الرئيسية / آراء / مأزق الدين والحداثة في العالم العربي

مأزق الدين والحداثة في العالم العربي

بقلم: د. صالح محروس – رغم أن الإسلام منهج حياة ولا يمانع بل يدعو إلى الحداثة من منطلق دعوته إلى العلم والتقدم، فإن الواقع العملي للمسلمين يقر بأن الجدل لا يزال يدور بين الإسلام والحداثة في واحدة من أكثر عمليات التثاقف صعوبة وممانعة. فثمة دعوة إلى الخلاص من الخوف المقيم الممانع لبرودة العقل باكتشاف طرق لإمتلاك الحداثة، أي الإندراج فيها مباشرة كتجربة كونية تمثل حصيلة الخبرة الإنسانية المشتركة، وليست مجرد مغامرة أوروبية.
ويتعين علينا الوقوف عند حدودها للفرجة عليها أو الوقوف على أطلالها حسرة على موت الله فيها. ما ندعو إليه هو تجاوز الموقف السلفي الرافض للحداثة بل والموقف التوفيقي الداعي إلى الجمع بين الأصالة والحداثة والذي يبقى رغم سلامته العامة موقفاً سكونياً اتخذ شكلاً نمطياً وصار قالباً جاهزاً فرض نفسه على الفكر العربي لقرن ونصف قرن من الزمان من دون أن ينتج شيئاً ذا أهمية برغم ما استهلكه من مشروعات فكرية قيمة وانطوى عليه من اجتهادات بحثية معتبرة.
وتفترض النزعة التوفيقية كاستراتيجية نهضوية مسارات للدمج والتركيب تستلزم بدورها تحليلاً وتفكيكاً كي نحسن الإختيار بين العناصر الإيجابية في تراثنا العربي وتراث الآخر الغربي. ولكن تعذر القيام بهذه المهمة لأن العرب دخلوا العصر الحديث تحت ضغط الإستعمار والصهيونية.
ولقد تشكلت الثقافة العربية في عصر التدوين العربي من القرنيين الثاني والرابع الهجريين، الثامن والعاشر الميلاديين، فترة الازدهار الحضارى العربي والإسلامي في مقابل عصر الظلام الأوروبي في العصور الوسطى. ومع بداية القرن التاسع عشر ظهر تأخر الثقافة العربية بعد مجيء الحملة الفرنسية وما وصلت إلىه من علم.
ويرى الكاتب أن الخطاب الفكري العربي خضع لنزعة دفاعية واضحة لنحو قرنين كاملين كان خلالهما مهجوساً بالغرب وبالرغبة الدفينة في تزويق صورة تديننا الإسلامي في مواجهته حيث تعين على فقهائنا ثم مفكرينا القيام بمهمة نفي العلاقة بين تخلفنا الحضاري وبين إيماننا الإسلامي، وهي قضية كبرى استغرقت بحوثاً مطولة وأنتجت تأملات علي قدر متفاوت من الصواب. غير أن النزعة الدفاعية هذه بفعل التطرف الديني وتصاعد الإرهاب الوحشي تحولت إلى نزعة “هروبية” من الواقع إلى النص القرآني في حضوره الرائق وشفافيته العإلىة فطرحت القيم الجوهرية التي ينطوي عليها الإسلام كالعدل والشوري وحرمة النفس الإنسانية والتسامح مع المِلل والأعراق الأخرى باعتبارها قيمنا “نحن المعاصرين” قبل أن نستدير إلى الآخرين متسائلين: لماذا لا يفهمون ديننا؟ ألم يقرأوا الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة؟
ويوضح الكاتب ان للحداثة جذوراً ضاربة في الحضارة العربية الكلاسيكية قيمة عقلانية مؤكدة موجودة بالنص القرآنى ولكنها بالتأكيد ليست العقلانية الحديثة “المتمحورة حول المنهج التجريبي” بل عقلانية صورية كانت هي الأرِقي في زمانها. وظهرت نزعات عقلانية حديثة شهدتها النهضة العربية الثانية ومحاولات الإصلاح الديني قادها رواد مثل رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وغيرهم. كما أن العلمانية السياسية في التجربة الإسلامية التي تجاوبت مع النص القرآني في رفض الوصاية الروحية على الضمير الإنساني، لكنها ليست بالقطع تلك العلمانية الحديثة الموشاة بالديمقراطية الليبرالية بل علمانية مستبدة صاغتها صراعات السلطة.
ويُسلم الكاتب بأن الحضارة الإنسانية بنية واحدة وإن تفاوتت المراكز الثقافية داخلها بين من ينتج ومن يستهلك والخبرة الإنسانية مشتركة المضمنة في تجربة الحداثة فكل ما هو إيجابي فيها يكاد يكون إنسانياً حيث ثمثل الخبرة الإنسانية مستودعاً للحكمة التاريخية تتراكم داخله القيم الإيجابية التى تنال إجماعات البشر ورضاهم وهو الفهم الذى ينفي حيثيات موقفين شديدي التناقض.
الموقف الأول هو الاستسلام لدونية حضارية ترى الغرب نموذجاً مثإلىاً ومطلقاً لابد من احتذائه للنهاية وهذا رأي التيار الحداثي العلماني الذي سطع منذ مطلع القرن العشرين داعياً إلى قبول الغرب ملهماً لممارساتنا الكلية وإلى اعتبار قيمه ومعاييره مرجعية نهائية لنا ووقوعنا في أسر الصورة المثإلىة للتنوير والتي تتمتع لدى هذا التيار بقدسية كبيرة تصمت عما يستنبطه تيار الوعى الغربي العقلاني الليبرلي في تجاويفه من عقد استعلائية ونزعات عنصرية من أمثلة لذلك الفيلسوف الألماني ليبنتز صاحب مفهوم المنادة الروحية المفترض كونه مثالياً هو نفسه الذي أراد تسخير الآخرين لخدمة أوروبا الصاعدة. فلم يتوقف عن الدعوة لإحتلال الأقاليم المركزية في العالم ومن ضمنها مصر، وفولتير أحد أنبياء الحرية ورواد التنوير الأوروبي هو نفسه صاحب كتاب (الملك الشمس) الذي مجد فيه الملك لويس الرابع عشر أبرز ملوك الاستبداد الأوروبي في العصر الحديث.
الموقف الثاني هو الإدعاء بالخصوصية الحضارية المطلقة هروباً من كل ما هو إنسانى ومعاصر وهو موقف سلبي غالباً ما يصاحب الشعور بالهزيمة الحضارية وما يثيره من محاولة الاختفاء خلف قشرة من التعالي الزائف على الآخر حيث تصبح الحضارة الغربية رغم تقدمها نموذج للخواء الأخلاقي في مقابل الحضارة الإسلامية التي تعد رغم تخلفها نموذج للكمال الاخلاقي وكأنهما سفينتان متناقضتان لا يمكن ركوبهما.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

إسرائيل .. عدوان لدود للطفولة الفلسطينية

بقلم: د.فياض الفياض — في اربعينيات القرن الماضي كنا اطفالا صغارا نلعب على بيادر القرية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *