الرئيسية / آراء / كيف تحول التعايش إلى سياسة قتل وإبادة في البوسنة؟

كيف تحول التعايش إلى سياسة قتل وإبادة في البوسنة؟

بقلم: د. سليمان عباس البياضي* — تقع جمهورية البوسنة والهرسك في الشمال الغربي من شبه جزيرة البلقان، مساحتها حوالي 51 ألف كم، وعدد سكانها حوالي 4 ملايين نسمة، يمثل المسلمون البوشناق تقريبا 51% من السكان، يليهم الصرب الأرثوذكس 30%، ثم الكروات الكاثوليك 15%، بالإضافة إلى قوميات صغيرة، ويرجع جميعهم للعرق السلافي وعرفوا بـ السلاف الجنوبيين.
دولة البوسنة تتكون من كيانين 2، أحدهم بأغلبية بوشناقية وكرواتية، ويسمى “فيدرالية البوسنة والهرسك” ويمثل 51% من مساحة البوسنة، والكيان الثاني هو “جمهورية صربسكا” وغالبية سكانه من صرب البوسنة، ومساحته %49 من البوسنة، ولكل من الكيانين حكومة ومجلسي نواب منتخبين من قبل الشعب.
كانت البوسنة جزءاً من الدولة العثمانية منذ عام 1464 حتى جرى التنازل عنها بعد سلسلة من المعاهدات والتي كان منها معاهدة برلين، تنازل العثمانيون عن المناطق التي كانت تعتبر أطراف الدولة العثمانية، وكان منها البوسنة، تم التنازل عنها إلى الامبراطوية النمساوية المجرية، فيما بعد أصبحت البوسنة جزءاً من يوغسلافيا الاتحادية والتي نتج عنها لاحقا ست دول هي صربيا والبوسنة والجبل الأسود ومقدونيا وسلوفينيا وكرواتيا.
في بداية التسعينيات من القرن العشرين بدأت يوغسلافيا في التفكك، وتوالى استقلال الدول عنها، وفي مارس 1992 أجري استفتاء شعبي في البوسنة والهرسك على الاستقلال عن يوغسلافيا، جاءت نتيجة الاستفتاء لصالح قرار الاستقلال، وفي 6 إبريل 1992 اعترف العالم بدولة البوسنة والهرسك.
لكن هذه النتيجة لم يقبل بها صرب البوسنة أو من تبقوا في يوغسلافيا، فماذا فعلوا؟
فقد شنوا حرب إبادة ضد المسلمين استمرت نحو أربع سنوات من عام 1992 إلى عام 1995، قادها الجنزال العسكري راتكو ملاديتش، وزعيم صرب البوسنة آنذاك رادوفان كراديتش، وراح ضحية هذه الحرب أكثر من 100 ألف مسلم، بالإضافة إلى اغتصاب أكثر من 50 ألف امرأة وفتاة من مسلمات البوسنة، كما كان للكروات وجود فيها أيضاً فأحياناً توحد الصرب والكروات ضد المسلمين ثم تحالف الكروات مع المسلمين ضد الصرب.

مجزرة سربرنيتسا
في يوم 11 يوليو من كل عام، يحيي مسلمو البوسنة ذكرى مجزرة سربرنيتسا، دفن رفات الضحايا المكتشفة والتي تم التعرف على هوية أصحابها في مقبرة بوتوكاري. ففي بداية شهر يوليو 1995، بدأت القوات الصربية هجماتها على مدينة سربرنيتسا التي كانت بقيت نتيجة اتفاق سابق تحت حماية القوات الأممية كمنطقة آمنة للمدنيين، لكن الوحدة الهولندية التي كانت عاملة ضمن قوات الأمم المتحدة آنذاك سلمت المدينة للصرب من دون أي مقاومة. وهنا انقسم سكان المدينة إلى فريقين أحدهما رفض تسليم أسلحته وفر إلى الغابات في محاولة للوصول إلى أقرب مدينة يسيطر عليها الجيش البوسني المسلم وهي “توزلا” وتبعد عن سربرنيتسا تقريباً 100 كيلومتر، إلا أن المليشيات الصربية أعدت لهم كمائن في الطريق وقتلتهم جميعاً حتى من استسلم منهم، ودفنتهم في حفر.
الفريق الآخر بقي في المدينة مع النساء والأطفال، ودخل الصرب مدينة سربرنيتسا وتجول الجنرال العسكري راتكو ملاديتش في أنحاء البلدة أمام وسائل الإعلام تصوّره وهو يخاطب المدنيين المجتمعين “لا تخافوا”، واسمحوا للنساء والأطفال بالمرور للخروج من المدينة، لن يتعرض أحد لكم بأذى”، …. هنا تعالت صيحات المدنيين بعدها: “شكرًا لكم”!، في حضور وسائل الإعلام.
بعد أن ذهبت الكاميرات بدأ الصرب في فصل كل الذكور من سن 14 عاماً فما فوق عن النساء، واقتادوهم ولم يسمع سوى صوت نباح الكلاب وطلقات الرصاص، وسط صمت مريب من القوات الأممية، وتم دفن الضحايا في مقابر جماعية، وهكذا خلال ثلاثة أيام فقط جرى قتل 8372 مسلماً هم ضحايا مجزرة سربرنيتسا وحدها، ولا تزال الفرق الدولية تبحث عما تبقى من رفات الضحايا ومن ثم يجري التعرف على هوية أصحابها.

لماذا كل هذه الكراهية ؟
كانت هناك مشروعات تتنافس منها مشروع صربيا الكبرى: التي تعتبر البوسنة والهرسك جزءاً منها، وطمع القوميين الكروات في البوسنة والهرسك واعتبارها جزءاً من كرواتيا، وادعاءهم أن البوشناق المسلمين كانوا في الأساس كروات وأسلموا.
طبعاً الوجود الإسلامي العثماني كان على حساب المشروع الصربي حتى أن الصرب كانوا يتوعدون رئيس البوسنة علي عزت بيغوفيتش بالقتل على غرار قتلهم السلطان العثماني مراد الأول بعد معركة قوصوة عام 791هـ/ 1389م، فكان لدى الصرب حقد كبير على المسلمين وهو ما ظهر وقت الحرب حيث فوجئ المسلمون بجيرانهم من الصرب الذين كانوا يعيشون معاً في نفس الشارع والمنطقة يقتلونهم ويغتصبون نساءهم وبناتهم. وقد تجاوزت إحصاءات ضحايا سلاح الاغتصاب من نساء وفتيات البوسنة المسلمات 50 ألف.
وجاءت اتفاقية كي توقف حرباً طاحنة بضغط من المجتمع الدولي لكنها كانت اتفاقية مجحفة لحقوق المسلمين فبموجب هذه الاتفاقية يحكم البوسنة والهرسك مجلس رئاسي من ثلاثة أشخاص ممثل للمسلمين وآخر للصرب وثالث للكروات، برغم عدم تساوي نسب كل منهم.

*باحث في التاريخ والحضارة الإسلاميين.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

هل نصب الأميركيون فخاً لصدام حسين؟

بقلم: عبد المنعم عيسى* — يروي د. حسن العلوي المفكر والسياسي العراقي الذي كان مقرباً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *