الرئيسية / مقالات / المحددات الداخلية لنجاح إعادة بناء الدولة الوطنية

المحددات الداخلية لنجاح إعادة بناء الدولة الوطنية

بقلم: توفيق المديني* — يظل الانتصار على الإرهاب في بعده الاستراتيجي مرهونًا بإعادة بناء الدولة الوطنية الديمقراطية التعددية في سورية ،وفي كل دول الشرق الأوسط على أسس جديدة ،ويقصد بإعادة بناء الدولة إدخال تحولات جذرية على بنية مؤسسات الدولة، كي تتمكن من أداء وظائفها الأمنية، والاجتماعية، والسياسية بكفاءة تستند إلى الشرعية والرضا المجتمعي .وتمر عمليات إعادة بناء الدولة الوطنية بمجموعة من المراحل المتتابعة، يمثل أهمها في :
أولاً: إنهاء الصراع المسلح رسمياًعبر القضاء على الإرهاب ، وتحقيق المصالحة الوطنية بين مختلف مكونات الشعب السوري : ويتم غالباً من خلال اتفاق على عقد اجتماعي و سياسي جديد يوقعه أطراف الصراع، بشرط أن يحظى هذا الاتفاق برضا جميع الأطراف المؤثرة.
ثانيًا:الشروع في تنفيذ التعهدات وإزالة آثار النزاع : و منها تسليم السلاح، وإعادة المناطق التي تمت السيطرة عليها من قبل بعض التنظيمات الجهادية ، وعودة اللاجئين والمهجرين، وإزالة الألغام، وعقاب مرتكبي الأفعال الإجرامية.
ثالثًا:التسوية السياسية : وهي المرحلة التي يتم فيها التوافق بين النخب السياسية وأطراف الصراع حول شكل الدولة، وطبيعة نظام الحكم، والنظام الانتخابي، ويتم وضع دستور لها.
رابعًا:بناء المؤسسات وإرساء الأسس اللازمة لإطلاق عملية التنمية : حيث يتم البدء في اتخاذ الإجراءات التي تساعد على إصلاح المؤسسات، والعمل على استعادتها على حفظ السلام، وإرساء الأمن.
خامسًا:إعادة هيكلة العلاقات المدنية – العسكرية : وذلك من خلال نزع سلاح المواطنين، والفصائل السياسية الراغبة في الانخراط في العملية السياسية، وحل الميليشيات المسلحة، أو دمجها في المؤسسة العسكرية.
سادسًا:نشر ثقافة السلام والقيم والمصاحبة لها : ونعني بها تثبيت ركائز السلام المتضمنة معاني التعايش، والحرية، والعدالة، والديمقراطية على المستويات الثقافية والفكرية داخل المجتمع، وتحييد ثقافة الصراع، قدر الإمكان.
سابعًا: توافر الإرادة الحقيقة لإعادة بناء الدولة الوطنية : يتضح مدى أهمية هذا العنصر عند مقارنة حالة اليابان، على سبيل المثال، بحالتي العراق وأفغانستان. ففي الحالة الأولى، توافرت نية حقيقية لإعادة بناء اليابان، وكان الهدف الرئيسي واضحاً، وهو تحويلها إلى دولة ديمقراطية تنبذ الحرب من أجل ضمان عدم دخول دول العالم في حرب عالمية ثالثة. أما في حالتي العراق وأفغانستان، فلم تكن نية بناء الدول حاضرة فعلياً، بقدر ما استغل الشعار غطاء لأهداف أخرى متعلقة بتوازنات القوة.
ثامنًا: درجة استعداد القوى المنوط بها البناء لدفع الثمن ومدى مساندة نظامها الداخلي : وليس المقصود هنا الثمن المادي فحسب، وإنما مجمل الجهود التي تبذل في سبيل تحقيق هذا الهدف.
تاسعًا: التخطيط الجيد لمراحل إعادة البناء : من خلال وضع أولويات واضحة لعملية إعادة البناء، تتضمن إجابات محددة على التحديات المتوقعة، ومشاركة مختلف القوى، سواء المنوط بها البناء، أو الأطراف الداخلية، في وضع هذه الخطط وصياغتها، على أن تتمتع هذه الخطط بالمرونة الكافية عند التطبيق بشكل يضمن كفاءتها وفاعليتها .
عاشرًا:ضرورة اختيار النظام السياسي الأنسب للدولة الوطنية ، وليس هو بالضرورة المفضل من قبل القوى المنوط بها البناء، وليست العبرة بطبيعة النظام بقدر ما تتعلق بمدى قوة مؤسسات الدولة التي تم بناؤها، وقدرتها على القيام بوظائفها.يرتبط بذلك ضرورة كتابة دستور جامع للهويات الفرعية داخل المجتمع المنقسم، بحيث لا يكون أسيرًا لميزان القوى المتغير باستمرار.
في بيئة الدولة الشرق أوسطية المعقدة،و المتسمة بالتعددية الطائفية و المذهبية والعرقية،يؤثر هيكل التكوينات الاجمتاعية في محاولات إعادة بناء الدولة، من خلال تأثيراته في الهوية القومية، وشرعية السلطة المركزية، وغيرها، وتحول الانقسامات العرقية دون تطوير سلطة مركزية تتمتع بالشرعية، مما يعوق بالتالي تأسيس مؤسسات دولة قوية قادرة على القيام بوظائفها.
والحال هذه ،لا بد من أن تتمتع مشروعات إعادة البناء بقدر من الشرعية الدولية، سواء كان قانونياً أو سياسياً، إضافة إلى وجود قدر من المقبولية الداخلية لفكرة مسئولية الخارج عن إعادة البناء.وربما يفسر استسلام اليابان لمشروعات إعادة البناء فيها أنها منيت بالهزيمة العسكرية في حرب بادرت هي بها، وهو أمر لم يتوفر في الحالتين العراقية و السورية ، حيث لم يكن العراق قبل احتلاله دولة فاشلة، ولم يكن لاحتلاله مشروعية قانونية أو سياسية ، ولم تكن سورية دولة فاشلة قبل الحرب الإرهابية الكونية عليها.
إنّ محددات إعادة بناء الدولة الوطنية ذات صلة بالبيئتين الإقليمية والدولية، وتتمثل أهمها في :
أولاً:ملائمة الظرف التاريخي ودرجة انتشار الظاهرة : يقصد بالظرف التاريخي مجمل الظروف الدولية والإقليمية التي تحيط بعملية البناء.. وإن كان تأثير القوى الإقليمية و الدولية يرتبط بعوامل أخرى أكثر أهمية، لعل أهمها شرعية التدخل من أجل إعادة البناء، و مدى توازنه مع وحدة الانقسام المجتمعي.
ثانيًا:ملاءمة البيئة الدولية : لا تتيح دراسة الحالات التي تمت فيها تجارب لإعادة بناء الدولة إمكانية الحزم بأي أنماط النظام الدولي الأنسب لحالات التدخل من أجل إعادة البناء في نظام متعدد الأقطاب، وتمت محاولات أخرى تحت نظام ثنائي القطبية، قبل انهيار الاتحاد السوفيتي. وفي حالات ثالثة، تمت تلك المحاولات تحت قيادة أمريكية أحادية للنظام الدولي. ويمكن نظرياً افتراض أن اتخاذ قرار إعادة البناء وتطبيقه على أرض الواقع يبدو أسهل في حالة الأحادية القطبية خلافاً للبيئتين ثنائية ومتعددة القطبية. إلا أن الخبرة التاريخية تقدم واقعاً مختلفاً، حيث فشلت جهود إعادة بناء العراق وأفغانستان، رغم تعرضهما للاحتلال من قبل القطب المهيمن، وهو الولايات المتحدة، في حين نجحت الحالتان اليابانية والألمانية في ظل ثنائية قطبية. تؤكد تلك الخبرة أن أثر البنية القطبية لا يرتبط بشكل النظام بقدر ما يرتبط بنوعية التفاعلات بين وحداته.
ثالثًا:جاهزية البيئة الإقليمية : تتعاظم التأثيرات السلبية للبيئة الإقليمية في حالة تضارب رؤى ومصالح القوى الإقليمية حول مبدأ البناء في حد ذاته، وطبيعة ومستقبل الدولة المستهدفة. وتزداد قدرة القوى الإقليمية على إجهاض إعادة البناء في الدولة المستهدفة، حال امتلاك تلك القوى أوراقاً تسمح لها بالتدخل السلبي، مثل تداخل التركيبات العرقية أو الدينية. وعلى العكس، فوجود قدر من التوافق الإقليمي حول مشروع إعادة بناء الدولة يخلق بيئة مشجعة لنجاح المشروع، ويخفض تكلفته.
يعد الشرق الأوسط من أكثر المناطق التي أسهمت المؤثرات الإقليمية في إجهاض مشروعات إعادة بناء بعض دولها. فالقوى الإقليمية لن تسمح للقوى الداخلية بالتهدئة. ولعبت الدول الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط ، أدواراً، بعضها معلن، والآخر خفي، ساعدت على زيادة التحديات أمام قوى إعادة البناء في حالة العراق، أو لبنان قبله.
يستلزم نجاح محاولات إعادة البناء للدولة الوطنية في الشرق الأوسط مجموعة شروط على المستوى الداخلي، هي :حدوث توافق بين القوى الداخلية حول مبدأ إعادة البناء ذاته، وكذلك متطلباته، وكيفية تحقيقه، والاستعداد لتحمل تكلفته، ولن يتأتى ذلك إلا بعد إنهاء الصراع الداخلي على المستويين الفعلي والنفسي، أو الإجماع على ضرورة إنهاءه، على أقل تقدير،ومدى استقلال القوى الداخلية في مواجهة القوى الإقليمية والدولية. فكلما زادت درجة الاستقلال، استطاعت القوى الداخلية أن توجه عملية البناء لمصلحتها والعكس صحيح. وكشفت تجارب إعادة بناء الدولة في العراق وأفغانستان عن أن التوازنات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط هي العامل الأخطر في تحديد فرص نجاح إعادة البناء او فشله.

*كاتب تونسي.

المصدر: مجلة البلاد الإلكترونية. تصدر أسبوعيًا عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان،العدد رقم 107، تاريخ 22ديسمبر 2017

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

في ذات خريف ’’واشنطنيّ‘‘ مع هشام شرابي

بقلم: خالد النجّار* — الآن تعودني تلك الزيارة الأولى إلى واشنطن من خلال ألاعيب الذاكرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *