة للفقيه التي لا تحدّها حدود. وجاء فيها:

“كان يبدو من حديثكم في صلاة الجمعة، ويظهر أنكم لا تؤمنون أن الحكومة التي تعني الولاية المخوّلة من قبل الله إلى النبي الأكرم (ص) مقدمة على جميع الأحكام الفرعية الإلهية. وإن استشهادكم بقولي: إنّ صلاحية الحكومة في إطار الأحكام الإلهية يخالف بصورة كلية ما قلته. ولو كانت صلاحيات الحكومة محصورة في إطار الأحكام الفرعية الإلهية لوجب أن تُلغى أطروحة الحكومة الإلهية، والولاية المطلقة المفوّضة إلى نبي الإسلام (ص) وأن تصبح دون معنى. لا بدّ أن أوضح أن الحكومة شعبة من ولاية رسول الله (ص) المطلقة، وواحدة من الأحكام الإلهية للإسلام، ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية، حتى الصلاة والصوم والحج. إنّ باستطاعة الحاكم أن يعطّل المساجد عند الضرورة، وأن يخرّب المسجد الذي يصبح كمسجد ضرار، ولا يستطيع أن يعالجه بدون التخريب.

الخميني والدولة الإسلامية

كان لنظرية الخميني الخاصة في “ولاية الفقيه” والحكومة الإسلامية دور مهم في نجاح مشروعه السياسي القائم على أربعة أركان هي:

أولاً: حاجة الإسلام إلى قيام الدولة من أجل تطبيق قسم كبير من أحكامه.

ثانياً: إنّ إقامة الحكومة الإسلامية وإعداد مقدماتها، ومن بينها المعارضة العلنية للظالمين، من واجبات الفقهاء العدول. وإنّ اتّباع الناس لهم ومساندتهم هي من الأمور الواجبة.

ثالثاً: إنّ الحكومة الإسلامية تعني ممارسة الفقهاء العدول المعينين من جانب الشارع المقدس لولايتهم في كل الجوانب السياسية التي كانت من صلاحيات النبي والأئمة.

رابعاً: إن الحكومة الإسلامية والقوانين الصادرة عنها تعتبر من الأحكام، الأولية وتتمتع بالأولوية على جميع الأحكام الفرعية، وإنّ حفظ النظام واجب شرعي.

ويرى الباحث الإيراني الشيخ محسن كديفر أن هذه المبادئ كانت أحد الأسباب المباشرة في اندلاع الثورة في إيران، وقيام الدولة الإسلامية، والعمل على المحافظة على النظام الإسلامي.

يتساءل كديفر: “لماذا لم تقُمّ ثورة إسلامية على يد فقيه آخر سوى الإمام الخميني؟”، ويجيب بأن ذلك يعود إلى مفهوم الخميني الخاص لمسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يعتبره واجباً لا يُرفع حتى مع وجود الضرر المطلق، ومنه الضرر النفسي والحرج.

كان الخميني يختلف عن باقي الفقهاء باعتقاده أنّ إقامة الحكومة الإسلامية معروف لا مفر من الأمر به، في حين كان الآخرون، حتى القائلون منهم بضرورة إقامة الحكومة الإسلامية، يشترطون للتصدّي لممارسة السلطة تهيؤ الظروف المناسبة لذلك.

المصدر: خلاصة من بحث د. هيثم مزاحم ‘سؤال العنف في فكر الخميني بين النظرية والتطبيق، ضمن الكتاب 130 (أكتوبر/تشرين الأول 2017)’مرجعيات العقل الإرهابي: المصادر والأفكار’ .الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي، نقلاً عن موقع ميدل ايست أونلاين

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

هل يدمر ترامب حلف الناتو؟

ينظر الحلفاء بخوف إلى قمة الناتو هذا الأسبوع مع استمرار الرئيس ترامب في حملته لتقويض …

عن المصالحة بين القوميين والإسلاميين

بقلم توفيق شومان — طوال العقود الماضية ، أظهر المناخ السياسي والفكري العربي ، وجود …

تساؤلات حول الهوية الدينية للعلم والمعرفة

د. عبدالجبار الرفاعي — اكتشافُ هوية دينية وأيديولوجية للعلم والمعرفة كان وما زال أحدُ الأحلام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.