الرئيسية / آراء / تأملات في التجربه الناصرية

تأملات في التجربه الناصرية

بقلم: عبد المنعم علي عيسى* – لربما ينطبق- اكثر ما ينطبق- على حركة الضباط الاحرار التي اطاحت بالملك فاروق تموز( يوليو) 1952 قوله تعالى في توصيف اهل الكهف :” هؤلاء فتية آمنوا بربهم فزدناهم هدى” ،فعشية قيام الحركه بانقلابها كانت تبدو حركة عسكريه بحته ولم يكن هناك من مؤشر واحد على ان ما جرى يحظى او ان له امتدادات شعبيه او اجتماعيه على نحو ما حاولت الحركه ان تثبته حتى انها اطلقت على الحدث اسم ” ثوره” ، الا ان تدافع الاحداث كان يشي بمرور الوقت ان ما جرى هو امر مختلف عن الانقلابات او على الاقل هو نوع مختلف عنها ، اذ سرعان ما استطاع اولئك “الفتيه” جذب شرائح عديده ولم تلبث تلك العمليه ان شكلت نسيجا اجتماعيا بدا انه ماض في توسيع دائرته الامر الذي فرض اعادة تقييم الحدث او النظر اليه بطريقة مختلفه.
كان اصرار جمال عبد الناصر في الوصول الى الطبقة الخامسه ( طبقة المهمشين الذين لا يملكون سوى عملهم اوطبقة البروليتاريا وفق التسمية الماركسيه) قد اعطى لحركة 23 تموز ( يوليو) بعدا اجتماعيا موغلا في نسيج المجتمع المصري لم يلبث ان بدء يحفر في الذات الجماعية المصريه ، ولطالما شكل ذلك الاصرار دلالة على الطابع ” الاشتراكي” انطلاقا من ان الرهان على تلك الطبقات امر ينحصر في الانظمة التي تتبع الاديولوجيا الماركسيه، حيث يصبح هؤلاء ( المهمشين) بعد تنظيمهم و ” ادلجتهم” هم ركيزة الدوله و بنيتها الاجتماعيه التحتيه والفوقيه على حد سواء ، الامر الذي كانت له آثاره الاجتماعيه والشعبيه في العديد من المحطات وقد ظهرت جلية يوم 9 حزيران ( يونيو) 1967 عندما خرجت الجماهير المصريه الى الشارع مطالبة زعيمها الرجوع عن قراره بالتنحي الذي اتخذه في اعقاب تكشف الحقائق التي الت اليها الحرب ، كما ظهرت في تشييع عبد الناصر في الاول من تشرين اول ( اكتوبر) 1970 .
وفي سياق اخر عمل ناصر على توسعة الطبقه الوسطى ( الثانيه والثالثه والرابعه) ومن ثم تدعيمها لتكون ركيزة قويه لنظامه ، اذ من المعروف ان هذه الاخيره تشكل الداعم الاكبر للنظام ( وكذا لاي نظام) بحكم وضعها القلق وغير المستقر و لذا فانها تسعى الى تمتين روابطها بالنظام القائم خشية تطورات يمكن ان تودي بالغالبيه الساحقه منها الى مدارج الطبقه الخامسه ، الا ان الخطأ الاكبر كان يتمثل في طريقة التعاطي مع الطبقه البورجوازيه ( الاولى) فقد اندفع نظام ناصر نحو انتزاع المكاسب التي حققتها ومن ثم تحطيم مواقعها الامر الذي ترك مجالا لتوصيف هذا السلوك على انه نابع من حالة ( حقد طبقيه) متجذره في شخص عبد الناصر على خلفية هذا الاخير الفلاحيه التي بدت طاغيه في كاريزماه ، في الوقت الذي كان ممكنا فيه اعادة تنظيم هذه الطبقه ومن ثم اعادة تفعيلها ما يمكنها من الدخول في صراع حاد مع بنى المجتمع القديمه والتربع على زعامة حركة تاريخيه جديده قادره على الشد بمجتمعها نحو فضاءات تمكنه من دخول العصر او مواكبته ، خصوصا ان هذه الطبقه هي المؤهله الاولى للقيام بتلك المهمه ومن الصعب على اي طبقة اخرى القيام بها الا في ظروف خاصه وبدعم استثنائي كبير ، وما جرى هو ان القيام بتحطيم تلك الطبقه كان قد حرم المجتمع المصري من وجود ” قائد اجتماعي” وهو الامر الذي هيئ المناخات للسير في مسار ادى بمرور الوقت الى حدوث حالة انفصال ما بين رأس الهرم في السلطه وبين باقي النظام وهي العمليه التي غالبا ما يكون لها مآل واحد تنتهي اليه هو بروز ظاهرة ( الفرد المخلص) او الوصول الى حالة ( عبادة الفرد) ، وتلك ظاهرة خطرة تبرز تداعياتها سريعا فور غياب الفرد الذي يمثل كل شيئ فيها ، ولربما انتبه ناصر الى ذلك الامر مبكرا وحاول وضع حد لها على الرغم من ان تلك الحاله كثيرا ما تناغي دخيلة الانسان كما وتدغدغ فيه مشاعر وطموحات يمكن لها ان ترقى به وتضعه فوق مصاف البشر ، الا ان العبرة بالنتائج فقد شقت الظاهره مسارها وسط مناخات مصريه ( وعربيه) تشير الى وجود فراغ هائل في عملية تنظيم الجماهير ونقص في وعيها ، وسط حالة ” غض طرف” كان يمارسها ناصر انطلاقا من كونها تناغي ذاته الفرديه فلا هو يقرها وفي الان ذاته لا يسعى الى وأدها .
نجحت الناصريه في ما فشلت ثورة عرابي 1882 فيه على الرغم من ان هذه الاخيره كانت قد فشلت بفعل عاملين اثنين كانا طاغيان ايضا في التجربه الناصريه اولاهما: سيطرة العسكر على القرار ، وثانيهما ابتعاد الشارع عن المشاركه في الحدث ، الا ان الوقت المتاح امام الناصريه كان قد اعطى الفرصة امام نمو حركة التفاف شعبي حولها بعكس ما جرى للثوره العرابيه التي ومضت فقط دون ان تملك مقومات الديمومه والاستمرار ، ومع ذلك فان المشكله هنا تكمن في الاداء الذي مكن الاولى من اطالة امد بقاءها ، فقد اعتمدت هذي الاخيره في ذاك على قيام نظام امني قاس كانت له العديد من الممارسات المهينه- للقائمين بها قبل ان تكون كذلك للافراد الذين وقعت عليهم- وما تكشف من وثائق امنيه كان كاف لتكوين صورة شامله عما كان يجري في اروقة وسراديب صلاح نصر الذي عمد الى تجنيد العشرات من الفنانات عبر اساليب اقل ما يقال فيها انها قذره .
كانت المزالق والاخطاء الفادحة التي وقعت فيها ثورة يوليو 1952 تتأتى بالدرجه الاولى من كونها انها ثورة “من فوق” او بمعنى اخر لم تتحقق او تترسخ بسواعد المصريين ولربما يمكن لنا ان نقول ان الغالبيه الكبرى من الانتكاسات التي تعرضت اليها مثل سقوط دولة الوحده 1961 وهزيمة حزيران ( يونيو)1967 كانت بفعل غياب حالة الاسناد الشعبيه . وفي السياق كان الخروج من المطب غالبا ما كان يتطلب اتباع سياسات المساومة والمناورة والمهادنة مما يسيئ الى النهج والايديولوجيا في اعين القيمين عليها قبل ان يكون في اعين جماهيرها ، ظهرت تلك الممارسات في العديد من الخطوات التي اقدم عليها عبد الناصر فخيار الاستعانة بالسوفيات في بناء السد العالي لم يكن خيارا منهجيا قد فرضته معطيات او ظروف ، وانما كان فقط لان الاميركيين هم الذين سحبوا تمويل السد او انهم فرضوا شروطا قاسية لتمويله. الا ان ذلك لا يلغي ان السمت كان اولا باتجاه الولايات المتحده، والامر نفسه ينطبق على اعتماد ناصر على الاسلحة الشرقية بدءا من صفقة الاسلحة التشيكوسلوفاكية في العام 1956 التي شكلت اول خرق في احتكار الغرب لسوق السلاح في المنطقة برمتها .
هذه السياقات كانت تسير باتجاه وحيد لا مفر منه هو حتمية انتكاسة التجربة ووصولها الى طريق مسدود ولذا فقد جاءت تلك الانتكاسه مدمره و هي- بفعل تضافر عوامل اخرى- لم تقف عند حدود ثابته فقد كانت تداعيات الهزيمه كارثيه على مختلف مجالات الدوله والمجتمع وهي في شقها السياسي ادت الى انحسار دور الجماهير في صناعة القرار كما ادت الى تصدر الاصوليه الاسلاميه للمشهد السياسي المصري والعربي ولربما كانت تلك حالة طبيعيه انطلاقا من ان الذات الجماعيه للامه ( اي امه) تعمد في حالة هزيمة مشروعها الى اتخاذ حالة دفاعيه سياسيه – ثقافيه فتعود الى النقطه المضيئه الكبرى في تاريخها وفي حالتنا هنا كان النهوض في المنطقه مرتبطا بالتجربه الاسلاميه بل ومنصهرا فيها الامر الذي وضع هذي الاخيره في مكان ” البوصله” التي تحدد للتائهين وجهتهم ناهيك عن ان الفكر الاسلامي كان قد نجح في المحافظة على هوية الامه القومية والدينية في مواجهة الحملات الشرسه التي تعرضت لها منذ العام 1258 فصاعداً، وفي شقها الاجتماعي كان تصدر الاصولية الاسلامية للمشهد قد افضى الى احداث نوع من الشروخ او الفوالق غير القابلة للترميم ففي اللحظه التي كانت تجري فيها عمليات الانقسام والتمايز داخل النسيج المجتمعي عمل الاصوليون على استقدام افكار ومصطلحات اقل ما يقال فيها انها كانت غريبه عن المجتمعات التي جيئ بها اليها وفي ذاك كانت ” حاكمية” ابو الاعلى المودودي نشازا لا تتطلبه تجارب المنطقه وهي جاءت اصلا في ظل وقوع المسلمين الباكستانيين تحت” الاحتلال الهندي ” قبيل ان يحصلوا على استقلالهم في العام 1947 ولذا فقد سعى المودودي الى تكفير الحكام الهنود وهم اصلا من غير المسلمين وفي حالتنا العربيه لم يكن هناك من حكام اجانب او غير مسلمين عندما اختيرت الحاكميه منهجا في التعاطي مع الشعوب والحكومات العربيه ، وما جرى هو ان جزءا من المجتمع قد كفر الجزء الاخر .
ما نريد قوله هو ان التجربه الناصريه على الرغم مما حظيت به من تمحيص ودراسة الا انها لا تزال بحاجه للمزيد والمزيد من الدراسة. لكن شريطة ان يكون هناك اطر صارمة او مناهج بحث علمية، اذ لطالما ارتدت المرامي في كثير من الاحيان على غاياتها. فأن يقال ان عبد الناصر هو الاب الروحي للقومية العربيه او هو ” خالق” الشعور القومي العربي فذاك امر يسيئ بالدرجة الاولى اليه والى التجربة برمتها ، والقائلون به هم كمن يقول ان “جيمس واط” هو من ” خلق” قوة البخار او ان هذه الاخيرة لم تكن موجوده قبيل ان يكون واط. فالدور الذي قام به هذا الاخير هو انه اكتشفها ثم عمل على ايجاد طرق خاصة لزيادة تأثيرها وتوجيهها في خدمة الانسان. وكذا فعل عبد الناصر الذي استطاع ايجاد اطر مناسبه للشعور القومي العربي الذي وجد اصلا قبل اكثر من الفي عام كردة فعل مباشرة على الاحباش والفرس ، ثم عمل على ايجاد افق عربي عبر عنه في “فلسفة الثوره” فقال: “ذهبت تلك الايام التي كانت فيها خطوط الاسلاك الشائكة هي التي تحفظ حدود الدول وتفصل وتعزل ما فيها ، ولم يعد هناك من مفر امام كل بلد من ان يدير بصره من حوله خارج حدود بلاده ليعلم من اين تأتيه التيارات التي تؤثر فيه وكيف يمكن له ان يعيش مع غيره”. ولربما كانت غالبية المخاطر والازمات التي تعرض لها شخصيا وكذا نظامه بفعل هذه النظرة التي يلخصها هذا القول الاخير ، فمسألة ازالة الحدود واقامة اخرى لا تنقضي بازالة الاسلاك الشائكه وانما تحتاج الى توافقات دولية كبرى ومن دونها يستحيل تعديل تلك الحدود لان الامر له علاقه بالتوازنات الاقليميه والدوليه وحسابات القوى الكبرى ، وعلى الرغم من مضي قرن كامل على اتفاقية سايكس بيكو 1916 الا ان احدا الى اليوم لم يستطع اجراء تعديل عليها حتى ان المحاولات كانت مدمره في غالبية الاحيان فقد ادت محاولة صدام حسين لضم الكويت 1990 الى تدمير الجيش العراقي ومن ثم الى حصار العراق تمهيدا لغزوه واسقاط نظامه ودخوله في دوامة لم يخرج منها بعد.

*كاتب سوري.

حول شجون عربية

تفقد أيضاً

إسرائيل .. عدوان لدود للطفولة الفلسطينية

بقلم: د.فياض الفياض — في اربعينيات القرن الماضي كنا اطفالا صغارا نلعب على بيادر القرية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *